2009/11/06

نخلة الواشنطونيا


"نخلة الواشنطونيا" لعواد علي..

كوابيس بغداد وفشل محاولات الخلاص الذاتي

بقلم: اياد نصار

يشكل عنوان رواية "نخلة الواشنطونيا" للروائي والناقد المسرحي العراقي عواد علي التي صدرت مؤخراً عن دار فضاءات في عمان كما في روايته الاولى "حليب المارينز" التي صدرت العام الماضي أهمية رمزية كبيرة ترتبط بالحالة العراقية. وإذا كانت نخلة واشنطونيا يمكن أن تصادفها في شوارع أية عاصمة عربية أو أجنبية، فإنها في الرواية ليست مجرد نخلة. تشغل نخلة الواشنطونيا بال البطل (كمال) مثلما تشغل بال الراوي وبعض الشخصيات الرئيسة الاخرى على امتداد الرواية، ويمكن النظر اليها تخيليّاً على أنها إحدى "الشخصيات" أو العناصر المهمة في الرواية.


يتردد وصف نخلة الواشنطونيا في الرواية باستمرار منذ البداية وحتى النهاية حسب الحالات النفسية للشخصيات الي تنظر اليها وخاصة كمال الاستاذ الجامعي العلماني ذي العلاقات النسائية المتعددة، و(راهبة) الارملة الخمسينية الصابئية المندائية صاحبة صالون الشعر للسيدات الذي تحول الى بقالة للمواد التموينية تحت تهديد الجماعات الدينية المسلحة، و(ألماس) الارملة الثلاثينية التي قتل زوجها الذي كان يعمل مع شركة بلاك ووتر الامريكية وعشيقة كمال التي تتأمل الزواج منه، و(فيفيان) الارملة المسيحية التي قتل زوجها لأنه كان يبيع الخمور.


لشجرة الواشنطونيا في الرواية قيمة رمزية دلالية في غاية الاهمية تشير الى الاحتلال الامريكي للعراق وتتبدى في الوصف المتغير للنخلة على لسان الشخصيات أو الراوي بما يعكس حالة الشخصيات النفسية في حواراتها ومذكراتها وكوابيسها وتطورات الاحداث على أرض الواقع. تمر نخلة الواشنطونيا بتحولات في نظر الاخرين مثلما تمر الشخصيات ذاتها بتحولات تحت وطأة أزمات الحرب المأساوية، وتتحول النخلة في الرواية من رمز للقوة والاستعلاء الى رمز بشع غريب في تعبير رمزي عن التحول في النظرة الى الاحتلال الامريكي في العراق من الاحساس بالضعف أمام صدمة القوة الى الاصرار على المواجهة وانطلاق المقاومة. يبرز هذا المقطع المهم كيف ظهرت النخلة الغريبة فجأة في شوارع بغداد وكيف أحس الناس تجاها، مستمداً من الايحاء الواضح في الاسم المرتبط بواشنطن عمقاً رمزياً أكبر يعبر عن الاحتلال، وعن ردة الفعل العراقية:


"أطل ذات صباح الى الشارع من نافذة شقته، فذهله وجود نخلة ضخمة غريبة على الرصيف، تحمل سعفاتٍ مروحية ً داكنة الخضرة، وتتدلى أوراقها على شكل خيوط كبيرة، ولها ساق طويلة غليظة عند القاعدة ومنتفخة من الوسط، وثمارها كروية صغيرة سوداء.
- من الذي اقتلع نخلة الكناري وغرس محلها هذه النخلة البشعة؟ سأل الصيدليَ، الذي كادت النخلة تغطي واجهة صيدليته، فأجابه:
- لا أدري، بالأمس لم تكن موجودةً.
- وهل تعرف أي نوع من النخيل هي؟
- اسمها نخلة الواشنطونيا.




إنها ذلك الغريب والهجين -كما تصفها الرواية - الذي يصبح مرادفاً للمحتل والويلات التي جاءت معه ولهذا فهي تبقى غريبة في شوارع بغداد. وتتعزز أهمية الرمز في الرواية فيما يجري للشجرة من أحداث تبدأ باستنفار بعض شبان الحي الذين سكبوا عليها نفطاً وأضرموا فيها النار ولكنها لم تحترق بل بقيت تقف بخيلاء، ولكن يستمر رفضها ومقاومتها حتى تنتهي بقطعها واجتثاثها بعد تفجيرها وحرقها، ولكن تتم زراعة شجرة واشنطونيا أخرى مكانها من قبل جنود المارينز وهكذا تكثر وتزداد في شوارع بغداد مما يزيد من أهميتها الرمزية.

ذكرت نخلة الواشنطونيا في سبعة عشر موضعاً في الرواية التي تتألف من 14 فصلا قصيراً، بدءاً من صفحة 26 وانتهاء بالصفحة قبل الاخيرة 169. حين ذكرت أول مرة كانت في نظر كمال صورة لشيء غريب بشع ظهر على المشهد فجأة، ولكنها "منتصبة بخيلاء تهز سعفاتها اللامعة وكأنها تسخر ممن حاول إفناءها" في إشارة الى غطرسة القوة التي تهزأ بردة الفعل. بل تصبح في نظر كمال نقيضه المفقود الذي يشعره بالعار والعجز حيث يقارن بين "ضعفه المخجل وقدرتها على التحدي، واصرارها على البقاء". يصفها كمال بأنها شجرة مشؤومة حيث انهالت الكوارث على العراق منذ أن غرسوها. يبدأ كمال يزدريها، كما يبول على سياجها كلب مارٌ من الشارع، وتصبح غبراء الوجه كسعلاة مصابة بالوهن يتجمهر حولها الاطفال ويرجمون تاجها بالحصى. ثم تنتشر في كل شوارع بغداد لتستبدل أشجار النخيل الاخرى. ولكن كمال يرى لافتة معلقة عليها تقول: "ارفعوا هذه القمامة وأعيدوا لنا نخلتنا".
أما في نظر ألماس فقد صارت الشجرة عملاقة وبدأت تتحول الى ما يشبه ناطحة سحاب. ولكن هذه الناطحة في سماء حالكة تغطي كل أسطح البنايات والمنازل على امتداد البصر بما يوحي بانتشار الظلم والفوضى وهيمنة القوة وما أفرزته من مآسٍ. وتقول ألماس عنها لراهبة: "ربما تكون شجرة سامة. إنها تجثم على صدور الناس وتخنقهم". كما يرى كمال في أحد كوابيسه نسرين موثقة بجذع النخلة، والامريكان يطفئون سجائرهم في بدنها، بينما يتردد صدى الالم والصراخ في الفضاء. ورغم أن كمال يراها لآخر مرة وقد قُطع تاجها وتدلى على جذعها مثل رأس مذبوح، الا أنها تبقى مصدر هواجسه وكوابيسه، الى درجة أنه يرى في كابوسه الاخير نفسه معصوب العينين، موثقاً بحبل سميك الى جذع نخلة الواشنطونيا، تلامس كتفه كتف ألماس، وقد أحاط بهما حشد من المارينز المدججين ببنادق أل أم 16 ... وبعد لحظات وجّه اثنان منهم رشقات رصاصٍ متتالية صوب النخلة".

تجري أحداث الرواية في بغداد ما بين الشتاء الدموي والصيف الملتهب من عام 2006 وقد مضى على الاحتلال ثلاث سنوات وهو الصيف الذي تصفه الرواية بأنه "حدث ما يشبه القيامة في بغداد.. أصابت تفجيرات رهيبة قلب المدينة وأطرافها.. تفجيرات ذات دافع انتقامي أعمى. سالت دماء كثيرة من أجساد غضة ويافعة ومنهكة.. أجساد من كل الشرائح والطوائف: في الاسواق والشوارع والمساجد والحسينيات والاحياء المكتظة بالسكان. وفي اليوم التالي ظهرت ردة الفعل، هستيريا طائفية لا تقل عماءً: مداهمة منازل، قطع رقاب، حفلات شوي أجساد حية، تهديدات وتحذيرات..."، ولكن الزمن في الرواية متعدد ومتشعب.

تفتح نوافذ الزمن المتعدد في الرواية من خلال أحاديث وذكريات وتداعيات ومذكرات الشخصيات ويعود أحياناً في لمحات سريعة الى الفترة في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بالحديث عن الزهاوي ورشيد القندرجي والحكم الملكي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي بالحديث عن حي نجيب باشا الذي تحول بعد فيضان دجلة وانكسار السدة الترابية الى حي الكسرة، مع التركيز على العراق في فترة صدام حسين منذ ما يسميه الراوي ترهات وحماقات النظام وما تلاها من أحداث مأساوية مثل سقوط بغداد وحتى عام 2006. بل إن كمال يعترض على مصطلح سقوط بغداد بقوله: "يقولون إن بغداد سقطت. لماذا يختزلونها الى تمثال"؟ في إشارة الى إسقاط تماثيل صدام عقب دخول المارينز بغداد، فيجاوبه صديقه (سلام الياسري): "هو اختزلها قبلهم".

بطل الرواية كمال ترزي وهو أستاذ جامعي عربي أصله من كركوك ويدرّس اللغة الاسبانية، وقد سبق له أن عاش فترة في اسبانيا وزار قرية الشاعر الاسباني لوركا وهو واسع الاطلاع على الثقافة الاسبانية التي تظهر في مذكراته والكتب التي يقتنيها ويقرأها ويستشهد بها الراوي في كثير من الاحيان وفي الموسيقى التي يعشقها وفي الحفلات التي يحضرها وحتى الأكلات التي يصنعها لعشيقاته. يعيش كمال في بغداد ويمر بكل الكوابيس والاحداث الرهيبة التي مرت بها بغداد، ولكنه يرفض الهجرة لأنه يعتقد أن الغربة ذلٌّ للانسان. ولكنه يبدأ في الشك في صحة موقفه عندما رأى ما حل بصديقته نسرين التي تحولت الى بائعة هوى في اللاذقية ودمشق. قال فيما يبدو نادماً على قراره: "لماذا لم أرافقها؟ ألم يكن بإمكاني أن أسافر أنا وإياها بعد سنة أو سنتين على بدء الاحتلال؟ ما الذي كنت آمله منه أن يمنحنا؟ يا لي من أحمق.. لقد اضعت امرأةً أعدتُ تكوينها بيديّ مثلما أعاد هيجنز تكوين بائعة الزهور أليزا في مسرحية برنادشو".

تعيش كل شخصيات الرواية أزمات نفسية واجتماعية ودينية، وتدل تصرفات كمال كما هي تصرفات ساكيني البناية الاخرين من النساء الارامل على أنهم يبحثون عن حلول فردية للخلاص من أزمات الحرب وويلاتها فيصبحون ضحايا الخوف والذعر والغربة والتطرف العبثي.

يبدو واضحاً توجهات كمال السياسية التي تحمّل الاحتلال الامريكي وممارسات النظام السابق كل آثام ما جرى، بينما تسعى لإظهار أن المقاومة هي عراقية وليست تابعة لقوى اقليمية مثل ايران ويبدو ذلك واضحاً من حديثه مع (راهبة) جارته الأرملة المندائية، فحين تقول راهبة: "رأيتهم قبل مجيئك يقفون هناك على مقربة من النخلة، وقد شبهتهم بايرانيين يقفون في السوق"، فإنه يقول لها: "هولاء ليس لهم يد في تفجيرها".

تتناول الرواية تأثير الحروب والسياسات التي شهدها العراق وتدخلات القوى الخارجية على الانسان العراقي بغض النظر عن أصله أو طائفته الذي ينعكس في صورة القلق والخوف والضياع والغربة وانتفاء الاحساس بجدوى القيم الوطنية، كما تطرح تفكك النسيج الوطني والاجتماعي والديني والثقافي. كما تتناول غياب الاستقرار النفسي لأبطالها وغرقهم في وطأة الكوابيس والاحلام المنهارة والبحث عن الجنس لأجل استعادة الحب المفقود والطمأنينة حيث لا يعود هناك قيمة جمعية للحياة يتعلق بها الانسان سوى الرغبات الذاتية، مثلما تبرز سخرية أبطالها من القيم الدينية والتقليدية المحافظة عندما يرون حوادث القتل والانتقام والخطف تحت شعار الدين.
تطرح الرواية مسألة الاحساس بعودة العراق للوراء وتخلفه في ظل هذه الاجواء على صعيد حقوق المرأة والتسامح الديني حيث تضطر فيفيان المسيحية الى ارتداء الحجاب خوف الانتقام من المليشيات في حين تتذكر هي وكمال أبياتاً من شعر الزهاوي في القرن التاسع عشر وفيها دعوته للمرأة للتحرر والسفور. وقبلها كان كمال قد كتب في مذكراته حواراً جرى بينه وبين سلام الياسري حول الاغاني العراقية القديمة لرشيد القندرجي والاغاني الحديثة التي يبدو كأنها ارتدت للوراء، فيقول: "أي ارتداد هذا؟ من ما بعد الحداثة الى الكلاسيكية؟"

يعاني كمال من حالة غريبة تنتابه طوال الرواية وهي انتصاب عضوه كلما سمع صوت انفجار، ولهذا يتعرض لعدة مواقف محرجة عندما يقع انفجار سيارة أو قذيفة أو صاروخ وخاصة عندما يكون في زيارة لإحدى جاراته أو أصدقائه. تستمر معه هذه الحالة التي قال له الطبيب أن أسبابها نفسية وتسبب له أرقاً. يبدو البعدان الرمزي والنفسي واضحاً في أن ويلات الحرب والاحتلال الجاثم تثير لدى الانسان غريزة التمسك بالحياة، والمقاومة وتصبح ردة الفعل متجهة أكثر نحو اشباع الذات في غياب القيم الدينية والاخلاقية وسقوطها بفضل النموذج العبثي تحت ضربات الطائفيين الذين يفرغون هذه القيم من محتواها الانساني. وهكذا يصبح الجنس والمحافظة على الحياة واشباع الذات المقهورة المحرومة هو الاكثر تحركاً وتجاوباً مع التحدي. ولهذا نرى في نهاية الرواية كمال حيث لم يعد عضوه ينتصب رغم الانفجار في دلالة مزدوجة على النهاية: نجاح الاحتلال في تعزيز وجوده كأنه شيء طبيعي والقضاء على مبدأ الرفض لوجوده، وفي الوقت ذاته سقوط كمال ضحية معبراً عن الاستكانة وفقدان الرجولة وتراجع غريزة التحدي والبقاء حيث يتعرض للخطف على أيدي جنود الاحتلال بعد أن وشى به الشيخ العلاّسي.

تعتمد الرواية على أسلوب السرد بضمير الغائب، ولكن هناك بالاضافة الى المذكرات والرسائل التي يرويها أصحابها، فصلان مهمان في الرواية يرويهما كمال وألماس بضمير المتكلم تحت عنوان (ما لا يعرفه الراوي) يكشف كل منهما فيه عن مرحلة سابقة من صباه ومراهقته. وتظهر في هذين الفصلين إشكالية الدين مبكراً لكل واحد منهما. فكمال يعثر على صندوق مغلق يثير فضوله ليكتشف فيما بعد على إثر قيامه بكسره أنه يحتوي "ألواح حضرة بهاء الله" وهو الكتاب المقدس عند البهائيين ويقع تحت تأثير اندهاشه أول الامر من نصوصه ومضامينه، لكنه يستغرب علاقة والده به، ليكتشف أن أباه وجدّه وكل عائلته كانوا بهائيين ولكن أباه اضطر للتحول الى الاسلام ليتزوج من امرأة مسلمة في كركوك. ومع الخشية من رعب المليشيات يقوم الاب بحرق الكتاب في الاتون. كما تتعرض ألماس الى موقف مواجهة وجدال حول معتقد الانسان ودوره في حياته مع زوج خالتها الخوري الذي يرفض وبشدة زواجها من ابنه ساندر اذا لم تتحول للمسيحية رغم الحب الشديد الذي يجمعهما، وتحاول بكل ما أوتيت من منطق أن تقنعه بجدوى الحب والزواج برغم اختلاف الدين، إلاّ أنه يرفض باصرار، وعندما تكشف له سر ممارستهما الجنس فانه يتوعدهما بالويل والثبور وطردهما مما يؤدي الى افتراقهما وموت الحب. واضح هنا توظيف مبدأ المفارقة في تقديم موقفين متشابهين متضادين ليعكس التراجع في حرية المعتقد والتسامح في أربعينيات وثلاثينيات القرن الماضي مقارنة بما يجري الآن، وتأكيد فكرة أن الامور عادت للوراء.

تعتمد الرواية على تقنية كتابة الرواية داخل الرواية، فكمال يكتب رواية هي أشبه ما يكون بكتابة المذكرات تختلط فيها الوقائع بالخيال ولكننا نكتشف كلما تقدمت الرواية أن أحداث رواية كمال هي جزء من ماضيه وحاضره، كما يفكر صديقه الفلسطيني جهاد البشير والذي يعرض عليه كمال أن يحميه في شقته على إثر الاضطهاد الذي تعرض له الفلسطينيون في بغداد في خضم العنف الطائفي فيما يسميه شاتيلا بغداد أن يكتب مشروع رواية هي أشبه ما تكون رواية كابوس يرى فيه أنه يقيم علاقة جنسية مع تسيبي ليفني كتعويض له عن القهر وفقدان الكرامة الذي يشعر به تجاه أفعالها القبيحة التي يخفيها جمال وجهها، من أجل إذلالها والانتقام منها في الخيال اذا لم يكن ذلك ممكناً في الواقع! كما يكتب صديقهما الحميم سلام الياسري الذي اغتالته عصابات القتل الطائفي مدونته وفيها يحكي عن فتاة رائعة يحبها اسمها غزالة يخطفها منه جنرال عسكري ويجعلها جارية له! ولكن سلام متعلق بها لأنه تذكره بغزالة في ديوان الاغاني الغجرية للوركا الشاعر الاسباني الذي قتل خلال الحرب الاهلية. ومن المفارقات أن سلام يقتل أيضا خلال الحرب الطائفية في العراق. كما تكتب نسرين رسائل الى كمال من مكان غربتها تروي له فيها معاناتها وإذلالها في سبيل لقمة العيش.

تمتاز لغة السرد في الرواية بالانسيابية والسلاسة والشعرية من خلال لغة بسيطة سهلة بعيدة عن الفلسفات الفكرية والحوارات التجريدية المغرقة في تأويلات الفكر والمطلق، ولكنها في الوقت ذاته مثقلة بالمعاني والاشارات والرموز ونقل ظلال نفسية تتمثل في الغوص في عالم الشخصيات الجواني لنقل معاناتها وأحزانها المكبوتة وأحلامها المقتولة التي تحولها إلى شخصيات بائسة يرثى لها. تنجح الرواية بلغة مشحونة في إظهار أزمات شخصياتها مما يمكن معه تصنيفها بالرواية النفسية أو السيكولوجية رغم زخم الاحداث فيها ولكن ما يجري في العالم الداخلي من كوابيس وأفكار سوداء وخوف وأمنيات لا تتحقق والتعبير عنها أهم من أحداثها الخارجية. 
يبدو واضحاً في الرواية تأثير القضية الفلسطينية والبعد القومي الذي يغلب على تفكير بعض الشخصيات وخاصة كمال وصديقه سلام الياسري برغم انهماكهما ومعاناتهما من مأساة الواقع العراقي، لكأنما تؤكد الرواية الارتباط بين القضيتين العراقية والفلسطينية. فسلام يشعر بالتشاؤم لأنه سافر الى اسبانيا يوم الخامس من حزيران الموافق لذكرى النكسة، كما أن كمال وسلام قد عاشا ودرسا مع صديقهما الفلسطيني جهاد البشير الذي أصبح من أعز أصدقائهما وتقاسما معه كل شيء. كما يبدي كمال تعاطفاً حقيقيا مع صديقه جهاد حين يتعرض للاضهاد ويتفاعل كثيراً مع فكرته حول الشروع في رواية حول تسيبي ليفني.

توظف الرواية الجنس وتبرزه كأحد افرازات الاحتلال الامريكي لبغداد وكأحد طرق التعبير عن العواطف المكبوتة في ظل الخوف بصورة مفرطة للغاية حتى يكاد لا يوجد فصل في الرواية دون ذكر أو اشارة أو تصوير لقاء جنسي. بل إن الاغرب من ذلك أن الرواية فيها حوالي خمس عشرة شخصية نسائية ما بين شخصية رئيسة مثل نسرين أو راهبة أو ألماس أو أنثى عابرة في الرواية مثل تلك المرأة التي يذكرها جهاد البشير لأنها باعته زجاجة من العرق وتنام معه ليلة مقابل عشرة الاف دينار.. لا يوجد ولا إمرأة واحدة في الرواية لا تمارس الجنس كعشيقة أو بائعة هوى حتى فيفيان العجوز الارملة المسيحية توحي كلمات كمال أنها على علاقة ببنيامين الخوري!


يلاحظ أن هناك تسارعاً في إقحام الشخصيات في الجزء الاول حيث تم تقديم سبع عشرة شخصية في الصفحات التسع الاولى. كما نلاحظ أن الراوي يسرع وتيرة السرد في الفصل الاخير المكون من خمس صفحات. ففيه يرحل زهراب هاكوبيان وزوجته الى أرمينيا، كما يرحل جهاد الفلسطيني الى مخيمات الحدود بعد أن يترك رسالة قصيرة لكمال دون أن يودعه، مثلما تتصل زهراء من إسبانيا بكمال لتخبره عن فشل محاولاتها في التوسط للحصول على عمل له في السفارة العراقية في مدريد مما يعني انتهاء علاقته بها، كما اختفت ألماس التي كان مقرراً أن يتزوج بها كمال، ويتعرض كمال نفسه للاختطاف على أيدي جنود المارينز أمام مدخل البناية في نهاية مفتوحة على التأويلات إن كان ذلك مجرد اختطاف أم اغتيال كما تقول الجملة الاخيرة: "التفت بسرعة الى يمينه والى يساره فإذا بالكفّين اللتين تمسكان به هما لكائنين يفوقانه طولاً، يرتديان بزتين مرقطتين شبيهتين بجلد أفعى..."

وفي الختام، فقد نجحت الرواية في تناول شفيف وذكي لأبعاد متعددة لويلات الحرب بما يترك للقاريء إدراك أزمات أبطالها النفسية والحياتية والتعاطف معها بأسلوب بعيد عن التقريرية أو الرثائية وتقديم شخصيات متنوعة تعكس الواقع الفيسفسائي للمجتمع العراقي بتعدد أصوله ودياناته وثقافاته والتي حولت الحرب حياتها الى كوابيس متواصلة وحولتها هي الى ضحايا مذعورة خائفة تبحث عن الخلاص الذاتي. ولعل رسالة جهاد البشير قبل رحيله عن بغداد تلخص فشل حلول الخلاص الذاتي: "لقد ايقنت تماما أن القوة تصنع الحق كما يقول شكسبير. " كل الامكنة هنا تنطوي اليوم على غدر متخفٍ تباغتنا به في كل لحظة عشوائية لترسلنا الى الموت على غفلة من تدابيرنا وتوقعاتنا".

* نشرت المقالة في الملحق الثقافي لجريدة الدستور الاردنية يوم الجمعة بتاريخ 6/11/2009
يرجى الضغط على الرابط التالي لقراءة المقال في الصحيفة:
الدستور الثقافي

كما يمكنك تحميل صورة الصفحة المنشورة على الرابط التالي:
صورة الصفحة الكاملة



2009/10/30

نوبل - مظلومون منسيون ومرشحون ملّوا الانتظار!



على هامش فوز هيرتا موللر بـ نوبل للادب


مظلومون منسيّون ومرشّحون ملّوا الانتظار

بقلم اياد نصار

ما بين سنة 1914 التي نشر فيها الأديب الإيرلندي الشهير جيمس جويس أول أعماله النثرية: الدبلنيون (سكان دبلن)، التي أصبحت من أبجديات القصة القصيرة في العالم، وسنة 1939 التي نشر فيها آخر أعماله: رواية يقظة فينيجان قبل وفاته بسنتين، منحت جائزة نوبل ثلاثا وعشرين مرة إلى العدد نفسه من الأدباء، ولم يكن جويس من بينهم.


يعد جويس من أهم الادباء الذين غيروا وجه القصة القصيرة والرواية على مستوى العالم، منذ نشر روايته صورة الفنان في شبابه العام 1916، التي أتبعها بروايته الضخمة عوليس العام 1922. ولا يذكر تاريخ الأدب والنقد اسما من أولئك الأدباء الثلاثة والعشرين الذين فازوا بالجائزة، مثلما يذكر جويس، ذلك أن أحدا منهم لم يؤثر فيه مثلما فعل هذا الأديب. وإذا جهد المرء في التذكر، فربما يعثر على عدد قليل من الأسماء التي نالت الجائزة، وما يزال لها حضور بشكل أو بآخر في زمننا الحاضر، من مثل: أناتول فرانس، وليم بتلر ييتس، جورج برناردشو، توماس مان، سنكلير لويس، لويجي بيرانديللو، يوجين أونيل، وبيرل باك. أما الباقون، فظلوا نكرات مغمورين.

جويس لم يكن وحده في ذلك، فقد نسي أديب فرنسا اللامع غزير الإنتاج ورائد الرواية النفسية الحديثة التي عدت إحدى أهم روايات القرن العشرين على الإطلاق مارسيل بروست، صاحب البحث عن الزمن الضائع الذي توفي العام 1922، بعد أن منحت الجائزة قبل وفاته عشرين مرة منذ العام 1901، وهي السنة التي أعلن فيها عن اسم الشاعر الفرنسي سولي برودوم بوصفه أول فائز بنوبل للأدب. والمرء لم يعد يتذكر من الأدباء الفائزين خلال تلك الفترة سوى ثلاثة: الشاعر الإنجليزي رديارد كبلنغ، والشاعر الهندي طاغور، والشاعر والروائي الفرنسي أناتول فرانس.


المنسيون من الجائزة والمظلومون بسببها كثر. كان الروائي الروسي ليو تولستوي المرشح الأوفر حظا للفوز بالجائزة في دورتها الأولى العام 1901، والثانية العام 1902، لكنها ذهبت في المرة الأولى بصورة مفاجئة إلى برودوم، وفي المرة الثانية إلى الألماني تيودور مومسن، وعندما بلغه ذلك قال: كان ذلك من حسن حظي، فلم أكن أعرف ماذا سأفعل بالنقود، ووفرت علي ذلك الألم الذي لا بد منه لقاء التعامل بالمال، إنه أساس كل الشرور!


هناك أدباء كبار تجاهلتهم قرارات الجائزة، رغم أنه كان لهم حضورهم على ساحة الأدب العالمي، وبعضهم لسنوات طويلة قبل موته، كما منحت الجائزة خلال حياتهم، وفي بعض الحالات عشرات المرات، ولم تقترب منهم. من الأمثلة التي تتبادر إلى الذهن المسرحي النرويجي هنريك إبسن الذي توفي العام 1906، والروائي الأميركي مارك توين (ت. 1910)، والروائي الأميركي هنري جيمس (ت. 1916)، والروائي الإنجليزي بولندي الأصل جوزيف كونراد (ت. 1924)، والروائي النمساوي فرانز كافكا (ت. 1924)، والشاعر الفرنسي بول فاليري (ت. 1945)، والمسرحي الألماني بيرتولت بريخت (ت. 1956)، والروائي الروسي الأميركي فلاديمير نابوكوف (ت. 1977)، والروائي الإيطالي إيتالو كالفينو (ت. 1985).


تذكر المصادر أن الشاعر والمسرحي والروائي الألماني المعروف غونتر غراس كان مرشحا دائما كل سنة على قوائم الترشيحات لمدة عشرين عاما، حتى فاز بها في العام 1999 عن روايته التي أصدرها العام 1956 بعنوان "الطبل القصديري"، والتي تعد الجزء الأول في ثلاثيته المعروفة باسم ثلاثية دانزيغ.




وإذا كان للمرء أن يذكر من الأدباء العرب الكبار الذين رحلوا ولم يحظوا بها رغم جدارتهم، فإن من بينهم عميد الأدب العربي طه حسين، وأمير الشعراء أحمد شوقي، والروائي عبد الرحمن منيف، والشاعر محمود درويش، والشاعر نزار قباني، والمسرحي سعد الله ونوس، والشاعرة نازك الملائكة، والشاعر عبد الوهاب البياتي، والأديب جبران خليل جبران، والروائي والمسرحي توفيق الحكيم.


ولا شك أن هناك شعوبا أخرى تعتقد أن عددا من أدبائها الراحلين استحقوا الفوز بالجائزة، خصوصا أن أغلب الفائزين بها هم من دول أوروبا، بينما يبقى أدباء دول العالم الثالث الأقل حظا، حتى الأميركيون شعروا بخيبة أمل كبيرة هذا العام، ويعتقدون أن هناك تجاهلا للأدباء الأميركيين منذ سنوات من جانب الأكاديمية السويدية، إذ كانت آخر مرة نال فيها أديب أميركي الجائزة ذلك قبل ستة عشر عاما، وذلك عندما فازت الروائية الأميركية السوداء توني موريسون بالجائزة العام 1993. وقد ثارت في العام 2008 ضجة كبيرة حول تصريحات الناقد ومؤرخ الأدب السويدي هوراس إينغدال الذي شغل منصب السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية، منذ العام 1997 حتى حزيران 2009، عندما صرح العام 2008 بأن الولايات المتحدة معزولة كثيرا، وغير منفتحة على الآداب الأخرى، مما يمنعها من لعب دور أساسي في صياغة واقع أدب اللغة الإنجليزية، وأضاف: إنها جاهلة كثيرا إذا اعتقدت أنها يمكن أن تنافس أوروبا، المركز الأدبي للعالم، وهي لا تساهم كثيرا في الحوار الأدبي العالمي.


كان الأميركيون يطمحون أن تعدل اللجنة موقفها أو أن تكفر عن تصريحات إينغدال، بمنح الجائزة إلى الأديب الأميركي جون أبدايك. لكن أبدايك رحل في مطلع العام الجاري، فعقد الأميركيون رجاءهم على الكاتبة الأمريكية غزيرة الإنتاج جويس كارول أوتيس، كون الجائزة لا تمنح إلا للأحياء. لكن أملهم خاب كثيرا. وهكذا ستنتظر أوتيس سنة أخرى وربما سنوات مقبلة، إذ إن اسمها ضمن الترشيحات منذ سنوات، وكان ترتيبها السابع في هذا العام على قائمة التوقعات، وحصلت على 4 في المئة من الأصوات.


هناك أمم كثيرة في العالم ممن يطمح أدباء من أبنائها بالحصول على الجائزة التي صار لها قيمة تاريخية ومعنوية علاوة على قيمتها المادية، والتي تفتح المجال أمام الفائز ليدخل بها إلى الثقافات العالمية إذا تابع حضوره الفعال على المستويين الوطني والعالمي، واستمر في تقديم أعمال متميزة تطرح قضايا المجتمع المعاصر من منظور الثقافة التي ينتمي اليها، وساهم في المشاركة في الدفاع عن القضايا الإنسانية الكبرى، ومناصرة الشعوب في سعيها للتقدم والتخلص من مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المزمنة.


تشير استطلاعات الرأي والتقارير الصحفية والمقالات الأدبية والموقع الشهير للمراهنة على المرشحين لنيل الجائزة على الإنترنت لادبروك، إلى أن أكبر نسبة توقع للفوز بالجائزة في الدورة الأخيرة كانت للكاتب والروائي الإسرائيلي عاموس عوز، الذي يشغل منصب أستاذ الأدب في جامعة بن غوريون، والذي نال 21 في المئة من الأصوات قبل الإعلان عن اسم الفائزة هيرتا موللر، التي كانت في المرتبة الخمسين على القائمة.


أما المرشح الذي نال ثاني أعلى نسبة من التوقعات (13 في المئة)، فكان الروائي الياباني هاروكي موراكامي البالغ من العمر ستين عاما والمعروف بإنتاجه الضخم، إذ وضع اثنتي عشرة رواية وستا وأربعين مجموعة قصصية. ورغم ذلك كان مرشحا في الترتيب التاسع بين الأدباء المحتملين. وقد فاز موراكامي بجائزة إسرئيلية في شباط 2009 عقب الحرب الإسرائيلية الوحشية على غزة، فحاول المتظاهرون ضد الحرب في اليابان ثنيه عن السفر إلى القدس لتسلمها، لكنه حضر الاحتفال وانتقد الحرب الإسرائيلية خلال خطابه. يتردد اسم موراكامي كمرشح مفضل لدى النقاد للفوز بالجائزة منذ سنوات طويلة، حتى قيل إنه قد نال الجائزة في الانتظار!


أما العرب، فقد طال انتظارهم مرة أخرى، منذ أن نال نجيب محفوظ الجائزة العام 1988، وطال انتظار أدباء من مثل أدونيس، الذي كان العام 2008 في المنزلة الثانية في التوقعات، فتراجع إلى المنزلة الثامنة هذا العام، بعد الروائي الأميركي المعروف فيليب روث الذي مل هو الآخر الانتظار، خصوصا أن آخر مرة منحت الجائزة فيها لشاعر كانت في العام 1996 من نصيب البولندية فيسلافا سيمبروسكا. يتردد اسم أدونيس للفوز بالجائزة منذ فاز نجيب محفوظ فيها العام 1988.


وخابت الآمال مرة أخرى، في أن تفوز الروائية الجزائرية الفرانكوفونية آسيا جبار التي كانت هذا العام، وبحسب موقع لادبروك، في الترتيب الثالث بين التوقعات بنسبة 7 في المئة من الأصوات. جبار كانت مرشحة متقدمة للفوز بالجائزة، وقد أظهر الموقع أنها نالت المركز الثالث في التوقعات. وهي معروفة كثيرا في الغرب وبعض دول العالم، وربما أكثر من العالم العربي، وقد ترجمت رواياتها إلى ثلاث وعشرين لغة، ويقال عنها إنها تستطيع أن تؤلف رواية في ثلاثين يوما. وقد ملت الانتظار منذ العام 1999. ويبدو أن قائمة المنتظرين لسنوات طوال ستزداد، وقائمة المستحقين الراحلين ستزداد، بينما تصر الأكاديمية السويدية على اختياراتها الأوروبية في كثير من الأحيان.

* اللوحة أعلاه للفنانة الهولندية المعاصرة ليندا غروين بعنوان زهرة الليل، وهي زهرة العاطفة والموت التي تنمو على ضفاف نهر النسيان في العالم السفلي حسب الاسطورة اليونانية.

** نشرت المقالة في الملحق الثقافي لجريدة الرأي الاردنية بتاريخ 30/10/2009.
اضغط على الرابط لرؤية الملحق الثقافي

اضغط على الرابط التالي لتحميل الصفحة



2009/10/26

"قليل من الحظ" في الصحافة العربية



"قليل من الحظ" في الصحافة العربية

نشرت بعض المواقع الثقافية والاخبارية الالكترونية والصحف العربية تنويها بمناسبة صدور كتابي الثاني "قليل من الحظ". بامكانك الضغط على الروابط المبينة لرؤية ما نشر حول الكتاب في تلك الصحف والمواقع الالكترونية، وسيتم تحديث هذه الروابط تباعاً في الايام القادمة






وفي هذا الصدد أود أن اشير الى مشاركتي في الندوة الثقافية التي أقيمت في ثاني أيام مهرجان الايام الثقافية العراقية في عمان وذلك يوم الجمعة 23 تشرين اول/اكتوبر 2009 والتي أدارها الاستاذ والناقد د. حيدر سعيد والتي شارك فيها كلاً من الناقد د. يحيى الكبيسي، والاديب والاعلامي علي عبد الامير عجام، والروائي والناقد المسرحي عواد علي، والشاعر عبود الجابري، حيث قَدّمتُ ورقة نقدية حول "صورة عمان في الرواية العراقية". يرجى الاطلاع على الروابط التالية لمزيد من التفاصيل:




2009/10/20

صدور المجموعة القصصية الثانية "قليل من الحظ"




صدور المجموعة القصصية الثانية "قليل من الحظ"

صدرت مجموعتي القصصية القصيرة الثانية "قليل من الحظ" عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمان، وقد قال مدير الدار الشاعر جهاد أبو حشيش في معرض الاعلان عن صدورها: "نهنئ أنفسنا والقارئ بصدور المجموعة الثانية للقاص والناقد اياد نصار "قليل من الحظ" والذي تتشرف دار فضاءات بأن كانت انطلاقته منها في مجموعته الأولى "أشياء في الذاكرة" فكان وفياً للدار، وكانت الدار وفية له ولابداعه وتميزه واشتغاله على مشروعه الابداعي".

تطرح المجموعة، التي تضم بين دفتيها خمس عشرة قصة قصيرة، قضايا الانسان المعاصر وأزماته النفسية والاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية، حيث تمثّل كل قصة محورا رئيساً من محاور العلاقة الشائكة والمشتبكة بين الفرد والمجتمع، وافرازاتها من القلق والصراعات والضياع والهموم والموت العبثي التي صارت تتسم بها حياة الانسان، وخصوصاً في المجتمعات التي ينهشها العنف والتطرف في مستهل القرن الحادي والعشرين، وبما تنطوي عليه من إضطراب وتمزق وخديعة وإحساس بالخوف واغتراب عن المكان.

كما كتب الناقد الاردني المعروف الدكتور محمد عبيد الله كلمة نقدية على الغلاف الاخير، جاء فيها: "في هذه المجموعة كثير من الحظ، خلافاً لعنوانها الدال، والحظ الذي نقصده يتشارك فيه القارىء والكاتب معاً، إذ سيحظى القارىء بمجموعة قصصية جديدة تعيدنا الى وهج القصة النفسية أو السيكولوجية، التي تحاور أعماق الانسان ووجدانه في عالمنا الراهن، وخلال ذلك ترصد تأثيرات الأحوال الكبرى والتغيرات الجذرية التي تواصل فعلها وتأثيرها، سواء ما يتصل بالحروب وما خلفته من تشوهات وتمزقات، أو تحولات العالم الجديد، عالم الاتصال والعولمة والانفتاح والتجارة وما خلفه ذلك على الوجدان الانساني.

تؤكد هذه المجموعة المتميزة مع مجموعات أخرى لكتّاب معاصرين أن القصة القصيرة لم تستنفد أغراضها، ولم تزل نوعاً أدبياً حياً مفتوحاً على المستقبل، وأن التلويح بموتها ليس إلاّ إحدى إشاعات النقد الجديد المولع بصيغ الموت وإعلانات التأبين.

مجموعة إياد نصار الجديدة تطل بلغة أنيقة متقشّفة، ومركّزة على الوصف الداخلي، وعلى حركة الإنسان الجوانيّة، دون أن تنسى متطلبات السّرد وتتابع الحكاية، ودون أن تتخلّى عن منظور القصة القصيرة التي تتخذ من الإختزال ومن الاقتصاد اللغوي أساساً لبنائها، وهي في ذلك تسير على المبادىء الكبرى لروادها الأوائل، وتطوّرها بما يناسب زماننا الراهن".

وكانت مجموعتي القصصية الاولى بعنوان "أشياء في الذاكرة" قد صدرت في شهر ايلول /سبتمبر من العام الماضي، وقد نفدت طبعتها الاولى، وهناك ترتيب حالياً مع الناشر لأجل اصدار الطبعة الثانية منها

اياد

2009/10/16

هيرتا موللر: مفاجأة جائزة نوبل للاداب للعام 2009





هدية سويدية مفاجئة في ذكرى سقوط الستار الحديدي

هيرتا مولر: تكريم صوت الاقلية المضطهدة أم تكريس لممارسات الحرب الباردة؟

بقلم: اياد نصار

هل يمثل فوز هيرتا مولر، الروائية والشاعرة وكاتبة المقالة، الرومانية الجنسية، الالمانية الاصل واللغة، التي لم تكن معروفة من قبل خارج حدود بلادها بجائزة نوبل للعام 2009 التي أعلنت قبل أيام تكريماً مستحقاً لصوت الاقلية المضطهدة أم استمراراً غير معلن لممارسات وثقافة مرحلة الحرب الباردة، واستمراراً للاحتفال الغربي الكرنفالي بذكرى النصر على كل ما يمت للمعسكر الشرقي بصلة؟ هل يمثل فوزها انتباهاً متأخراً للمحرومين والمضطهدين من ضحايا نظام تشاوشيسكو الشيوعي في رومانيا أم تكريساً لصورة من صور انتصار الغرب الذي يرى في نفسه تجسيدا للحرية في صراع الشرق والغرب الذي يقوم على توظيف كل مجالات الحياة العسكرية والثقافية والاعلامية وكذا الجوائز الادبية لتكريس هذه الصورة؟ هل أرادت الاكاديمية السويدية أن تقدم هدية من نوع خاص في الذكرى السبعين لقيام وانهيار الاتحاد السوفياتي رسمياً أو في الذكرى العشرين لسقوط النظام الشيوعي والذي كان الغرب يشير اليه دائما بالستار الحديدي؟

قالت الاكاديمية السويدية في إعلان منح الجائزة تكريماً لأعمالها أنها "تتسم بتكثيف الشعر وصراحة النثر التي تهتم بتصوير المكان للمحرومين والمشردين". وقالت هيرتا مولر في بيان صدر عن ناشر كتبها في ألمانيا بعدما تبلّغت بخبر فوزها بالجائزة "إنني مندهشة كثيراً، ولا أستطيع تصديق الأمر لغاية الان. لا يمكنني أن أقول أكثر من ذلك في هذه اللحظة".


من المؤكد أن يفتح قرار اللجنة باب الجدل مرة أخرى حول نمط قرارات الاكاديمية السويدية في منح الجائزة وخصوصاً لكتاب لم يكن متوقعاً فوزهم في الترشيحات والتكهنات. فهيرتا مولر لم تكن كاتبة معروفة خارج المانيا أو رومانيا، وقد منحت الجائزة على كتاباتها الناقدة التي تعنى بتصوير مشاهد الحياة خلف الستار الحديدي، ويأتي ذلك في الذكرى العشرين لسقوط الشيوعية. ومما يؤكد ذلك، أن أغلب انتاج مولر هو بالالمانية وقليل منه تمت ترجمته الى الانجليزية والفرنسية والاسبانية مثل روايات "جواز السفر" و"أرض الخوخ الاخضر" و"السفر على ساق واحدة" و"الموعد". ولكن بالطبع ستزيد وتيرة ترجمة أعمالها منذ الان فصاعداً بعد فوزها بالجائزة.

ولدت مولر في منطقة بانات من إقليم ترانسلفانيا في غرب رومانيا في 17 آب من العام 1957. وتجسد أعمالها الظروف القاسية للحياة في رومانيا تحت حكم نظام نيكولاي تشاوشيسكو الاستبدادي الذي انتهى بثورة شعبية عليه ومحاكتمه هو وزوجته واعدامهما، كما تصور الاضطهاد الذي تعرضت له الاقلية الالمانية التي تنتمي لها في مقاطعة ترانسلفانيا على يد القوات السوفياتية. تتحدث هيرتا الالمانية لغتها الام بطلاقة وتخصصت في الدراسات الالمانية والادب الروماني في جامعة تيمشوارا. عملت معلمة في روضة للاطفال وكانت تعطي دروساً خصوصية في اللغة الالمانية. نشرت كتابها الاول وهو مجموعة قصصية باللغة الالمانية في رومانيا في العام 1982 بعد اجازته من الرقابة الشيوعية في تلك الفترة. وقد حضرت بعدها معرضاً للكتاب في فرانكفورت وانتقدت علنا النظام في بلدها فمنعت من النشر. غادرت موطنها برفقة زوجها الروائي ريشتارد فاغنر الى المانيا الغربية في العام 1987 عندما ازداد الاضطهاد وسوء الحال في رومانيا. نالت هيرتا عدداً من الجوائز الادبية وأصبحت عضوة في الاكاديمية الالمانية للكتابة والشعر في عام 1995. أرسلت في العام الماضي خطاب احتجاج الى رئيس المعهد الثقافي الروماني الذي قام بتعيين اثنين من المخبرين السريين السابقين للعمل فيه.

ومن الاحداث المهمة في حياتها والتي شكلت انعطافة كبيرة في مسيرتها الابداعية وكانت الاساس الذي طالما وظفته في كل أعمالها بصور أخرى عديدة للخوف من القمع والاضطهاد هو تلك الحادثة التي ذكرتها كل الكتابات التي تناولت سيرتها الذاتية. ففي السبعينات عملت لمدة ثلاث سنوات في مصنع للجرارات الزراعية وكانت وظيفتها هي ترجمة الادلة الفنية التي تم احضارها من ألمانيا الشرقية والنمسا الى اللغة الرومانية. كان زملاؤها ورؤساؤها مخبرين في الشرطة السرية. ومن أجل البقاء في وظيفتها كمترجمة كان لا بد من أن تصبح عنصراً في الاستخبارات السرية لضمان ولائها وتعاونها، ولكنها رفضت فتعرضت للفصل من العمل بعد ثلاث سنوات، وللتهديد حيث أخبرها رئيسها بأنك "سوف تندمين، سنغرقك في النهر".

بعد أن تركت هيرتا بلدها خوفاً من الاضطهاد وانتقلت الى برلين، صارت تجسد في كتاباتها مسألة الاغتراب ومحنة النفي السياسي. ومن طريف ما يروى أنها قالت عندما سألها الصحفي البريطاني جوليان ايفانس يوم التقى بها في برلين عن الحياة في ألمانيا: "البيروقراطية الالمانية عصية على الاختراق أكثر من رومانيا"! ويصف أحد الفصول السريالية الغريبة في روايتها "أرض الخوخ الاخضر" وداع الراوي بعد أن أصبحت موضع شك سياسي: "عندما رفعتْ غطاء السرير، وجدتْ أذن خنزير على الملاءة. رفعت الملاءة وهززتها ولكن الاذن بقيت ملتصقة بها كأنما هي زر مثبت بها".


لم تكن هيرتا هي الاولى من الفائزين في الاونة الاخيرة بجوائز نوبل الذين تناولوا قضية الاقليات فهناك الكاتب الفرنسي جان ماري لوكليزيو للعام 2008، والكاتبة المسرحية والروائية النمساوية الفريده جيلينك للعام 2004، والروائي الهنغاري اليهودي ايمري كيريتس للعام 2002، والكاتب المسرحي والروائي الصيني تشاو زينغ تشيان للعام 2000، والشاعرة البولندية فيتسلافا سيمبروسكا للعام 1996.
رُشحت روايتها الاخيرة التي أصدرتها العام الحالي 2009 بعنوان "كل شيء أملكه أحمله معي" لجائزة الكتاب الالماني وتم اختيارها ضمن ستة أعمال تتنافس على الجائزة التي لم تعلن نتيجتها بعد. تطرح الرواية رحلة شاب ألماني الى معسكر للعمل في الاتحاد السوفياتي كنموذج على مصير السكان في ترانسلفانيا بعد الحرب العالمية الثانية. وقد استندت في كتابها على مذكرات كاتب يدعى اوسكار باستيور التي قامت بمراجعتها وعلى ذكريات أمها عن تلك الفترة.

كان انتاجها الاول عبارة عن مجموعة قصصية نشرت في بوخارست بعنوان "الارض المنخفضة" وصدرت عام 1982 بعد أن حذفت منها الرقابة بعض المقاطع. ثم أصدرت مجموعتها الثانية بعنوان "التانغو القاهر" في العام 1984، وقدمت أول رواية بعنوان "جواز السفر" في العام 1986 في برلين، ثم نشرت نصوصاً نثرية بعنوان "شباط عاري القدمين" في برلين عام 1987، كما نشرت في ذات العام نوفيلا بعنوان "الرجل الفارغ المطلق". ومن أعمالها المميزة التي جذبت أنظار النقاد اليها كانت رواية "السفر على قدم واحدة" في العام 1989 في برلين، وقد تمت ترجمتها الى الانجليزية في العام 1992، وكذلك رواية "أرض الخوخ الاخضر" التي صدرت عام 1994 في هامبورغ، وحققت شهرة وتمت ترجمتها الى الانجليزية في العام 1996، ورواية "الموعد" التي صدرت عام 1997 في هامبورغ أيضاً، وترجمت الى الانجليزية عام 2001. وليس آخرا روايتها الاخيرة التي صدرت هذا العام "كل شيء أملكه أحمله معي". ومن أشعارها ديوان "امرأة تعيش في عقدة شعر" صدر في العام 2000، وديوان "الملك ينحني ويقتل" الذي أصدرته عام 2003 في ميونخ، ودواوين أخرى.

يمتاز أسلوب هيرتا في القصة والرواية بالنثر الشاعري حيث يتحول النص الى ما يشبه قصائد نثرية تعكس أجواء الخوف الذي يسكن أعماق شخصياتها. ويتسم أدبها باحساس رقيق في اللغة سواء أكان نثراً أم شعراً، كما تنظر بعين أمينة الى حد القسوة الباردة نحو تفاصيل الحياة في رومانيا الشيوعية، غير أن النقاد يأخذون عليها صعوبة أسلوبها، حيث أن متابعة تسلسل السرد في قصصها ليس بالامر السهل على القاريء إدراكه. كما أنها يؤخذ عليها اهتمامها بنقل الصورة من خلال اللغة والوصف أكثر من الحدث ذاته، ويتحول الوصف الامين أحيانا الى جو من الكآبة. كتبت ميريل روبين في صحيفة لوس انجليس تايمز عن رواية "الموعد" تقول: "مثل روايتها السابقة، والتي تجسد عالماً من الخوف والعصاب والاضطراب، فإن رواية "الموعد" ليست سهلة القراءة".

حصلت مولر على عدد كبير من الجوائز الالمانية في الشعر والنثر بدءاً من العام 1981، ويكاد يصل الامر حد فوزها بجائزة كل عام! ومن الجوائز المهمة التي حصلت عليها قبل نوبل هو فوز روايتها "أرض الخوخ الاخضر" بجائزة دبلن الدولية الادبية في العام 1998. كما خصصت مجلة تكست كريتيك الادبية الالمانية الرفيعة عدداً بأكمله عنها. وقد انسحبت مؤخرا من الجمعية الدولية للكتّاب عندما علمت ان هناك نية لدمج الفرع في ألمانيا مع فرعها الاخر في برلين احتجاجا على ضم بعض الكتاب الذي عملوا سابقا مع الشرطة السرية.

ومن روايتها "كل شيء أملكه أحمله معي" أقتطف النص التالي: "حملت معي كل شيء كان عندي. لم تكن في الواقع لي. إما أنها كانت تستخدم لغرض آخر او لشخص آخر غيري. الحقيبة المصنوعة من جلد الخنزير كانت في الاساس صندوق الغراموفون. والمعطف كان لأبي. والبنطال القصير من عمي ادوين. والجرابات الطويلة استعرتها من جارتي السيدة كارب، والقفازات من عمتي فيني. أما الوشاح الحريري وحقيبتي الشخصية وحدهما كانتا لي من هدايا أعياد الميلاد السابقة.

كانت ما تزال الحرب مشتعلة في كانون الثاني عام 1945. لقد صُدموا ونحن في عز الشتاء عندما علموا بأن الروس سوف يأخذونني الى مكان لا أعلمه، فأراد كل واحد أن يعطيني شيئاً، حتى لو لم تكن له فائدة. في الحقيقة لم يكن هناك شيء على الارض يمكن أن يساعدني في ذلك الموقف. ولم يكن هناك خلاص لي: اسمي على قائمة الروس. أعطاني كل واحد شيئاً ورسم في ذهنه النتيجة التي توصل اليها. حملت الاغراض، ووصلت وأنا آنذاك في سن السابعة عشر الى النتيجة التالية: الوقت مناسبا للذهاب بعيداً. كان بامكاني القيام بذلك بدون تلك القائمة. أردت الذهاب بعيدا عن هذه البلدة حيث كل الحجارة لها عيون".

وفي مكان آخر كتبت تقول: "رجلا بوليس- روماني وروسي- أخذا القائمة من بيت الى بيت. كانت تلك هي الدورية. لم أعد أعرف أي شيء، أو إن كانا قد نطقا في بيتنا كلمة معسكر. واذا لم يفعلا ذلك، فما هي الكلمة الاخرى –غير روسيا- التي نطقا بها؟ واذا كانا قد فعلا ذلك فإن كلمة معسكر لم تخفني. برغم الحرب وصمت الموعد حول عنقي، كنت ما أزال في السابعة عشر استمتع بطفولة شقية مرحة. كنت أسمع كلمات مثل الالوان المائية واللحم، ولكن دماغي كان أصماً عن كلمة معسكر".

تُعدّ هيرتا مولر من أكثر الكتّاب تقديراً في ألمانيا. ومنذ أن ظهرت على الساحة الادبية لاول مرة عام 1982 حينما نشرت مجموعة قصصية بعد أن أجازتها الرقابة في بوخارست وحذفت منها، فقد نشرت ما يزيد عن عشرين كتاباً منذ ذلك الحين. ورغم أنها تعيش في ألمانيا منذ اثنين وعشرين عاماً، إلا أنها لم تنفك تنشغل بقضايا وطنها الام وخصوصا الاقلية الالمانية فيه، في تلك المرحلة الصعبة من تاريخ العالم بأسره. تقول: "كانت أهم تجربة في حياتي هي العيش تحت النظام الديكتاتوري في رومانيا. وعيشي على بعد مئات الكيلومترات منها في المانيا لا يمحو ببساطة تجربتي الماضية. لقد حملت معي ماضيّ عندما غادرت. تعلمت أن أستمد معنى حياتي من كتابتي. أردت أن أعيش على القيم التي حلمت بها. الكتابة بالنسبة لي السبيل الذي أعبّر به عما لم أتمكن من أن أحياه".

وقد استضافها المعهد الثقافي الروماني في بوخارست في عام 2007 لتقرأ مقتطفات من كتابها الاخير "سيدة تعيش في شينون"، وهو ديوان شعر يقوم على مبدأ الكولاج الذي امتاز به شعرها منذ أن أصدرت ديوان "الحارس يأخذ مشطه معه" في العام 1993 والذي احتوى على 94 قصيدة تقوم على فكرة الكولاج حيث تقتطع الشاعرة كلمات أو مقاطع من مجلات وتجمعها معاً بعدة طرق. وقد بدأ اهتمامها بشعر الكولاج حين كانت ذات مرة في رحلة سفر فقامت بملء البطاقات البريدية العادية بكلمات ومقاطع مأخوذة من المجلات.في حوار أجرته إذاعة رومانيا الدولية معها في شهر آب عام 2007 قالت هيرتا: لقد أثرت فيّ الموسيقى الشعبية الرومانية لأنها مرتبطة كثيرا بالوجود بطريقة لها معنى. لم يكن الفلوكلور الالماني ملهماً لي البتة." واضافت أنه لم يكن أحد يتكلم الرومانية في بلدتها. وحين تعلمت الرومانية فيما بعد، فقد وجدت كم هي مختلفة عن الالمانية. الاستعارات في الرومانية أكثر حسية ومباشرة للمعنى، ولهذا أرادت تعلم اللغة. وتضرب مثلا فتقول "في الرومانية فإن ذرات الثلج هي "دموع صغيرة" بينما في الالمانية هي "كرات أيار الصغيرة". الامر ليس مجرد اختلاف في اللغة بل اختلافاً بين عالمين. عند رؤية نجم ساقط، يقول الرومانيون أن أحدا قد مات، أما الالمان فيضمرون أمنية طيبة".

تطرح أعمال هيرتا مولر قضايا الدمار الانساني للديكتاتورية والاحساس بالضياع وفقدان الجذور في معاناة المنفى السياسي. طرحت في أعمالها القصصية الاولى وبالذات "الارض المنخفضة" و"التانجو القاهر" موضوع النفاق السياسي والقهر الذي لا يرحم الذي يتعرض له غير الموالين، كما صورت العقلية الفاشية للاقلية الالمانية وفسادها وعدم تسامحها. ولذلك تعرضت لنقد شديد في وطنها على محاولتها تحطيم الصورة الساحرة البسيطة للحياة الالمانية الريفية في رومانيا.

تقدم هيرتا صوتا أميناً الى درجة القسوة وحزيناً الى درجة فظيعة، وتصوغ مشاهداتها ببساطة لا تعرف الخوف، وتجعل مشاهد العنف اللفظي الذي يقوم به الكبار في العائلة واضحا ومؤلما للقاريء مثلما هو للطفل. ويخفف من شدة القمع الذي تتناوله جمال نصها السردي وومضات السخرية التي تستخدمها، كما يخفف منها ما تتصف به أعمالها من لغة شعرية صافية واستعارات وتوريات رمزية تتكرر في غالبية أعمالها.

تعكس الكثير من أعمالها جوانب من سيرتها الذاتية وتاريخ بلدتها. فرواية "جواز السفر" عام 1986 تؤرخ جهود عائلة فلاح الماني روماني للحصول على جواز سفر لمغادرة البلد. وبعكس أعمالها السابقة، فإن هذه الرواية تفضح فساد القرية القاسي، من خلال اظهار فساد المسؤولين من مدير البريد الى الكاهن، الذين يسعون للحصول على مكاسب شخصية وجنسية من اولئك الساعين للحصول على جواز سفر لمغادرة البلد.

قال الناقد جيسون باسكين من مجلة شيكاغو ريفيو في مقالة له عام 2002: "في أعقاب الجرائم التي ارتكبت باسم الامة والعرق، فقد وجد الافراد أنفسهم مدفوعين لحماية هوياتهم وإقامة خطوط دفاع شفافة في وجه الاضطهاد. لقد أعادت روايات هيرتا مولر الحياة الى نضال الناس العاديين".

أما رواية "السفر على ساق واحدة" التي صدرت عام 1989 فتتطرق الى مشكلات الاقامة والاستقرار في الغرب، والشعور بالاغتراب الذي يعصف بحياة المنفي السياسي. أما في رواية "الثعلب كان هو الصياد" التي كتبتها عام 1992 فإن الشخصية الرئيسة هي مدرّسة يطاردها البوليس السري. تصوّر هذه الرواية تشظي الذات الذي يصيب أمة بأكملها يحكمها الخوف. ووصف وليم فيرغسون في مقالته في جريدة نيويورك تايمز عام 1999 رواية "السفر على قدم واحدة" بأنها رواية قصيرة متميزة، وقد يكون الحدث فيها قليلاً، ولكن تم تصوير وعي بطلتها ايرين بصورة رائعة حيث يصبح الهم السياسي هو الهم الذاتي.

أما رواية "أرض الخوخ الاخضر" التي كتبتها في العام 1994 فتعد عملها الاهم وألاكثر غنى من حيث تصوير الحياة تحت الديكتاتورية الرومانية حيث تربط بين طفولة الراوي المقموعة والاضطهاد القاسي للدولة.

تمتاز رواية "أرض الخوخ الاخضر"، كما يشير الى ذلك الناقد لاري وولف في مراجعته للرواية التي نشرها في صحيفة نيويورك تايمز عام 1996، بالتفاصيل الجغرافية الواضحة التي تسعى بواسطتها المؤلفة الى خلق ما يشبه الشعر الجميل من البشاعة الروحية والمادية للحياة في رومانيا. تبدو الرواية التي تصور دولة يحكمها لصوص يسرقون الخوخ كأنها حكاية خرافية عن الشر والجشع والغباء والقسوة. إن قدرة هيرتا لا تتبدى في تصوير الحياة في رومانيا تشاوشيسكو بل في اعادة انتاج تجربة النفي، فبعد أن تهرب الشخصيات الى ألمانيا فانه ما يزال يؤرقها الاحساس بغياب الحرية حيث كانت وبالاحساس المر بالاغتراب في مكانها الجديد.

* اللوحة أعلاه بعنوان الغجرية النائمة للفنان الفرنسي هنري جوليان روسو من المدرسة ما بعد الانطباعية البدائية (1844-1910)

** نشرت المقالة أعلاه في جريدة الدستور /الملحق الثقافي بتاريخ 16/10/2009.

2009/10/15

هيرتا موللر: مفاجأة جائزة نوبل للاداب للعام 2009














هدية سويدية مفاجئة في ذكرى سقوط الستار الحديدي

هيرتا موللر: تكريم صوت الاقلية المضهدة أم تكريس لممارسات الحرب الباردة؟

نشرت جريدة الدستور الاردنية في ملحقها الثقافي الصادر يوم الجمعة 16/10/2009 مقالتي حول هيرتا موللر الاديبة الالمانية الرومانية الاصل الفائزة بجائزة نوبل للاداب للعام 2009. يرجى الضغط على الصور أعلاه لتحميل صفحات الجريدة وقراءة المقال.

اياد نصار

2009/10/03

موسم الخروج من العزلة

موسم الخروج من العزلة
ترجمات القصة والرواية النسائية العربية

بقلم: اياد نصار*

"بالنسبة للمرأة العربية فإنني أرى أن هناك طريقاً واحدة لاختراق أي شيء: لنتحدث، لنتحدث بدون توقف عن الامس واليوم، لنتحدث بيننا...وننظر. لننظر الى الخارج، خارج الاسوار والسجون"! آسيا جبار من رواية "نساء جزائريات في شقتهن" 1980.

بدأت ترجمات القصة والرواية العربية الى اللغات الاخرى- وبالذات الفرنسية- منذ أواسط القرن العشرين، بينما تأخرت الى اللغات الاخرى الى ما بعد ذلك، وشملت بالدرجة الاولى عددا من الروايات، تليها وبدرجة أقل مجموعات قصصية لروائيات وقاصات من غالبية الدول العربية. وما تزال الأعمال السردية النسائية التي تترجم كل عام في ازدياد وتشمل أصواتاً جديدة. تناولت الروايات المترجمة مسائل عديدة مثل مقاومة الصور النمطية للمرأة، والبحث عن هوية، والتمرد، والمطالبة بحرية المرأة وحقوقها، ومقاومة الحط من مكانة المرأة وكرهها، والنظرة الاشكالية للمرأة في التراث، وإبراز صوت المرأة الداخلي، وبناء الهوية الوطنية، وتأكيد دور المرأة في أوقات الحرب والسلم، والاحتفاء بانجازاتها، ومشاركة المرأة في القضايا القومية، والدعوة الى علاقة جديدة بين الرجل والمرأة، وحرية التعبير عن مشاعرها المكبوتة...الخ. وقد تنوعت التقنيات السردية والبنى والاساليب والمدارس، من الواقعية الى الرمزية الى التاريخية الى السيريالية. كما تنوعت الاصوات الروائية التي شملتها الترجمة بشكل يعطي تمثيلا جيداً لحضور المرأة مكانياًً وزمانياً- من شمال افريقيا الى مصر والسودان الى منطقة الخليج الى العراق وبلاد الشام منذ خمسينيات القرن الماضي الى الان، مروراً بمراحل تطور الرواية النسائية العربية بما يعكس التغيرات الثقافية والسياسية والاجتماعية والدينية المختلفة.

ويجب في البداية التفريق بين الادب العربي المترجم، والادب العربي المكتوب بلغة أجنبية. وهناك الكثير من الاعمال من كل نوع. وتركز المقالة على الاعمال الروائية والقصصية النسوية العربية المترجمة الى لغات أوروبية، ولا تتناول الاعمال التي تكتب اصلاً باللغة الاجنبية مباشرة- مثل روايات الجزائرية آسيا جبار- إلا المترجم منها الى الانجليزية.

تلعب عدة عوامل مهمة دوراً في مدى انتشار أو انحسار ترجمة الاعمال الادبية النسائية العربية الى اللغات الاوروبية. هناك بلا شك، وكما في أي مشروع ثقافي يتداخل فيه الابداع بالمال، قوانين العرض والطلب، ومدى استطاعة الاديبة العربية كسر حاجر العزلة والخروج الى بلدان عربية وأجنبية من خلال الكتابات واللقاءات والمؤتمرات والنشر وبناء الصلات مع المثقفين في تلك الدول، وقدرة الاديبة على التحرر من القيود الاجتماعية المكبلة لها في اطار تجربتها في بلدها، ومدى نجاحها في فرض صورة مغايرة للتصورات الشعبية حول أدب المرأة، ومدى تغطية الصحافة العربية والدولية للنشاطات المتعلقة بالاديبات العربيات وتقديم أعمالهن للقراء. وهناك سبب آخر يتعلق باللغة ذاتها يتمثل في اختلاف تركيبة اللغة العربية وجمالياتها الاسلوبية عن باقي اللغات الاوروبية.

ازدادت في الآونة الاخيرة حركة الترجمة من الادب العربي الى اللغات الاخرى وبالذات الانجليزية. وهناك الان دور نشر غربية عديدة مهتمة بتوقيع عقود ترجمة الروايات العربية في فرنسا وألمانيا وانجلترا والولايات المتحدة وكندا واسبانيا وايطاليا وغيرها. وهناك حلقات بحث وملتقيات ومؤتمرات تقام في أماكن مختلفة، كالجامعات ومراكز الدراسات الاكاديمية المعنية بالمنطقة العربية، وعلى هامش معارض الكتب في العواصم الغربية والتي تولي ترجمة الاصدارات الجديدة من الرواية والقصة القصيرة العربية اهتماماً كبيراً.

ومما يلفت الانتباه إن أغلب ما تتم ترجمته هذه الايام بحسب المراقبين، هو روايات ومجموعات قصصية نسائية، وتشكل حوالي 80% من الادب العربي الذي يترجم للانجليزية. ومما قد يثير الاستغراب أن روائية مصرية شابة هي ميرال الطحاوي، والتي حققت شهرة كبيرة مفاجئة في وقت قصير منذ صدور روايتها الاولى "الخباء" عام 1996 والتي- ورغم أن روايتها ترجمت لغاية الان الى تسع لغات- ترى أن الادب العربي يبقى خارج كل المنافسات على حساب طغيان الأدب الصيني والياباني والهندي وغيره من الاداب!

قالت نوال السعداوي مستنكرة الاهتمام بالاصوات الروائية الشابة في حديث نشرته صحيفة العرب الدولية: "يهتمون بواحدة اسمها ميرال الطحاوي ويترجمون لها ويرفضون الترجمة لنوال السعداوي". وفي حوار آخر قالت بأن "النقاد المراهقين الذين تجاوزوا الستين يهتمون بالشابات الجميلات"! أما الروائية رضوى عاشور فقالت بأن الحنان الأبوي للنقاد يفسد كتابة الشابات اللواتي يتراجع مستوى ابداعهن بعد التدليل! وحاول الدكتور محمد زكريا عناني أستاذ الادب الانجليزي في جامعة الاسكندرية، تفسير سبب اهتمام الغرب بكاتبة شابة ظهرت فجأة وتُرجم لها لغاية الان روايتان هما: "الخباء" و"الباذنجانة الزرقاء" بأنه يعود الى "افتتان الغرب بسحر الشرق البدوي الذي تتبدى فيه المظاهر الانسانية قسوةً أو ليناً على طبيعتها العفوية البدائية والغامضة".

تظهر مفارقة ساخرة عند عقد مقارنة حول مسألة دعم الانتاج الادبي النسوي العربي بين الشرق والغرب. ففي حين أن دور النشر العربية المؤمنة بتحرير المرأة تظهر بصورة خجولة، وهناك واحدة فقط انطلقت في مصر عام 1996 (دار الشروق)، فإن دور النشر في الغرب قد اضطلعت بمهمة كبيرة طوال العقود الأربعة الماضية في اكتشاف الكتابات النسوية وتشجيع نشر أعمال الكاتبات وادخال هذه الاعمال في المناهج المدرسية والجامعية، غير أنه لا بد من الاعتراف بجهود مطبعة الجامعة الامريكية في القاهرة التي تعد رافدا مهما في طباعة الادب العربي الحديث بالانجليزية، وقد قامت بطباعة كل اعمال نجيب محفوظ. واذا كان يمكن لنا أن نمثل الاعمال المترجمة في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات على مستوى العالم بقطرات، فإنها بعد فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل صارت مثل سيل جارٍ، حيث يطبع سنوياً حوالي عشرين كتاباً من الادب العربي المترجم في الولايات المتحدة وبريطانيا ومصر.

وفي حين تفتقر دور النشر العربية الى أقسام متخصصة بترجمة الروايات العربية الى اللغات الاخرى، مثلما تفتقد الى هيئات استشارية في الاداب العالمية، تقوم باختيار الاعمال ضمن برامج تهدف الى تقديم ما يجسد مختلف مراحل تطور تلك الاداب واتجاهاتها، وذات قيمة نقدية وتاريخية وفنية، وفي حين تخضع أغلب الاختيارات لرغبات فردية، فإن بعض دور النشر الاجنبية والمراكز الاكاديمية والبحثية التابعة للجامعات، تقوم بترجمة الروايات والقصص العربية ضمن خطة لتعريف القاريء الغربي بها واتاحة المجال للنقد لدراسة اتجاهات الادب العربي في تلك الفترة.

ومما يجدر ذكره أن مجلة دو الثقافية السويسرية كانت قد خصصت عددها لشهر آذار في العام 2007 للادب النسائي العربي تحت عنوان "الأدب العربي بأقلام بنات شهرزاد" وقدمت فيه عدداً من الكاتبات العربيات اللواتي حققن شهرة وصل صداها الى الآداب الاخرى، وتُرجمت أعمالهن الروائية الى لغات عديدة، وحصلن على جوائز تكريم في تلك الدول.

واشتمل العدد على مساهمات وحوارات مع عدد من الكاتبات من بعض الدول العربية مثل: سميحة خريس من الاردن، وسعاد عميري من فلسطين عام 1948، ولطفية الدليمي من العراق، وليلى العثمان من الكويت، وبشرى خلفان من سلطنة عمان وغيرهن.

هناك اهتمام متزايد بترجمة ما يصدر من أعمال سردية وشعرية عربية في العالم عموماً وفي الغرب خصوصاً، ولكن ما تحظى به الرواية من اهتمام لا تحظى به القصة أو الشعر بالدرجة نفسها، حتى تكاد تكون الرواية في نظر الغرب- وحتى في نظر العرب أنفسهم- ديوان العرب الجديد الذي يعبر عن شخصيتهم وهويتهم وقضاياهم ومشكلات واقعهم بعد أن كان الشعر كذلك ردحاً طويلاً. وتتوفر في بعض الدول الغربية مجموعة من المترجمين المحترفين البارعين مثل دينيس جونسون ديفيز وكاثرين كوبهام وكذلك من المستعربين المتخصصين بدراسة وتعلم اللغة العربية مثل الايطالية إيزابيلا كاميرا دافليتو، الذين قدموا خدمات جلّى على صعيد ترجمة الكتب من روايات وقصص قصيرة وأشعار ومسرحيات قديماً وحديثاً.

يطرح كتاب "تقاطعات: الجندر والامة والمجتمع في الرواية النسائية العربية" الذي صدر العام 2002 من جامعة سيراكوز بالولايات المتحدة، أسباباً أخرى وراء الاهتمام المتزايد بترجمة الادب النسائي العربي وهو قيام الثورة الاسلامية في ايران وطرح قضايا الحجاب ومنع الاختلاط، بالاضافة الى أن الامم المتحدة قد خصصت العقد- منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين الى منتصف الثمانينيات- ليكون العقد العالمي للمرأة. وأظن أنه يمكننا ان نضيف الى السبب الاول تلك النماذج المتشددة من النظرة للمرأة التي جاءت بها الحركات السلفية والتي أخذت تحارب الادب النسائي الذي رأت فيها تحرراً يهدد قيم المجتمع الاسلامية.

وفي اطار الجهود التي تشهد اهتماماً غربياً بترجمة الاعمال القصصية والروائية العربية- وخصوصاً النسائية منها- تم في الصيف الماضي توقيع ستة عقود لترجمة روايات لكاتبات سوريات وأردنيات وفلسطينيات الى اللغة الالمانية من خلال مبادرة لاحدى دور النشر العربية في مدينة كولونيا الالمانية. وشملت عقود الترجمة أعمال الروائيات عبير أسبر، وروزا ياسين حسن، وسمر يزبك، ومي جليلي، ونعمة خالد بالاضافة الى الروائية الاردنية سميحة خريس. وذكر مدير الدار أن ما شاهده في مشاركته في معرض فرانكفورت للكتاب عام 2004 قد أذهله فحجم الكتب العربية في المعرض وحجم الكتب المترجمة الى الالمانية كان يدعو للرثاء.

وترى القاصة والروائية الفلسطينية نعمة خالد، بأن الترجمة فرصة لاطلاع الاخر على المنتج الثقافي العربي، وفرصة لتغيير الصورة النمطية للمرأة "الحرملك" العاشقة للمنزل والخاضعة للرجل، والارهابية أحياناً. وتتهم نعمة الغرب والكتّاب العرب من الذكور بترسيخ هذه الصورة النمطية. أما القاصة والروائية السورية سمر يزبك فقالت لا بد للمرأة أن تواصل البحث عن ذاتها وحريتها، لأن خسارات الحرية أقل بكثير من خسارات العبودية.

ومن الكتب الهامة التي صدرت باللغة الانجليزية حول الروايات النسائية العربية كتاب صدر في العام 2003 عن مطبعة جامعة تكساس لمؤلفته نوار الحسن غولي تحت عنوان "قراءة السير الذاتية للروائيات العربيات: شهرزاد تحكي قصتها". وفيه توظف المؤلفة معرفتها باللغة العربية والانجليزية ودراستها في مؤسسات تعليمية في الشرق الاوسط والغرب، في مراجعة النصوص الاصلية العربية في الروايات بتلك النصوص في الترجمات الانجليزية، كما تفكر بعقلية القارىء العربي وهي تراجع النصوص المترجمة، تفادياً لأي سوء فهم في التعرف على جو النصوص نتيجة مشكلات الترجمة.

جاء في افتتاحية مجلة الثقافة السويسرية المشار اليها آنفاً "إن الفرق بين التركيبة اللغوية العربية وبين اللغات الاوروبية كبير، فبينما نميل نحن (في الغرب) الى الجمل القصيرة، تميل الجملة العربية الى استخدام الرموز والصور الجمالية، فاللغة العربية هي لعب بالكلمات تنبعث منها الموسيقى الى أذن المستمع. وتعرف اللغة العربية العديد من المصطلحات والتعابير والكلمات التي قد نحتاج الى جملة كاملة لترجمتها الى لغات أخرى، لذا فهناك صعوبة في الترجمة الى اللغات الاوروبية".

وهناك إشكاليات تتعلق بأصول وفنيات الترجمة- مثل الحذف- التي يعتبرها بعض المترجمين الغربيين تقنية ضرورية ومقبولة في عملية الترجمة للتخلص من الاطناب المنفر في الوصف، أو في الزوائد اللفظية التي تثقل النص، أو الاسترسال المفرط عند تجسيد الحالات النفسية للشخصيات، ويقابلها التوسع والإضافة- لأغراض توضيحية أو أسلوبية- نتيجة اختلاف اللغات والثقافات. وتذكر آمال عميرة في الفصل الثاني من كتاب "تقاطعات: الجندر والامة والمجتمع في الرواية النسائية العربية" والذي تناولت فيه بالدراسة أدب الكاتبة والناشطة المصرية نوال السعداوي أن هناك اختلافات جوهرية تتراوح بين الحذف والاضافة واعادة ترتيب الفصول بين النسخة العربية وترجمتها الانجليزية لكتاب "الوجه العاري للمرأة العربية"، بما يلبي حاجة الناقد الغربي عند دراسة الظواهر في المجتمع العربي. وإذا أقرينا بذلك، يجب ألا يتعدى حدود اللزوم واللياقة، وأن يكون بالتراضي مع المؤلف بعد مراجعة مشتركة لكل التعديلات، ويفترض عدم إلحاق خلل فادح أو فاضح بالنص الأدبي.

وقد تكون هناك اشكالية في الترجمة من الادب العربي الى اللغات الاخرى، اذا كان في أحد بواعثها هو كتابة الرواية أو المجموعة القصصية وفي ذهن الكاتبة أنها مشروع للترجمة قبل أن تولد، مما يعطي الانطباع بأنها تكتب لتقديم نماذج نسائية نمطية لاثارة فضول واهتمام القارىء والناقد الغربي المهتم بالاطلاع على الثقافة العربية، وما قد يعني ذلك من التركيز على قضايا حرية المرأة المسلوبة والقيود الاجتماعية والتابوهات وصور استغلال المرأة ومشاهد الجنس التي تقترن كثيراً في ذهن القارىء الغربي بالادب العربي.

عندما اختيرت الروائية الجزائرية آسيا جبار عضواً في الاكاديمية الفرنسية، شنّ الروائي الجزائري رشيد بوجدرة صاحب رواية "ألف عام وعام من الحنين" هجوماً قاسياً عليها واصفاً رواياتها بأنها متوسطة المستوى وهي "ما يطلبه الفرنسيون". وسبق له أن وصف روايات أحلام مستغانمي بأنها مثل "ساندويتش البطاطا" فيما عدّه النقاد نوعاً من الغيرة الشخصية!

وفي شهر نيسان من العام الحالي 2009 عقدت ندوة مهمة في المجلس الاعلى للثقافة في مصر تحت عنوان "أدبنا في عيون الآخرين" نظمتها لجنة الدراسات الادبية واللغوية، وقد شارك فيها عدد من اساتذة الجامعات والدارسين والنقاد. وطرحت الندوة موضوع الادب العربي المترجم، وأجمع المحاضرون على أن الجهات المترجمة تعتمد على معايير غير موضوعية أحيانا في اختيار الروايات والقصص التي يتم ترجمتها مثل العامل المادي والرواج التجاري أو العلاقات الشخصية والمعارف عن طريق أدباء آخرين.

وطرح في الندوة ما يشير الى أن الادب العربي المعاصر موجود بشكل جيد في الدول الاوروبية، وخصوصاً في فرنسا. وقالت الدكتورة غراء مهنا رئيسة قسم اللغة الفرنسية بجامعة القاهرة إن رواية "نجمة" للروائي الجزائري كاتب ياسين قد تم اعتمادها ضمن المنهاج الفرنسي ويدرسها طلاب المرحلة المتوسطة. وأضافت أن هناك حضوراً واضحاً للروائيات العربيات مثل آسيا جبار ورضوى عاشور ومي التلمساني وغيرهن، فلم تعد القضية وجود الادب النسوي العربي من عدمه، بل بكيفية بناء الثقافة، وتحويل الادب العربي الى عامل يسهم ايجابيا في تغيير النمطية التقليدية.


* نشرت في ملحق الثقافة في جريدة الدستور الاردنية يوم الجمعة الموافق 2/10/2009. يرجى الضغط على العنوان أعلاه للانتقال الى رابط الصفحة في الجريدة وتحميلها

2009/10/02

جذور النوفيلا في اللغة والادب



جذور "النوفيلا" في اللغة والادب

بقلم اياد نصار

تعرّف دائرة المعارف البريطانية "النوفيلا" novella على أنها سرد قصير محكم البناء، واقعي أو تهكمي النبرة في الغالب، نشأت في ايطاليا في العصور الوسطى وكانت ترتكز على أحداث محلية ذات طبيعة هزلية أو سياسية أو عاطفية، كما أثّرت في تطور الرواية في أوروبا في القرن الثامن عشر، وفي القصة القصيرة في القرن التاسع عشر وما تلاهما.

ويعرف قاموس ديكشنري دوت كوم المشهور النوفيلا على أنها حكاية أو قصة قصيرة من النوع الذي جاء في كتاب ديكاميرون للايطالي جيوفاني بوكاتشيو في القرن الرابع عشر. كما يقدم تعريفاً آخر، وهو سرد نثري خيالي أطول من القصة القصيرة وأكثر تعقيداً. يبدو في هذين التعريفين أربع حقائق: الاولى نسبتها الى أصلها الايطالي، والثانية درجة الطول والقصر، والثالثة التعقيد في العمل الذي لا يعني نقيض البساطة والسهولة وحسب، بل اشتمالها على درجة من جودة البناء الفني وترابط العناصر، والرابعة هو في كونها عملاً سردياً خيالياً.

أما قاموس التراث الامريكي للغة الانجليزية، فقد عرفها على أنها حكاية نثرية قصيرة تتسم في الغالب بالدرس الاخلاقي أو بالتهكم، وفي تعريف آخر وصفها بأنها رواية قصيرة.

وعرّفتها موسوعة ويكيبيديا، بأنها سرد خيالي نثري أطول من النوفيليت novelette ، وهي الكلمة الايطالية التي تشير الى القصة القصيرة ولكن أقصر من الرواية. وفي حين أنه ليس هناك إتفاق حول الطول الذي يمكن أن يعد مقياساً يحدد النوفيلا ، إلا أن جوائز نبولا Nebula لكتاب أمريكا للخيال العلمي والفنتازيا تعرّف النوفيلا على أنها تحتوي على كلمات يصل عددها بين سبع عشرة الف وخمسمائة كلمة وأربعين ألف كلمة.

وترى الموسوعة أن النوفيلا نوع أدبي أكثر شيوعاً في اللغات الاوروبية منها في اللغة الانجليزية. وقد ازدهرت في ألمانيا في القرن الثامن عشر وما بعده، خصوصاً على أيدي كتّاب أمثال: هنريخ فون كليست، وجيرهارت هوبتمان، وجوته، وتوماس مان، وفرانز كافكا. وكما في حكايات بوكاتشيو، فان تلك النوفيلات الالمانية ترتكز على حدث مأساوي مثل طاعون أو حرب أو طوفان سواء في الواقع أو في الخيال. ويروي الحكايات عدة رواة لاشغال المستمعين عن التفكير بالبلاء الذي حل بهم.

ومن الامثلة المشهورة التي يمكن ايرادها تحت باب النوفيلا في الادب المكتوب بالانجليزية: "عن الرجال والفئران" لجون شتاينبيك، و"التحولات" لفرانز كافكا، و"مزرعة الحيوان" لجورج أرويل، و"الرجل العجوز والبحر" لايرنست هيمنجواي، و"دكتور جيكل ومستر هايد" لروبرت ستيفينسون، و"الموت في البندقية" لتوماس مان، و"وداعاً كولومبس" لفيليب روث، و"قلب الظلام" لجوزيف كونراد، و"أوراق أسبيرن" لهنري جيمس.

وكلمة نوفيلا بالايطالية تعني حكاية أو إخبارية، ويدل أصل الكلمة على أنها كانت تعني أخبار البلدة والحياة في الريف التي كانت جديرة بالاعادة لغرض التسلية والتثقيف. وكان يتم جمع تلك الحكايات في مجموعات مع الاساطير والحكايات الغرامية، ولكن مع مجيء بوكاتشيو وفرانكو ساشيتي وماتيو بانديلو، فقد طوروا النوفيلا الى حكاية قصيرة أكثر رقة من ناحية نفسية وأكثر اتقانا من حيث التركيب، وكانوا في الغالب يستخدمون قصة كاطار يجمعون حولها حكايات ذات مغزى معين.

وفي هذا الاطار فإن كتاب ديكاميرون لبوكاتشيو الذي انتهى من تأليفه في العام 1353 يشتمل على نحو مئة نوفيلا ترويها سبع نساء وثلاثة رجال تركوا مدينة فلورنسا هرباً من الطاعون الذي ضرب المدينة، والتجأو الى بيت في الريف خارج المدينة وراحوا يسردون الحكايات لتسلّيهم وتلهيهم عن التفكير بالموت الاسود الذي ضرب وسط أوروبا وجنوبها بين العامين 1348 و1350 وخلف وراءه نحو مئة مليون ضحية، وتسبب في خفض عدد سكان أوروبا في تلك الفترة بحدود 45 بالمئة. ويروي كل شخص منهم حكاية للاخرين على مدى الليالي العشر التي قضوها في ذلك المعتزل.

ويؤكد الدكتور محمد عبيدالله أن مجامع اللغة العربية لم تتطرق الى ترجمة هذه الكلمة، مما يعكس اتجاها عاماً بأن النوفيلا في الادب العربي لم تترسخ بعد كنوع أدبي مستقل ضمن جنس السرد. بل إن اصحاب النوفيلات التسع الذين اختارهم في كتابه "الرواية القصيرة في الاردن وفلسطين: بنية الرواية القصيرة" (دار أزمنة،2007) لم يصنّفوا هم أنفسهم ما كتبوه ضمن هذا النوع.

ويورد في هذا المجال ما قام به الناقد نزيه أبو نضال من تتبع التصنيفات التي استُخدمت في وصف بعض النوفيلات سواء تلك التي قام بها أصحابها أو الناشرون عند إشارتهم لها. فابراهيم نصر الله أشار الى أن "الامواج البرية" رواية في معرض حديثه عن أعماله، وهاشم غرايبة يصف كتابه "رؤيا" نصاً قصصياً، أما رفقة دودين فكتبت على غلاف "مجدور العربان" بأنها نص قصصي شبه روائي، وأحمد الزعبي يصف "اختفاء شاعر" و"صم بكم عمي" بنصين روائيين، وسحر ملص تشير الى نوفيلا "اكليل الجبل" بكلمة: قصة.

وتكاد تتفق اللغات الاوربية على استخدام التعبير نفسه، لكن بالصيغة التي تحتكم اليها كل لغة أوروبية. ففي الالمانية والهولندية والدانماركية والنرويجية تدعى novelle أما في البرتغالية فتُستخدم الكلمة novela وفي الفرنسية تُدعى nouvelle.

وهناك اختلاف آخر عن الرواية يتمثل في عدم استخدام فصول في داخل النوفيلا، لأن الاصل أن تقرأ في جلسة واحدة، ولكن يمكن استخدام الفراغ أو الورق الابيض. وهي في الاساس يجب أن تخلق لدى القاريء انطباعا واحدا مثل القصة القصيرة، ولكن بعمق فيما يخص تطور الشخصيات فيها.

يقدم د. عبيد الله في دراسته المشار اليها، عملاً بحثيا ونقدياً ينطوي على نظرة مهمة للغاية في دراسة تطور هذا النوع الادبي، وربما تكون من الاعمال التي لم يسبقه اليها أحد في دراسة بنية الرواية القصيرة في الاردن وفلسطين منذ البدايات ولغاية الان. وقد أشار في مقدمته الى أنه يقصد تمييز وتفريد الرواية القصيرة نظريا وتطبيقيا لعلها تكون منطلقاً لدراسات أخرى متممة.

ولم يكتف بتقديم دراسة نظرية تبين مفهوم هذا النوع وخصائصه وحدوده، بل تعدى ذلك الى تقديم دراسة تطبيقية على عينة تتكون من تسع نوفيلات لكتّاب من الاردن وفلسطين بالتحليل والشرح، منهم غالب هلسا، وغسان كنفاني، وجمال ابو حمدان، ومؤنس الرزاز، وإلياس فركوح، ويوسف ضمرة.

قسم د.عبيدالله كتابه الى ثلاثة فصول رئيسية. قدّم في أولها نظرية الرواية القصيرة، وفي الثاني الدراسات التطبيقية، وفي الثالث أورد نصوص النوفيلات التي تحدث عنها في الكتاب. يكتسب الفصل النظري أهمية كبيرة لتطرقه الى اشكالية البحث عن اسم لفن يقع بين القصة والرواية، فتارة ينسب للرواية بصيغة أو بأخرى، وتارة ينسب الى القصة.

ويبدو أن مصير النوفيلا سيبقى معلقاً مفتوحاً في غياب الاسم الشائع المحدد في الادب العربي وفي غياب معايير واضحة لتسمية هذا النوع سوى تقدير الكاتب أو الناشر فيما يستخدمانه لتوصيف الرواية القصيرة.

وتتبّع د. عبيدالله بشكل ممتع ودقيق معاني الكلمة ومدلولاتها في اللغات الاوروبية ومقارنتها بعضها ببعض وبأصلها الايطالي، كما تطرق الى إشكالية التعريف عند دراسة هذا النوع الادبي من حيث لا بد من وجود معايير أخرى للحكم غير الحجم وعدد الصفحات. كما أورد نماذج قديمة من الاداب الايطالية والفرنسية والالمانية، ساهمت في نشوء النوفيلا. وقد حاول تقديم دراسة تاريخية لغوية عبر تتبع المصطلح في مصادره الاوروبية المختلفة، وأفرد قسماً للحديث عن تجارب النوفيلا في مصر.

ومما ذكره في كتابه نقلا عن الناقد خيري دومة الذي أفرد فصلا قصيراً في كتابه الذي حمل عنوان "تداخل الانواع في القصة المصرية القصيرة 1960- 1990" أن الاسم العربي يثير اشكالية في نسبة النوفيلا مرة الى القصة ومرة الى الرواية، لأن لكل منهما مناخاً دلالياً مختلفاً، ولهذا فقد فضّل استخدام الاسم الايطالي.

والمفارقة أن دومة تحدث عن النوفيلا في معرض حديثه عن أنواع القصة القصيرة، مما يوحي بأنه عدّها ضمنياً أقرب الى القصة من الرواية، ولكن عندما تطرق الى معيار الشكل فقد عدّها قريبة للرواية. ثم عاد مرة أخرى ونقض ما قاله سابقاً حين قال: "ويبدو أن اتساع المادة فرض على هذا الشكل من أشكال القصة القصيرة (النوفيلا) أن يختار ثيمات معينة، وأن يرتكز على العناصر التقليدية".


* اللوحة أعلاه رسم بالالوان على حجارة البحر للفنانة الاردنية سهام الموسى
** نشرت في جريدة الرأي الاردنية يوم الجمعة الموافق 2/10/2009. يرجى الضغط على العنوان أعلاه للوصول الى رابط الصفحة

2009/09/23

شهرزاد القتيلة


شهرزاد القتيلة


اياد نصار

للنهارِ رائحةُ المطرِ فوق الترابِ الغريبْ

وللضبابِ غلالاتٌ تتسللُ فوق قصرِكِ وتغيبْ

يورقُ بهاؤك في المساء موسيقى

ترقص على رمل الشاطيء في وهج شفق مَهِيبْ

فتنة لا تحصى

ولا تعدْ

صوتُك عازفُ نايٍ من سمرقندْ

أذاكَ عذوبةُ ثغرِكِ أم تراه سحرٌ مريبْ؟

تغريني الحكاياتُ والشرفاتُ البعيدة.. فأصعد اليها

برغمِ العواصفِ والرقيبْ

ترسمُ لي من دهشةِ الكلمات درباًً

محفوفةً بموتٍ عجيبْ

لأعبرَ على جسرِ خوفي

الى جنةٍ من حروفِكِ وحروفِي

تجرّدني من حزنٍ أبدي

تحرّرني من ظلام ليلٍ وماضٍ كئيب

للنهارِ رائحةُ المطرِ فوق الترابِ الغريبْ

وللضبابِ غلالاتٌ تتسللُ فوقَ قصرِكِ وتغيبْ

ثلجٌ يذوبُ.. قطراتٌ تسيلُ على نافذتي

تكتب اسمَكِ.. أشعارَكِ بين العتمةِ والنورْ

أراك من خلفها تجلسين منذُ عصورْ

في سأمٍ رتيبْ

أركضُ اليك.. يصطدمُ رأسي بالجدارْ

تحاصرني جدرانُ القبيلةِ بالنارْ

حورية ً تجلسين على صخرةٍ وحيدة

كما كنتِ في البدايةْ

جاء اليك ولم ينتظر الحكايةْ

سيفهُ مشرعٌ على الاجساد يرسمُ

حدودَ النهايةْ.

فردوسُك وهمٌ لا يدوم سوى لحظاتْ

حلمٌ مبللٌ بأنّاتِ موتٍ قريبْ

تقتلني عيونُك الصامتةُ على مذبحِ عشتار

فأنحني

للموتِ .. للحزنِ.. للذكرياتْ.

للذكرياتِ مرارةٌ تترسبُ في قاعِ الروح

تثوي هامدةً ككتبٍ عتيقةْ

كزخرفةٍ خضراءَ مطرزةِ الحواشي

على جدرانِ مقامِ الوليّ

أو كآثارٍ غائرةٍ عميقةْ

في حنايا قلبٍ نازفِ الجروح.

كم تساءلتُ عن السر يا سيدتي..

كيف تركناها تموتُ بحدِّ السيفِ

بين أيدينا الحقيقةْ؟

لا أحدَ يعرفُ من قتلَ شهرزاد

تفرّقَ دمُها بين القبائلْ

وأنا في الوادي السحيقِ

أنتظر نهايتي كهلالٍ آفلْ

وكلُّ المنسيين بينَ صخورِ السفوح

يقطرُ دمي على حدِّ سيوفِ

من صادروا حلمَ الغدِ الماثل.

للسكونِ صدى خوفٍ قادمٍ من عمقِ التاريخْ

لم يبق سوى الجفافِ والترابِ الغريب.

رحلتْ.. فتلاشت من الأفقِ السنونواتُ وأضاميمُ الضياء

وقفتْ تودّع على حواف الظلالِ الصاعدةِ للسماء

سرّحتْ يديها فوق شَعَرِ الرياح وخيوطِ الشمسِ

بلا سناء

نزلتْ دمعةٌ فنبت زهرةٌ تحتَ شجرةِ عنّاب برية

هنا غنّتْ أغنيتها الاخيرة

فولدتْ ياسمينةٌ بيضاء

يولدُ الليلةَ نرجسٌ من كتبِ الطوفان القديمة

يرتدي البياضَ والماءَ وحصى الخلجان

ونظراتِ عاشقٍ ولهان

تسللتُ من القبيلة ووقفتُ عند الفنارْ

ذاتَ ليلةٍ يتيمة

لأرى ملامحَ وجهها الحزين

تشرقُ بالدمعِ كالامطارْ

لكنها غابت وراء سوادِ الامواج الليلية

أماتتْ شهرزاد؟

أراها في ورقي الذابل

طيفاً .. أسمعها في كلِّ قصةٍ شرقيةْ

صوتُها الآتي عبر أساطيري

ما زال يترددُ فوقَ الغيمِ

فلا يرجعُ سوى الصمتِ..

ولا يرجع سوى الغريب..

للمطرِ رائحةُ النهارِ والموتِ..


* الصورة أعلاه هي تمثال شهرزاد المنصوب في وسط بغداد للنحات العراقي الكبير محمد غني حكمت

2009/09/04

مقالة في جريدة الرأي الاردنية


القصة الانجليزية القصيرة

أصوات مهاجرة.. إرث اللغة وسؤال الهوية

بقلم اياد نصار


نشرت صحيفة الرأي الاردنية في ملحقها الثقافي الاسبوعي ليوم الجمعة الموافق 4/9/2009 مقالتي حول القصة الانجليزية القصيرة وآفاق مستقبلها في القرن الحادي والعشرين والتي تبحث في دور الأصوات القصصية الشابة المهاجرة الى البلدان الناطقة بالانجليزية في إعادة رسم ملامح القصة المعاصرة. هذه صورة الصفحة التي نشرت بها المقالة المعنونة "القصة الانجليزية القصيرة وآفاق المستقبل: أصوات مهاجرة .. إرث اللغة وسؤال الهوية". يرجى الضغط على العنوان أعلاه لتحميل الصفحة وقراءة المقالة.

القصة الانجليزية القصيرة وآفاق المستقبل


القصة الانجليزية القصيرة وآفاق المستقبل

أصوات مهاجرة.. إرث اللغة وسؤال الهوية

بقلم اياد نصار

بدأت أصوات جديدة شابة مهاجرة تشق طريقها في عالم الكتابة وتصنع لها إسماً وحضوراً في القصة الانجليزية القصيرة، الامريكية والانجليزية والكندية والايرلندية والاسترالية. وتتناول هذه المقالة أبرز هذه الاصوات السردية الشابة التي بدأت النشر منذ بداية القرن الجديد أو في السنوات الاخيرة من القرن العشرين وما تزال منهمكة في بناء مشروعها القصصي، وأخذت منذ ذلك الحين تحصد جوائز في القصة، كما استقطبت اهتمام النقاد وحجزت لإسمها ولأعمالها مكاناً في الكتب والمختارات القصصية والدراسات والموسوعات.

ولا شك أن هناك كتاباً معروفين يواصلون مسيرتهم الابداعية في القرن الجديد في تقديم فن قصصي رفيع المستوى يطرح قضايا الانسان والمجتمعات وقيم الحرية والاغتراب والهجرة والتكنولوجيا والحرب والازمات النفسية، ويوظف الفنتازيا والخيال والواقعية السحرية، ولكن هذه المقالة تركز على الكتاب الجدد وخصوصا المهاجرون منهم للدول الناطقة بالانجليزية، إنطلاقاً من أنهم سيشكلون مستقبل القصة في السنوات القادمة.

من المعروف أن اللغة هي أحد أبرز العوائق التي تحول بين الكاتب المهاجر وجمهوره المحتمل في بلد الاغتراب. وقد بدأت هذه المشكلة تتراجع مع انتشار وسائل الاتصال وعولمة الادب وارتفاع مستوى التعليم ليشمل تعلم اللغات الرئيسة في كثير من دول العالم. في الماضي برز جوزيف كونراد، ذلك الصبي البولندي الذي عاش فوق السفن الانجليزية في أماكن كثيرة من العالم، وانتهى في لندن ليصبح من أهم كتّاب الرواية الانجليزية، حتى إن نحو ربع سكان الكرة الارضية قرأ روايته قلب الظلام! وهناك الروائي الروسي نابوكوف الذي وصل أميركا في العام 1940 مع عائلته على ظهر سفينة هارباً من فرنسا، وأصبح أحد أهم كتاب أميركا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. بل إنه قضى عقدين من الزمن يكتب القصص في سويسرا وهو يؤكد أنه أمريكي!

ماذا يعني لكاتب مهاجر أن يصبح كاتباً بريطانياً أو أمريكياً أو كندياً أو غيره؟ هل هي اللغة أم تمثيل الحياة في تلك الدولة الجديدة، أم شيء يستعصي على التعريف.. شيء يدركه القراء بحدسهم؟ لكن بعض الكتاب لم يصبحوا كذلك لا في اللغة ولا في المواضيع ولا في التزامهم بمصير ذلك البلد حتى بعد عقود من العيش فيه مثل اليكساندر سولجنيتسين الذي جاء لاجئاً الى أميركا في العام 1976 وعاد في العام 1994 الى روسيا.

وفي حين أن الولايات المتحدة مستقبلة للمهاجرين بحكم ماضيها، وبريطانيا ما بعد العصر الاستعماري لا تحبذ هجرة الاجانب، فإن المفارقة أن أكثر ما ينشر من أعمال قصصية وروائية والتي تلقى استقبالا شعبياً كبيراً في السنوات الخمس عشرة الاخيرة هي من كتابات المهاجرين مثل الكاريبي كاريل فيليبس، والباكستاني حنيف قريشي، والهندية سنيترا جوبتا والغوياني جان لو شاينبورن. ومعالجة هولاء لقضية ما كالهوية والانتماء ليس بالضرورة واحدة، بل يختلف كل منهم عن الاخرين في معالجتها.

لقد جذبت القصة القصيرة أفضل الكتاب وخصوصاً المهاجرون في أميركا الذين استخدموا هذا الجنس الادبي لطرح مدى واسع من الجغرافية والثقافة. وفي مجال الاسلوب وتقنية السرد فإنها تغطي ما يمكن تسميته "ما بعد فرويد" أو القصة السيكولوجية، وقصص الفانتازيا والخيال، وقصص الواقعية السحرية، وقصص الابعاد اللغوية التي تعبر عن نفسها بالحضور المادي الواضح للغة، وكذلك الواقعية المباشرة، وغيرها. وهناك تأثير الاقلام الجديدة المهاجرة أو الاقلام من أبناء المهاجرين من أصول اسبانية أو عربية التي تكتب القصة الانجليزية مثل ديفيد معلوف في أستراليا.

لكن لا بد من الانتباه الى تلك الثنائية الجدلية التي تدور في حلقة مفرغة. بالنسبة لكاتب مهاجر فان ترحيب الحياة الجديدة به كشخص غير معروف أمر يدعو للتحرر والاختناق معاً، لتنفس الصعداء وانقباض النفس في الوقت نفسه. فبلد مثل الولايات المتحدة يَعِدُ المهاجرَ بالكثير من الآمال. ولكنه لا يستطيع أن يقدم له مباشرة جمهوراً مستمعاً، وعندما تترجم كتبه وتنشر ويضع خطواته الاولى على طريق الانتشار، فإن قصص المهاجر تبدأ بتقديم حياة أميركية خاصة بها.

ويلعب الكاتب المهاجر دورا في توجيه وجهة النظر المتعلقة برؤيته للمجتمعات الانسانية في بلاد الهجرة الى شعوب تلك المجتمعات من غير المهاجرين. ويقدم نظرات نقدية وتأملات جديدة عن أناس "غرباء غريبي الاطوار" يميلون للبرودة واللاابالية. ولا شك أن هذه الكتابات ستدفع الناس في النهاية عندما تأخذ شكلاً عاماً الى محاولة تغيير الصورة النمطية المتوقعة عنهم.

كتاب القصة يدفعوننا للتفكير في الكثير من الحقائق المهملة والمغلوطة التي تؤثر في حياتنا كثيراً ولا بد من إعادة النظر فيها وتأملها: الاغتراب عن المجتمع، تجربة الاقليات، العلاقة بين الرجل والمرأة في ضوء تطورات العصر، العنف، قضايا المرأة، الهجرة أزمة الذات والهوية والانتماء، الاحساس بالتهميش، المعاناة بين نموذجين وعالمين، والكثير من المواضيع الاخرى.

في كتاب مختاراتها الضخمة التي تضم مجموعة من القصص الامريكية القصيرة التي تُعدُّ ممثلة بشكل رائع لكتاب القصة القصيرة الاميركية في القرن الحادي والعشرين والتي جاءت في 759 صفحة، قدمت القاصة والروائية الامريكية المشهورة جويس كارول أوتيس 48 قصة قصيرة كتبت كلها في القرن الجديد لقاصين وقاصات بحيث تعكس أطياف القصة المتعددة والمذهلة الجديدة، ومنهم: آيمي بندر، و تي سي بويل، ومايكل شابون، وايدوج دانتيكا، وجنوت دياز، وجومبا لاهيري، وشاك بالانيوك، وجورج سوندرز.

تبين المجموعة النماذج المختلفة للاساليب السردية، والمواضيع، وصوت الكاتب الداخلي، والمكان والزمان، ووجهة النظر خصوصاً في هذه المرحلة التي تشهد هيمنة الجانب السياسي مع استقطابات كبيرة، وتطرح فيها وجهات نظر سياسية متعددة حد التناقض او الاختلاف الجذري.

وفي الاجناس الادبية عموماً لا شيء أكثر مرونة وانفتاحاً على التعدد الجمالي من القصة القصيرة. فقصرها يدعو الكاتب لاستثمار أوجه التجريب كافة على نحو عملي أكثر مما يمكن أن تحتمله الرواية. فلا جنس أدبياً يستطيع أن يفعل أكثر من القصة في مواجهة تحدي تقديم شخصيات متفردة من خلال الحكي وسرد الاحداث بشكل موجز مقتضب وليس من خلال الوصف المسهب كما في الرواية، لأن الفن كما قال أحد الفنانين العظام ليس نظرياً.

تُعدّ افتتاحيات القصة من المؤشرات المهمة التي تميز عصرنا عن غيره. في القصة الجديدة يسود نوع من الافتتاحيات الفجائية أو القلقة نفسياً أو المضطربة أو التجريبية غير المألوفة في مطالع القصص، التي تبتعد عن القصة المسبوكة بحرفية ضمن تقاليد القصة التي نجدها في أعمال هنري جيمس، وجيمس جويس، وأنطون تشيكوف وايرنست هيمنجواي، كما يصاحبها نوع من الاستعجال اللفظي الذي يستمد أصوله من مصادر أخرى خارجية مثل المونولوج المسرحي أو فن التمثيل. ولكن ما تزال القصة التقليدية موجودة وبكثافة على الساحة كما في كتابات جون أبدايك الذي توفي مؤخرا ورَسِل بانكس، وريك باس، ودوكتورو، وتوماس ماكجوان، وديبوراه ايزنبيرغ، وغيرهم. ورغم تعدد الشكل فإن هناك المنظور الاخلاقي ما يزال قوياً في كثير من الاعمال.

القصة المعاصرة ليست قصة تيار الوعي التجريبي الذي ظهر في الستينيات والسبعينيات، ولكن رغم ذلك ما يزال هناك شكل غير مستقر للقصة تكتب به أقرب الى الملهاة الرومانسية وقصة الغموض والجريمة التي تستعصي على التجنيس أحياناً. كما أن هناك محاكاة وتناصاً لبعض الاعمال القصصية والروائية التي تستدعي الاطلاع على تلك الاعمال البارزة السابقة لكي يكون للقصة المعاصرة معنى من خلال استحضار تلك الاعمال كما في جريج جونسون ورتشارد فورد التي تستدعي معرفة أدب سيلفيا بلاث. كما أن كتابات القاصين ذوي الاصول التي تعود للاقليات بدأت تصبح أكثر قدرة على قراءة المجتمع والتعبير عن مشاكله.

في العقود الاخيرة بدأت المذكرات وكتابة المذكرات تطغى وتحل محل التجريب السردي. كما بدأ النقاد يلمسون أن جمهور القراء العاديين غير المتخصصين أصبحوا يعزفون عن الاعمال القصصية الصعبة التي تمتاز بالاضطراب والغموض وتوظيف أساليب وتقنيات مختلفة، ويفضلون عليها القصص التي تمتاز بتوظيف شكل الحوار والاعتراف كما في أعمال جنوت دياز.

إن اتجاهات القصة القصيرة المعاصرة هو النهايات المشرعة على الاحتمالات والاسئلة المعلقة والشخصيات المستقلة التي تسعى للتحكم بمصائرها برغم القوى القاهرة، وتحويل أمور الحياة الاعتيادية ووصفها البطيء الثقيل الى أبعاد رمزية تنشيء روابط مع القاريء الذي يجد فيها أكثر مما يبدو للوهلة الاولى.

يقول القاص والناقد ستيفن كنغ في مقالة له بعنوان (ما الذي يُمرض القصة القصيرة؟) نشرها قبل عامين في جريدة نيويورك تايمز: "الشكل القصصي ما يزال بخير، ولكم ان تطمئنوا الى ذلك! ولكن اذا ذهبتم للمكتبات فستجدون الصورة مغايرة.. إن صور وألبومات برتني سبيرز في كل ركن وكل زاوية في حين أعمال كاتب موهوب مثل وليم جاي أو راندي دي فيتا أو ايلين بولاك أو أرين كايل تكافح في ركن مهجور"! لقد صار الامر كما لو أن الكتاب يكتبون لما تبقى من هذا الجمهور القليل المنصرف عنهم، وأغلبهم من كتاب آخرين مثلهم يبحثون عن جمهور! وهولاء لا يقرأون لاجل متعة القصة ولكن لكي يعرفوا عما يباع في السوق. وهذا النوع من القراءة ليس القراءة الحقيقية.

وقال كنغ ايضاً: "لقد قرأت العشرات من القصص وشعرت أنها موجهة للذات وعنها، وبها تظاهر واضح وليست مسلية، كأنما هي مكتوبة للمحررين والمعلمين وليس لعموم القراء. لقد كان الامر في الماضي مغايراً. لقد كانت القصص التي تنشر في صحيفة ايفننغ بوست مثل ستاد رياضي، ولكنها الان بالكاد تستقطب جمهوراً أكثر من رواد مقهى. وباختصار إن القصة الامريكية المعاصرة حية ولكنها على وشك الانحدار في السنوات القادمة. هناك حديث يدور عن عزلة القصة المتمثلة في توجهها للنخبة وبما تمتاز به من صعوبة".

أصوات مهاجرة

ايدويج دانتيكا Edwidge Danticat قاصة وروائية وشاعرة أمريكية من أصل هايتي ولدت العام 1969 في بورت اوبرنس في هايتي. هاجرت الى الولايات المتحدة وعمرها 4 سنوات وسكنت مع أسرتها في حي بروكلين في نيويورك. واجهت صعوبة في التكيف في المدارس حيث لم تكن تعرف أي شيء عن اللغة الانجليزية ، مثلما واجهت عائلتها صعوبة في تلبية متطلبات الحياة. واجهت عنصرية من زملائها التلاميذ الذين كانوا يصفونها بامرأة القوارب او اللاجئة، وقد عانت من الشعور بالضياع. وقد وصفت ذلك بقولها: "فقدت طفولتي والناس الذين تركناهم خلفنا. كنت مثل طفلة في المهد ما تزال تتعلم كل شيء من الصفر". حصلت على بكالوريوس في الادب الفرنسي ، وانتظمت في مساقات للكتابة الابداعية. صدر لها مجموعتان قصصيتان بعنوان "كريك، كراك" العام 1996 و"محطم الندى" العام 2004 بالاضافة الى روايات من أشهرها "زراعة العظام" العام 1998. لقيت مجموعاتها القصصية ورواياتها استقبالا كبيراً لما تمتاز به من روح غنائية مكثفة وأوصاف حيوية للاماكن والناس في هايتي، والصدق في تصوير الالم والخوف. نالت عدداً كبيراً من الجوائز الادبية عن أعمالها المختلفة. وتهتم كثيرا بالمعاني المتعددة للشتات في اطارها الهايتي مستمدة مواضيعها من صعوبات الحياة للمهاجرين الذين يحسون بأنهم موزعون بين عالمين.

جنوت دياز Junot Diaz قاص وروائي أمريكي أصله من الدومنيكان ولد العام 1968 ، بدأ الكتابة منذ العام 1995 وفاز بجائزة بوليتزر للسرد للعام 2008 عن روايته "الحياة القصيرة العجيبة لاوسكار واو". ظهرت قصصه في مجلة النيويوركر التي عدّته أحد أهم عشرين كاتباً في القرن الواحد والعشرين. يعالج دياز في قصصه مشكلات التأقلم والتكيف في حياة المهاجرين من الدومنيكان الى نيوجرسي بالولايات المتحدة. ويغلب على لغته القصصية استخدام كلمات محكية هجينة من امتزاج الاسبانية بالانجليزية لدى المهاجرين. ولكن تبقى قضايا الهجرة، ومشكلات المجتمع الجديد، والحنين الغامض للوطن هي أبرز موضوعاته.

جومبا لاهيري Jhumpa Lahiri قاصة وروائية أمريكية من أصل بنغالي ولدت العام 1967. صدرت مجموعتها القصصية الاولى العام 1999 وحملت عنوان "مترجم الاضطرابات النفسية". فازت بجائزة بوليتزر للسرد العام 2000 عن روايتها "مسمى على اسمه" التي تحولت الى فيلم سينمائي. وصدرت مجموعتها القصصية الثانية العام 2008 وحملت عنوان "أرض غير مألوفة". وكما في حالة دياز، فإنها تتناول بلغة بسيطة مباشرة في عالمها القصصي والروائي المهاجرين من شبه القارة الهندية الى أميركا في انتقالهم بين القيم الثقافية لموطنهم وبلاد الاغتراب الجديدة. وتميل أعمالها الى استلهام حياتها الشخصية وتجاربها وتجارب عائلتها كمادة اساس لكتاباتها. وتركز على الجوانب النفسية والداخلية للمهاجرين وما تنطوي عليه من القلق والاضطراب والصراع والشعور بالتمييز ضدهم في محاولتهم بناء عائلة في بلاد الغربة. كما تعالج محاولات الجيل الاول من المهاجرين الى غرس قيمهم التقليدية في نفوس ابنائهم التي يعتقدون أنها ستوفر لهم الملاذ من صدمة الانتقال الثقافية. كما تركز كتاباتها بشكل واضح أيضاً على احتياجات الفرد الذاتية وقدرته على التكيف.

ديفيد معلوف David Malouf قاص وروائي وشاعر استرالي من أصل لبناني. ولد العام 1934 ولد في استراليا لأب مسيحي لبناني وأم يهودية برتغالية. نال عدة جوائز عالمية رفيعة عن أعماله السردية وخاصة روايته "تذكار بابل" التي صدرت العام 1993. رُشّح لجائزة بوكر الدولية. أصدر تسع روايات وثلاث مجموعات قصصية من أهمها "حلم" العام 2000. يركز في أعماله على الهوية الذكورية والبحث عن الروح. ويعتقد أن الاعمال السابقة التي قدمت الرجل كانت تربطه دائما بالجانب المادي والفعل وليس الجانب الروحي. لا يؤمن بفكرة أن يكون الكاتب ممثلاً عن مرحلة أو بلد ما، إذ إن القيام بدور النموذج أمر سيء بالنسبة له. ويقول إنه أكثر ما يكره أن يقال انه يمثل الوعي في استراليا.

شيماماندا أديشي Chimamanda Adichie قاصة وروائية نيجيرية ولدت العام 1977 وتعيش في الولايات المتحدة منذ العام 1996 حينما قدمت اليها وعمرها 19 عاماً للدراسة. درست الاتصال والعلوم السياسية في المرحلة الجامعية الاولى، ونالت الماجستير في الكتابة الابداعية من جامعة جونز هوبكنز. أصدرت مجموعة قصصية في العام 2009 بعنوان "ذلك الشيء حول عنقك". سبق ذلك صدور روايتين لها: الاولى في العام 2003 بعنوان "الخبيزة الليلكية"، والثانية في العام 2006 بعنوان "نصف شمس صفراء" التي نالت عنها جائزة أورانج للسرد النسوي. تقول أن نيجيريا ستبقى دائما وطنها ولكنها تحتاج أن تبتعد عنها أحيانا لتكون قادرة على الكتابة عنها بشكل أفضل. وتضيف أنها عندما ترجع لنيجيريا ستكتب عن ابناء وطنها المهاجرين في أمريكا.

تتحدث في أعمالها عن شخصيات تعاني ظروفاً قاسية في بلد يواجه الاضطراب السياسي. هناك الكثير من سيرة حياتها ومن نقل مشاهد الحياة اليومية التي تدعم رؤيتها ان الكتابة هي عن اولئك الذين عانوا ولم يتح لهم أن يقولوا شيئاً. فالكتابة صوتهم. كما تتحدث عن الدين وعن الصراع مع التراث الافريقي.

غيش جن Gish Jen قاصة وروائية أمريكية من اصل صيني وُلدت العام 1955. نشرت قصصها القصيرة ضمن أفضل مختارات القصة القصيرة الامريكية. أصدرت ثلاثة روايات ومجموعة قصصية واحدة. طرحت في أعمالها مفهوم اعادة تعريف الهوية الامريكية. وتناولت مفهوم الاسرة من خلال تناولها الاسرة الامريكية من أصل اسيوي. ورغم أنها تقدم في أعمالها شخصيات صينية أو أمريكية من اصل صيني إلا أنها لا تبتغي طرح صراع الهوية للمهاجرين بقدر ما هو هدفها طرح مفهوم اعادة صياغة الهوية الامريكية.

مويز غلام حسين فاسانجي Moyez Vassanji قاص وروائي كندي من أصل هندي. ولد في كينيا في العام 1950 حيث كانت عائلته قد هاجرت من الهند الى شرق افريقيا وعاش في تنزانيا. وفي مطلع العشرينيات حصل على منحة لدراسة الفيزياء النووية في الولايات المتحدة، وتخرج بدرجة الدكتوراه في الفيزياء النووية في جامعة بنسلفانيا. هاجر الى كندا واستقر فيها حيث عمل في محطة طاقة ذرية. وفي العام 1989 أصدر روايته الاولى "حقيبة القنب"، ومنذ ذلك الحين ترك العمل في الفيزياء وتفرغ للكتابة. أصدر في العام 2005 مجموعة قصصية بعنوان "عندما كانت ملكة". تناول في كتاباته الشتات الهندي الى افريقيا ثم الى اوروبا وكندا والولايات المتحدة.

ميشيل فيبر Michel Faber قاص وروائي وإعلامي من أصل هولندي يعيش في أستراليا. ولد العام 1960 في لاهاي. حقق شهرة أدبية رفيعة، ونال جوائز عديدة في القصة القصيرة في اسكتلندا واستراليا. رفض التقدم للحصول على الجنسية الانجليزية التي كانت تأهله للدخول في مسابقة البوكر للرواية بسبب تحالف بريطانيا مع الولايات المتحدة في الحرب في افغانستان والعراق. لا يقدم فيبر نفسه على أنه كاتب ينتمي لجنسية محددة بل يطرح مواضيع ذات بعد أوروبي. نشر مجموعته القصصية الاولى العام 1998 بعنوان "يجب أن ينزل قليل من المطر". وفي العام 2005 أصدر مجموعته الثانية بعنوان "توأم فهرنهايت". وعلى صعيد الرواية فقد أصدر خمس روايات ما بين العامين 2000 و2008. مر بتجربة مريرة في كتابة روايته الثانية إذ عرضها على الناشر فرفضها، ولكنه لم يتركها بل بقي يضيف اليها حتى بلغت 1500 صفحة وقد سببت له أزمة مالية لأنه كان قد قبض قيمة العقد مسبقاً كما شهدت تلك السنة طلاقه من زوجته الاولى، فعاش صراعا بين الاحتفاظ بالرواية وبين تركها كما نصحه اصدقاؤه. وأخيرا تخلى عنها ولكن من وحي تلك التجربة الفاشلة فقد ألف رواية أخرى حول معاناة روائي مع روايته الرابعة، وقد نالت الرواية الجديدة حضورا نقديا وشعبياً كبيراً.

ها جن Ha Jin قاص وروائي وشاعر امريكي من اصل صيني ولد العام 1956. كان أبوه ضابطاً في الجيش الصيني إبان الثورة الثقافية. درس اللغة والاداب الانجليزية في الصين حتى نال شهادة الماجستير ثم ذهب الى الولايات المتحدة لدراسة الدكتوراة في السنة نفسها التي شهدت حادثة ميدان تيانامين فقرر بعدها البقاء في الولايات المتحدة. كتب قصصه القصيرة ورواياته واشعاره باللغة الانجليزية واحتفظ بها منذ أن كان طالباً. بدأ ينشر أعماله في الولايات المتحدة منذ العام 1990. وقد أصدر ثلاث مجموعات قصصية ما بين العامين 1996 و 2000. كما أصدر خمس روايات ما بين العامين 1998 و2008. نال جائزة الاكاديمية الامريكية للفنون والاداب العام 2006. كما نال جائزة وليم فوكنر للرواية عدة مرات وجائزة ايرنست هيمنجواي للقصة وجائزة الكتاب الوطني.

وينا بوون Wena Poon قاصة أمريكية من أصل سنغافوري، أصدرت مجموعتها القصصية الاولى بعنوان "أسود في الشتاء" عام 2007. ويبدو الارتباط بموطنها الاصلي واضحاً من العنوان. فسنغافورة تدعى مدينة الاسود التي يتكون شعارها الرسمي من كائن نصفه الاعلى رأس اسد ومن الاسفل جسم حورية. وتركز القصص على حياة السنغافوريين المهاجرين الذين يعيشون في بلاد الغرب. رُشحت المجموعة لجائزة فرانك أوكونر الدولية للقصة القصيرة، وجائزة سنغافورة للادب لعام 2007.


2009/08/28

مقالة في الدستور الثقافي.. عبد الستار ناصر مسرحياً


نشرت صحيفة الدستور الاردنية في ملحقها الثقافي الاسبوعي ليوم الجمعة الموافق 28/8/2009 مقالتي حول القاص والروائي العراقي عبد الستار ناصر والتي تتناول جانبا آخر لا يعرفه كثيرون من إبداعه وهو التأليف والنقد المسرحي. هذه صورة الصفحة التي نشرت بها المقالة المعنونة " الوجه الآخر للمثقف.. عبد الستار ناصر مسرحياً". يرجى الضغط على العنوان أعلاه لتحميل الصفحة وقراءة المقالة.

عبد الستار ناصر مسرحياً



الوجه الآخر للمثقف
عبد الستار ناصر مسرحياً
بقلم: اياد نصار

كتب القاص والروائي العراقي عبد الستار ناصر في إحدى قصصه القصيرة بعنوان دبابيس وأمراض: "على خشبة المسرح كان إمبراطوراً متوّجاً على نصف الكرة الأرضية يصغي إليه ملايين البشر وتخاف من سطوته وقسوته الشعوب. لكنه عندما عاد إلي بيته الفقير كانت زوجته تصرخ به وتسأل عن سبب تأخره كل ليلة؟ فأجابها بصوت منكسر خائف ذليل: لكنك تعرفين يا زوجتي أن الإمبراطور لا يموت إلا بعد الساعة العاشرة ليلاً!" وربما قليلون من يعرفون أن "إمبراطور" القصة العراقية لا يظهر بقناعه المسرحي الا للقلة الذين يعرفون مدى عشقه للمسرح أو لمن قرأ كتابه الذي أصدره عام 2007 بعنوان "مسرحيات عراقية: قراءات في المسرح العراقي المعاصر". وقليلون من يعرفون أنه نفسه قد ألف عدداً من المسرحيات ضمّن منها ثلاثاً في الفصل الخامس الاخير من الكتاب.

منذ أن أصدر مجموعته الاولى في بغداد بعنوان "الرغبة في وقت متأخر" عام 1968، فقد إستمر إبداع عبد الستار ناصر القصصي والروائي والنقدي والسيري منذ ذلك الحين ولم يتوقف حتى بلغ لغاية الان خمسين كتاباً تُرجم العديد منها وخاصة مجموعاته القصصية الى عدة لغات. لقد عرف عنه غزارة الانتاج الذي بلغ معدلاً يصل الى نشر كتاب كل عام رغم أنه أنتج في بعض السنوات ثلاثة كتب. وساهم حضوره السردي والنقدي في المؤتمرات والندوات وكتاباته المنشورة في الصحف والمجلات بتعزيز مكانته الادبية في الساحة الثقافية. لقد عُرف عبدالستار ناصر كأحد أهم الاصوت العراقية وخاصة في القصة في الربع الاخير من القرن العشرين. بل إن مساهماته في الادب العراقي المنفي خلال العشرية الاولى من القرن الواحد والعشرين التي شهدت خروجه من العراق عام 1999 وإنتقاله للاقامة في عمان والتي بلغت سبعة عشر مؤلفاً ما بين مجموعة قصصية ورواية وسيرة ذاتية ونقد لا تقل أهمية عن أعماله الاولى.

تميط هذه المقالة اللثام عن الوجه الاخر لعبد الستار ناصر ذلك العاشق الحقيقي للمسرح الذي تجلى في مداومته على حضور المسرحيات العراقية على خشبة المسرح على امتداد عشرين عاما، والناقد المتأمل بعيون تهتم بتفاصيل العمل المسرحي والغوص في أعماقه، مستنداً الى ثقافة مسرحية، تجلت في كتاباته النقدية بحسٍّ فني وتحليليّ عالٍ وجريء. لقد تابع عبد الستار تطور المسرح العراقي المعاصر تأليفاً وتمثيلاً وإخراجاً عن كثب من خلال لقاءاته ومناقشته للاعمال المسرحية مع فرق العمل من الممثلين والمؤلف والمخرج. وقد توج ذلك بخوضه تجربة الكتابة المسرحية حيث كتب ثلاث مسرحيات قصيرة من فصل واحد.

كتب عبد الستار عن المسرحيات التي كان يحضر عرضها مقالات نقدية قصيرة لا تخلو من النقد اللاذع أحياناً مثل مسرحية (بين المالك والمملوك، ضاع التارك والمتروك) لمؤلفها ومخرجها قاسم محمد الذي أمعن في نقدها وتشريحها ليس بدءاً من العنوان الذي لم يستسغه ولا نهاية بالمضمون الذي قال أنه لم يكن جديداً بل مطروقاً كثيراً من قبل المسرح العالمي أو المصري أو مأخوذاً من مسلسلات وأفلام سينمائية، أو مثل مسرحية (الرهن) لمخرجها عبد الامير شمخي التي يقول أن المخرج ذبحها من الوريد الى الوريد بينما هي تتكيء أصلا على قصة رائعة هي "الوجه الاخر" لفؤاد التكرلي. وهنا يؤكد على ضرورة التفريق بين نص جيد ومسرحية رديئة. كما لم تخل مقالاته من نقده القاسي حينما كانت تبدو له بعض الاخطاء أو السقطات في الاخراج المسرحي أو في اضطراب الرؤية لدى المؤلف وخاصة في المسرح التجريبي. كما تنطوي على نقد لبعض المسرحيات التي تسيطر عليها لغة الخطابة أو يؤثر الديكور سلباً على انطباع المشاهد بحيث لا يتيح له الوصول الى المعنى.

يعرض عبد الستار في هذه المقالات نظرته لمضمون تلك المسرحيات وأنواعها والقضايا التي تناولتها ونجاحها التمثيلي والاخراجي وهموم أبطالها كما ينظر إلى تفاصيل المشهد المسرحي ككل مثل لوحات المشاهد والصوت والمؤثرات والديكور والاضاءة ، ويتحدث عن أداء الممثلين وجوانب الابداع أو القصور فيه! لقد شكلت كتاباته هذه ذاكرة تاريخية تحفظ صفحات تكاد تضيع من مسيرة المسرح العراقي منذ نهاية الحرب العراقية الايرانية في أواخر الثمانينات وحتى نهاية التسعينيات مما حدا به الى نشرها في الكتاب الذي صدر في عمان عن دار ورد للنشر والتوزيع عام 2007.

إشتمل الكتاب الذي جاء في 230 صفحة على مقالات غطت إثنتين وثلاثين مسرحية عراقية طوال عشرين عاماً بالاضافة الى مسرحياته الثلاث في آخر الكتاب وهي: (أول حرب جميلة) عام 1993، و(الخمرة لا تسكر الموتى) عام 1999، و(جمهورية العوانس) عام 1993. وقد قسم الكتاب الى خمسة أقسام. تطرق في القسم الاول الى محاولات التجريب المسرحي العراقي في مقاربات المسرح التعبيري والمسرح الايمائي، وفي القسم الثاني تطرق الى عرض ونقد مسرحيات تركت تأثيراً في الذاكرة، وفي القسم الثالث الى نماذج من المسرح الشعبي، وفي القسم الرابع الى مسرحيات بلا جمهور. أما القسم الخامس فقد إشتمل على مسرحياته.

ويلاحظ أن كثيراً من المقالات في الكتاب تتسم بالقصر والايجاز بحيث لا تتوقف كثيراً عند تقديم عرض أو ملخص لأحداث بعض المسرحيات. وقد يكون ذلك مفهوما بالنسبة له أو لمن حضر تلك المسرحيات في تلك الفترة، وخاصة جمهور المسرح العراقي ولكن أعتقد أنه بالنسبة للقارىء العربي الذي يعتمد على الكتاب كمادة أساسية للتعرف على تلك المسرحيات فسوف يفتقد هذا الجانب، حيث إهتمت المقالات بتناول بعض الجوانب الفنية أو الاخراجية مباشرة دون تمهيد، مما يزيد من صعوبة الامر على القارىء الذي لم يشاهد المسرحيات.

يبدو في القسم الاول إهتمام عبد الستار بوضع القارىء في جو المسرحيات كالحزن والجنون. وهكذا يصبح بطل الحرب هو المجنون الذي يحاول أن يبدو عاقلاً، وكل شيء من حوله هو وهم، كما في مسرحية المونودراما (يا طيور). تقدم المسرحية مشاهد مجنونة من العبث البشري في مصير الانسان. وتصبح الحياة في مسرحية (أحزان مهرج السيرك) لعبة لا يبتسم فيها المهرج بل يبقى يموت ويولد في دورة متواصلة لتجسيد الشقاء الانساني الباحث عن الحرية، ويلعب صوت البيانو وحركات الممثل دورا كبيراً في المسرحية التعبيرية الصامتة. وفي (هاملت) لناجي عبد الامير لم يعد البطل هو هاملت الشكسبيري بقدر ما هو رؤية المخرج لشخصية هاملت كما يريد أن يتخيلها هو، فضاعت ملامح البطل الاساسية بين أكوام من الفوضى والصراخ، كما ضاع النص الشكسبيري الاصلي.

في القسم الثاني (مسرحيات في الذاكرة) يتحدث عن عودة بغداد الى التألق المسرحي بعد فترة الحرب العراقية الايرانية الطويلة وبعد حرب الخليج الاولى من خلال المهرجان المسرحي الثالث عام 1992. يتناول عبد الستار عشر مسرحيات مهمة مثل (ترنيمة الكرسي الهزاز) التي أعادت له الثقة بقدرة المسرح العراقي على تجديد نفسه والتألق بفضل تكامل إبداع فريقها. مسرحية تتحدث عن المجد الذي ضاع والحنين للماضي الذي لا يعود بل يخلف اليأس والانتظار والشوق من خلال قصة إمرأتين: واحدة مطربة مشهورة تحلم بمجد سابق، والاخرى تنتظر حبيباً غائباً لن يعود. ويشيد بشكل خاص بمسرحية رأى فيها انبثاقاً جديداً للمسرح العراقي بفضل الابداع والتكامل بين الكاتب والممثل والمخرج وهي مسرحية (نديمكم هذا المساء) للمخرج محسن العزاوي التي استطاعت أن تضحك الناس في زمن البكاء.

أما مسرحية (الباب) لمخرجها قاسم محمد وشاعرها يوسف الصائغ فقد أثرت فيه كثيراً. إنها مسرحية صراع الحياة مع الموت عبر أجساد مسجونة وآمال مخنوقة وجوع ورغبات عندما دخل البطل الى المقبرة على وعد من المدعي العام أن ينقذه بعد يومين ولكن الوعد بقي كذبة كبرى، حتى جاءت إمرأة ودخلت معه في تجربة القبر لتثبت ان إرادة الحياة أقوى من الموت.

يكتب عبد الستار بلغة نقدية تتناول مدى ارتباط النص كما وضعه المؤلف بالعمل المسرحي ليرى مدى نجاح المخرج في التعبير عن رؤية الكاتب ومدى ما يضيف المخرج من عمق للنص. وتدل مقالاته على الاحاطة بجوانب من تاريخ المسرح العالمي ومقولاته التي يستشهد بالكثير منها، كما تمتاز بالجرأة في النقد والطرح كما فعل في أكثر من مسرحية، ألا أننا نلاحظ أنه يعود ليصف بعض المسرحيات التي أشبعها ذماً واستغراباً لفشلها مثل مسرحية (الرهن) بأنها كانت ممتازة!

يعد الكتاب وثيقة نقدية تاريخية عن مسرحيات تلك الفترة التي تأتي على ذكر أغلب أسماء ممثلي وممثلات المسرح العراقي ومخرجيه. فتراه يشيد بأداء صلاح القصب وعوني كرومي ومقداد عبد الرضا وسامي قفطان وسامي عبد الحميد وعزيز خيون وعواطف نعيم وهناء محمد وسعدية الزيدي وعواطف السلمان وفاضل خليل ومحسن العزاوي وجواد الشكرجي وقاسم محمد وناجي عبد الامير وشفيق المهدي ويوسف العاني وخليل شوقي وغيرهم.

لا يمنع عبد الستار عدم رضاه عن أداء بعض الممثلين المنهك أو الخارج عن سياق الحالة المسرحية وجو المشهد أو التقليدية في موضوع المسرحية أو في اختيار العناوين المكرورة مثل مسرحية (الف حلم وحلم) من الاشادة حينما يجد ذلك لزاماً بمجمل العمل والنص وحرص المخرج على متابعة تفاصيل المسرحية أثناء البروفات. يقول في تأصيل منهج نقدي: "لعل أسوأ ما نفعله في نقدنا المسرحي هو أننا نطمر الاحساس بما رأيناه ونحاول أن نقول كلاماً لا علاقة له بالعمل الفني الذي رأيناه". ويرى أن المسرح العراقي يفتقد للنقاد الحقيقيين وأن كل ما يكتب هو مجرد إنطباعات عابرة وقصاقيص أفكار وحتى مقالاته هو يعتبرها نوعا من الانطباعات الشخصية ليعفي نفسه من أداء دور الناقد المسرحي وتبعاته.

وفي المسرح الشعبي تستوقفه أعمال محسن العلي الذي يضيف حساً ولوناً للوحة الشعبية التي يرسمها البسطاء من عامة الناس. يتحدث بلغة استبشارية عن مسرحياته (بيت وخمس بيبان) و(مقامات أبو سمرة) و(أطراف المدينة). يبحث عبد الستار عن معاني المسرحيات في لغتها ومشاهدها وديكورها ضمن الموروث الشعبي. لكنه يتطرق لهذا الجانب بايجاز سريع، حيث نراه مغرماً أكثر بالحديث عن أداء كل ممثل وممثلة، وفي أغلب المقالات هناك دائما حيز للحديث عن أداء الممثلين وخاصة الذين يشعر أنه يكتشفهم لأول مرة بفضل أدائهم المقنع.

أما في الفصل الرابع فهو يتحدث عن خمسة أعمال مسرحية بلا جمهور وذات قيمة فنية عالية. (الربح والحب) تعكس مدى تعب الممثل في ابراز الدور وإعطائه شيئاً من الروح. تتحدث المسرحية عن الاستغلال وتهريب العملة الى خارج القطر وامتهان كرامة المرأة لاجل الربح. (السيف والطبل) مسرحية تاريخية كبرى عن الصراع العربي- الفارسي أيام الاشوريين، ومسرحية (بيت أبو هيلة) عن الاحتلال الانجليزي للعراق والتطورات السياسية انتهاء بحرب الخليج، ولكنها لسوء الحظ لم تحظ بالوقت ولا بالمكان ولا بالجمهور الذي يناسبها لأنها جادة في خضم إنشغال المسرح بتقليد النماذج الرديئة من المسرح المصري.

سأتوقف عند المسرحيات الثلاث التي ألفها عبد الستار ناصر بشيء من التحليل لمعرفة كيف انعكست الافكار النقدية التي طرحها في كتابه على مسرحياته، نصاً بالطبع لكونها لم تمثّل. تفتتح المسرحية الاولى (أول حرب جميلة) بمشهد قصر أرستقراطي باذخ في نهاية حرب في مكان ما، ويضم كل خدم وحراس القصر وسيدته الوحيدة. يوظف عبد الستار في هذه المسرحية موسيقى الناي الحزينة لخلق الاحساس بالحزن والضياع والتشتت.

يجري الحوار بين شخصيتي المسرحية الاساسيتين وهما المرأة ساكنة القصر في الخمسينات من العمر والرجل الاربعيني الممتزج بالوسامة الغامضة. ويشعر الرجل بحسرة وألم من واقعه وهو يرى فخامة القصر. ولكن تأملاته للقصر ووقوفه قريباً منه تثير حفيظة السيدة وخادمتها. تحاول الخادمة تهديده ليترك المكان ، ولكنه يصر على البقاء. ثم تظهر السيدة وهي تدخن محاولةً إقناعه بذات الشيء. لكنه يبقى صامتا يتأمل في القصر. تحتار السيدة من يكون هذا الغريب الذي ينظر الى بيتها إن كان لصاً أم ماكراً أم تقياً ورعاً. ولكنه يؤكد بكل قوة وثقة إنه بسيط وحكيم. ولكن المرأة تستهجن أن يكون حكيما بملابس رثة. فتقول بلهجة ساخرة إن كان للبيع أم للشراء؟ ولكنه يؤكد أنه انسان طبيعي يكره المواعظ والحكماء. يلاحظ هنا الارتباط بالمكان والنزاع حوله لأنه يشكل قيمة كبيرة لكل منهما. ويلاحظ أسلوب السخرية والمنع من الوصول اليه الذي تقوم به السيدة مما يوحي بارتباط الرجل الروحي بالمكان.

تشعر المرأة بالاستياء لأنها يعاملها بطريقة توحي لها بأنها رخيصة. فهو يؤكد أنه رأى رجالا كثيرين يدخلون ويخرجون من عندها. وفي المقابل يوحي كلامه عن المعاناة أنها لم تعرف أو تعش معاناة كما عاشها واختبرها هو. وفي النهاية تطلب المرأة طرده من المكان لأنه تمادى، بينما هو يؤكد بصوت قوي واثق أن ذلك البيت هو بيت أبيه وجده.

واضح في هذا الحوار فكرة الصراع حول الارض والتمسك بها. فالسيدة في نظره لم تعرف معنى الحرمان ولا تبدد العمر بلا حلم. بل تسخر من أنات الاخرين وهي تنظر اليهم. ويظل الرجل يؤكد أن الارض التي عاش فيها طفولته وصباه له.

يبدو البعد الرمزي السياسي واضحاً في المسرحية في الايحاء باغتصاب فلسطين من قبل اليهود الذين احتلوا القصر الجميل ، والذين جاءوا من مختلف أنحاء الدنيا وأقاموا على الارض المغتصبة دولتهم التي صارت مثل سيدة القصر التي احتلته. يقول الرجل في أحد مقاطع المسرحية في إشارة لتوالي هجرة اليهود الى فلسطين: "رأيت الكثير من الرجال وهم يدخلون". ويؤكد الرجل أنه "يحب الزعتر والزيتون والزعفران" في إشارة للارض الفسطينية ومفردات رموزها. يؤكد بطل المسرحية الذي يرمز الى الشعب الفلسطيني أنه طالب حق: "لا أحب الغزوات .. أنا رجل بسيط " ويقول: "إنه بيتي أنا.. عشت فيه طفولتي وصباي".

وفي حوار يغلب عليه الكلام المؤثر الذي يصل حد البكاء من الحنين يقول الرجل إنه لا يعرف ماذ حل بشجرة الرمان على أيديهم. ويخشى أن يكونوا قد قطعوها في إشارة الى محاولات طمس الهوية الفلسطينية والتهويد والغاء كل ما يجسد علاقة الفلسطيني بأرضه.

تنساق لغة المسرحية أحيانا وراء الخطابة والمباشرة. يقول في هذا المقطع الذي غلبت عليه التقريرية والمعالجة التعبوية "كلا سيدتي في الحرب لا نقتل النساء. إننا نفكر في إعادة الحق الى أهله. إعادة الحق من مغتصبيه. وهذا البيت هو الحق الوحيد الذي أريد. بل وأعطيك الحق في البقاء فيه". في نهاية المسرحية ترمي المرأة المفتاح للرجل لكي يدخل ، ولكنه مندهش لا يصدق وتنتهي المسرحية حينما يضع مفتاح الباب فيه ليكتشف أن المفتاح بدون نتيجة للاشارة الى أن الصراع قائم وأن الحل السلمي مجرد وهم وأن العودة ما تزال غير ممكنة ورهن المستقبل.

في مسرحية (الخمرة لا تسكر الموتى) تبدو الاجواء العراقية الشعبية كالطابوق والشناشيل، ولكن كل شيء في المكان خَرِب مهدّم وممزق. رجال ونساء وأطفال يروحون ويجيئون في ملابس رثة وعلى عكازات خشبية ويبدو عليهم الغضب والخوف ، بينما يقف بينهم جنرال بنياشين وأوسمة وهو يضحك. ومن خلفه تبدو صورة زجاج مهشم وخلفها صورة للجنرال ذاته وهو يضحك وقد بدت أنيابه المفترسة. توحي الحركة والاصوات والانفجارات والحطام بأن حرباً ما تزال دائرة.

(الخمرة لا تسكر الموتى) مسرحية باللغة الشعبية العامية العراقية تنتقد إدعاءات النصر والبطولة والصمود التي لا تقنع أحدا لأن الكل ضحية لم تعد تعنى له النتيجة شيئاً سوى الموت. مسرحية سياسية ناقدة وساخرة وواقعية مباشرة حيث تبدو الاشارة واضحة الى الحرب على العراق في عهد صدام حسين. وقد كتبها عبد الستار عقب خروجه الى الاردن عام 1999. وقد جسد فيها أجواء الديكتاتورية والحرب والمعاناة والحصار والقصف الرهيب الذي عانى منه العراقيون بينما يبدو النظام في نشوة مجدٍ من التسلط.

تظل جميع الشخصيات تنظر بين حين وآخر الى السماء دلالة على الشكوى والمعاناة وغياب أي أمل في انقاذهم من الآخرين فلم يبق سوى انتظار السماء بما يذكرنا بالمسرح العبثي في مسرحية (في انتظار غودو) لبيكيت.

تبدو اللغة الساخرة في المسرحية واضحة ، فحين تسأل احدى النساء رجلاً إن كانوا قد خسروا الحرب أم لا، فيقول لها بسخرية أن النتيجة لم تحسم بعد رغم كل الخراب الذي حل!
هناك دور يقوم به شخص مجنون يرد على الاخرين يحاول نفي الهزيمة! تبدو السخرية والمفارقة واضحة بأن من يدعي النصر والصمود هو المجنون!

تبرز في المسرحية شخصية الحاج محمود الذي فقد أولاده الثلاثة بالحروب ولم يعد لديه أمل بالعيش ولم يعد يصدق كل ما يقوله الاخرون عن التفاؤل والنصر. بل ينتقد صمت الشعب الذي يساق أبناؤه الى الحروب بينما يبقى خانعاً في أجواء من الخوف والبوليسية. ولكن يتحرر الحاج محمود من خوفه وينادي بسقوط الجنرال فيتعبه الاخرون مرددين الشعارات ذاتها ، وهكذا تهتف المدينة بصوت واحد في إشارة الى التفكير بالثورة. ولكن مجموعة من العسكر الذين جاءوا من الخارج يفتحون النار على الجميع فيسقطون جميعهم مضرجين بدمائهم وتسقط صورة الجنرال بينما يُسمع طفل يولد ويأخذ بالصراخ بينما تسدل الستارة.

تفتتح مسرحية (جمهورية العوانس) بمشهد تعبيري جميل يطرح الأمل المنتظر الذي تبحث عنه المرأة العانس وسط ظلام الوحدة ووحشة الحياة. تظهر شمعة وسط ظلام دامس وبجانبها امرأة، يتبعها شمعتان وامرأتان، ثم ثلاث شمعات وثلاث نساء، وهكذا حتى تصبح تسع. ويدل منظر الوجوه على الحيرة والضياع والتيه. تعكس شخصيات النساء العوانس جميع أنماط النساء العوانس فهناك الطبيعية المنطقية، وهناك المرتبكة الخائفة، وهناك الحالمة، والمتسلطة، وصاحبة الصوت الحسن التي تغني وقت الازمات، والمتشائمة والحزينة واللامبالية، والمخطوبة من شهيد. بينما يوجد رجل وسيم أعرج واحد وهو هارب من السجن.

تطرح المسرحية مأساة الحرب وويلاتها التي تبدد النسيج الاجتماعي وتأكل الرجال فلا يبقى غير العوانس المستغرقات بالشكوى وفلسفة القضية. لاتحمل العوانس أسماءً بل أرقاماً تعرف بهن للدلالة على الاغتراب عن المكان وفقدان الاحساس بالذات والضياع وابراز أن المشكلة في جوهرها واحد وان اختلفت الارقام. يشكل قدوم الرجل الاعرج الهارب من السجن فرصة لكل واحدة من النسوة للبوح بمشكلتها. يمثل حضور الرجل إشكالية للنساء بينما يرى هو في ذلك سجناً من نوع آخر:
- من سجن الى سجن، لا فرق بين ما هربت منه وما جئت لأجله، لا فرق كلها سجون.

ولعل العانس رقم (7) تلخص القضية برمتها حين تقول: "دعونا نسأل الشهداء، إنهم يعرفون القضية كلها". تنتاب النساء أحلام يقظة فيتخيلن أن الاعرج قد صار حبيب كل واحدة. ولكن حتى في الاحلام تخطر لهن الخيانة والغدر .

تخرج العوانس من المسرح في إشارة رمزية الى غيابهن عن مسرح الاحداث الى زوايا النسيان، في حين يضاء المسرح ويبقى الرجل وحده الذي يحس أنه لا يستطيع العيش في النور. وفي مشهد رمزي يظهر فراش أبيض يغطي نصف المسرح ويتلوث بالدم وتسقط النساء عليه. ويقول الرجل إنه سيدخل سجنه الاخير وحينها يسمع صوت أطفال يولدون.

* صورة غلاف الكتاب

2009/08/25

طقوس الكتابة والابداع في رمضان


طقوس الكتابة والابداع في رمضان

لقاء مع صحيفة الدستور أجراه الشاعر عمر أبو الهيجاء بتاريخ 25/8/2009

لرمضان عند كافة الناس طقوس خاصة يمارسونها بأشكال مختلفة ، وخاصة الكتاب والادباء لهم طقوس ربما تختلف عن غيرهم في رمضان من حيث قضاء اوقاتهم سواء في الكتابة او القراءة او ربما الاستراحة من التحبير في الشهر الكريم والتفرغ الى العبادة التواصل مع الآخرين في الامور الحياتية.


"الدستور" التقت بعض المبدعين الاردنيين وسألتهم عن طقوسهم الابداعية في رمضان وإيقاع هذا الشهر الفضيل بالنسبة لهم ، فكانت هذه الرؤى المختلفة في الاجابات:

اياد نصار: رمضان منجم للكتابة

رمضان منجم للكتابة بالنسبة لي وخاصة القصة القصيرة. إذ تفرض أجواء رمضان نفسها على الكاتب في كل مكان وفي كل وقت من يومه المعتاد. إن مشاهدة صور معاناة الناس التي تملأ شوارعنا ومحلاتنا وبيوتنا في جو حار تزيده الاسعار لهيبا تلهمني أفكاراً لا يمكنني أن أتفاداها طالما أن الادب في إحدى تجلياته هو التعبير الفني عن وطأة الواقع وآلام الانسان وغول الفقر الذي يسرق بهجة الناس في شهر يفترض أنه فرض بالاساس لاعادة البسمة الى وجوههم. وتولّد التقارير الصحفية عن حالات المعاناة الانسانية في الاردن ومشاهد رمضان الحزينة في بعض الدول المنكوبة بفقدان الامن كالعراق وفلسطين لدي إحساساً مريراً بالشقاء الانساني الذي ظل دائما دافعا للكتابة لدى أغلب المبدعين. كما يرتبط رمضان في ذهني دائما بالاعمال الدرامية التراثية وخاصة الاندلسية فأحس برغبة لا تقاوم في معايشة أجواء جميلة من ابداع اللغة والموسيقى مما يحفزني على اعادة قراءة ابداعات تلك المرحلة نثرا وشعرا والنظر الى تقنياتها الاسلوبية السردية بمنظور معاصر. لهذا إن اجمل أوقات الكتابة عندي في رمضان هو آخر الليل حينما يسود السكون بعد يوم حافل.


للاطلاع على الموضوع في الصحيفة يرجى الضغط على العنوان أعلاه

2009/07/24

الرواية الاردنية الانجلوفونية في الدستور الثقافي


نشرت صحيفة الدستور الاردنية في ملحقها الثقافي الاسبوعي ليوم الجمعة الموافق 24/7/2009 مقالتي حول الرواية الاردنية الانجلوفونية. هذه صورة الصفحة التي نشرت بها المقالة. بامكانكم الضغط على العنوان أعلاه لتحميل الصفحة وقراءة المقالة.