2009/07/05

يوميات طفولية


يوميات طفولية

قصة قصيرة
بقلم اياد نصار


في الصباح أعدت أمه له الشطيرة وهي تبكي. بكت طوال الليل حتى نامت على الكرسي. في تلك الليلة صرخ أبوه وهم على العشاء في وجه أمه بصوت عال وراح يهذر ويشتم. ارتفعت حدة صوته وزادت عصبيته ثم قذف فجأة بصحن العشاء الى السقف. ارتسمت خيوط خضراء في السقف وعلى الجدران والارض! خشي من ردة فعله، فبقي متسمراً مكانه من الخوف. بقي إخوته متجمدين في أماكنهم خشية أن يتحول غضبه اليهم. كانوا محظوظين على غير عادة تلك الليلة.. لم يصرخ في وجوههم بأي شيء!

***

في ذلك اليوم جاء المعلم علوان مبكراً بعد نهاية الحصة الاولى وقال لهم إنه سيأتي معه زائر من الوزارة، وأنه سيعيد شرح الدرس الذي شرحه لهم يوم أمس. قال بلغة فيها تهديد والعصا تتحرك في يده: "إياكم أن تقولوا أنني شرحت لكم الدرس بالامس". وأضاف: "أريد منكم أن تشاركوا في الاجابة على الاسئلة عندما تُطرح عليكم، وبالذات أنت". دخل معه الزائر وجلس في نهاية الغرفة. كان الاولاد ينظرون اليه بين الحين والاخر ولا يعرفون لماذا جاء وماذا كان يفعل وهو جالس في آخر المقاعد في الغرفة. ثم وقف أمامهم وأخذ يسأل أسئلة تذكروا أنهم سمعوها بالأمس. أجاب الاولاد عنها بنشاط وسرعة! لكنه أثار إعجاب الزائر بإجاباته. قبل أن يخرج الضيف أخذ يشكر الاستاذ علوان كثيراً وتوجه الى الطلاب وقال: "لديكم أفضل معلم في المنطقة كلها" وخرج.

***

يضرب العريف بعصا خيزران طويلة اللوح الطباشيري الاخضر بكل قوة والاولاد ينظرون الى استعراض عضلاته في جلد الجدار! وقعت الممحاة البيضاء الصغيرة من يده فركض من غير وعي وراءها. شعر أن الدنيا كلها تدور حوله والسماء حمراء برتقالية. أحس بألم حاد كلسعة لهب ينخز مؤخرة رأسه. غامت صور الجالسين في عينيه ووقع مكانه على الارض وغاب عن الوعي. هجم الاولاد يحاولون إيقاظه فكان مثل جثة هامدة. ركض أحدهم وأحضر بعض الماء من دورة المياه في يديه ورشه على وجهه. لكنه لم يستيقظ . شعر الاولاد بالخوف. هجم آخر على العريف وانتزع العصا من يده وأخذ يصرخ في وجهه. عاد ذاك الصبي مرة أخرى وأحضر ماءاً في يديه ورشه على وجهه. ارتسم خوف غامض على كل الوجوه وهي تترقب إشارة لعودة الوعي اليه قد يوحي بها وجهه أو نظرات من عينيه. بعد لحظات حرجة فتح عينيه فجأة، نظر في الجموع حوله ثم أخذ يصرخ من الالم ويضع يده على مؤخرة رأسه الذي إنتفخ مثل حدبة صغيرة.

***

يركض في أرض الساحة هارباً من بين أقدام الكبار وأحذيتهم ذات المسامير المدببة خشية أن تصطدم به الكرة. يقذفونها بكل قوة فتطير في الهواء كالصاروخ. خشي أن تصطدم في وجهه أو بطنه فربما ألقت به أرضاً أو سببت له عاهة. تعثرت قدمه في أرض الساحة المليئة بالحجارة والحصى فوقع على الارض وكُسرت سن في مقدمة أسنانه. لم يلتفت اليه أحد من اللاعبين. نهض والدم يملأ يديه ووجهه. أحس بحد السن المكسورة يؤلم لسانه بخشونته. التقط الجزء المكسور عن الارض وهو يبكي. لقد بقي أثر تلك الحادثة في وجهه كلما فتح فمه! مرت سنوات طويلة قبل أن ينسى الاحساس بقسوة القدر وسوء الحظ!


* اللوحة أعلاه بعنوان صبي حزين للرسام البولندي كريستوف ايوين Krzysztof Iwin

2009/06/25

موت صامت


موت صامت

قصة قصيرة
بقلم اياد نصار

"يتعجبون كثيراً عندما يسمعون بأن الذهب والذي هو بحد ذاته شيء عديم الفائدة له هذه المكانة العالية في كل مكان، بل إنه حتى أولئك البشر الذين صنع لأجلهم والذي يكتسب قيمته منهم، فإنهم مع ذلك يُعتبرون أقل قيمة منه". من كتاب المدينة الفاضلة "يوتوبيا" لتوماس مور (القرن السادس عشر).

لم يكن من السهل عليّ إقناعه بالفكرة. منذ أسبوع وأنا أحاول معه. عادل عنيد وكثير الكلام. يقتلني كعادته بمواعظه ونصائحه. لديه نزعة فطرية تثور تلقائياً كلما اختبرتها فيه. يتصرف كمن يظن أن لديه حقاً يمكنه أن يسيطر على إمرأة في مثل سني. كنت خائفة من مجرد التفكير بالامر. أطرد الفكرة من رأسي، فأجدها أمامي كلما جلست وحدي. لم يعد لي شيء سوى التفكير بها. قاومت إرثاً ثقيلاً طويلاً كان يمنعني حتى أن أفكر بالامر. خفت من مجرد تخيّل النهاية. صرخة ودماء وأسرة مفجوعة. ولكن الاسبوع الماضي أتتني لحظات شجاعة غير عادية. عزمت على القيام بها. قلت لنفسي سأخبره وليكن ما يكون. لا أظن أن عادل سيخذلني. ولكن سرعان ما شعرت بالتردد. أعرف نفسي شكاكة .. آه.. وخرجت تنهيدة حارة من صدري. أعرفه. لن يوافق. لن يفرط في المرأة التي توحي تصرفاته أنه يحبها. سيفسد كل شيء، وسأندم أنني فاتحته بالامر. ولكني أحتاجه لكي يتصل بهم ويطلب منهم الحضور.

كم أنا بائسة. صدق حدسي. لقد حول عادل المسألة الى هموم أرقتني والى صداع يكاد ينفجر منه رأسي. أرعبتني ردة فعله المجنونة، ودب الخوف في أوصالي لوهلة. ندمت أنني صارحته. لم يكن من السهل عليّ أن أصارحه بما يجول في رأسي. كتمت الامر في صدري شهوراً عدة، ولكنني لم أعد أطيق التحمل أكثر.

غيوم العصر تهرب بصمت مثل بقايا ثلوج متناثرة تذوب وتتلاشى دون أن يحس بها أحد. تهب نسمة قوية تحرك أوراق الشجر العالية، تتساقط أوراق بنية ومصفرّة ميتة على الارض. تقع من حولي فينقبض قلبي. تدور كالدوامة ثم تستقر في الزوايا. كم هو قاسٍ رؤية الاحياء يموتون بكل هدوء وصمت ولا يحس بهم أحد. حطمني صمت الناس المريب ونسيانهم. الى متى نموت في صمت مثل هذه الاوراق الذابلة التي تسقط؟ غداً ربما يسمع الناس صوتي ، وربما يقرأ العالم نقطتي في آخر السطر بلون الدم القاني لعله يستقيظ.

كل شيء يبدو صغيراً في الاسفل. تبدو الاشياء نقطاً لا معنى لها. هنا أشعر بالحرية. أشعر أنني أقرب الى السماء. فهل تسمعني يا ترى؟ كم ناديت وبكيت في ليالي البرد والقهر ولم يسمعني أحد. البشر المتجمعون في الاسفل يبدون صغاراً من هنا. لا أرى ملامح وجوههم، ولا أرى ما يدور في عيونهم. هل يملؤها يا ترى الخوف والترقب؟ أم لا تعرف سوى النظرات الباردة المتشفية؟ ليقولوا ما يريدون. منذ متى كانوا يهتمون بنا أو لأجلنا؟

خمس سنوات وهو مقعد طريح الفراش لم يخرج من غرفته. هل سأل أحد عنا كيف نعيش؟ فلماذا يهتمون الان؟ الامر ليس الا نوعاً من الفضول. تعبت وأنا أراجع لأجل معالجته بدون نتيجة. ليس سوى حبوب ومهدئات. كلما نفدت يعطوننا غيرها. لم يمكث الباحث الاجتماعي سوى ربع ساعة. ملأ نموذجاً وطلب العديد من الاوراق والصور. دخت أنا وأمي في سبيل إتمامها. من مرجع الى مرجع ومن شاهد الى آخر. وفي النهاية دنانير معدودة بالكاد تكفي أبي ثمن سجائره الرديئة التي تملأ رائحتها البيت. كم أكرهها. صار سقف الغرفة أصفر اللون من دخان رمادها. يسعل ويتحشرج صدره كلما أشعل سيجارة. أصابعه مصفرة وأسنانه صارت بنية اللون من الدخان. كل يوم أرى أبي يذبل ويزداد إحساسه بالعجز. لعله يفرغ حزنه المكبوت في حرق السجائر والعبث في الرماد في المنفضة أمامه. لا أعرف كيف يحس في داخله. كان استاذاً قوياً عزيز النفس. عندما كان يجلس بين الرجال في المجالس يصبح نجم الحديث بلا منازع. الكل يعرف مكانته ويحترمه. لم يبق له سوى إجترار الذكريات في صمت. نظراته الحزينة تقتلني من الداخل.

لا أعرف كيف أنهيت السنة الاولى. البيت ضيق مثل قفص بالنسبة الى ثمانية صغار أنا أكبرهم. بيت صغير قديم متهالك على أطراف المدينة ليس فيه أكثر من قوت يوم. خبز وماء ودرنات يابسة. عندما تقدمت لامتحان القبول أحسست أنني لا أنتمي الى هذه الدنيا. كانت هناك أسئلة عدة عن مقاسات عرض وارتفاع الشبابيك والسقف والابواب وأبعاد حوض الاستحمام والمجلى والخزائن في المطبخ! خجلت أن أقول للمهندسة التي كانت تمتحنني أنني لا أعرفها. إرتبكت .. كيف أجيب عن أشياء أسمع بها ولا أعرفها .. لا توجد هذه الاشياء في بيتنا ولم استخدمها في حياتي. شعرت أنه لا مستقبل لي. كيف سأخطط بيتاً حديثاً أو قصراً أو بناية أو مطعماً وأنا لا أعرف أبسط الاشياء فيها. وفرت على نفسي رحلة معاناة ستكون طويلة. وضعت القلم وخرجت. نادتني وقالت لي: ما بك؟ لماذا لم تكملي الامتحان. بكيت وبقيت صامتة. قلت لها أرجو أن تساعديني أن أدرس التمريض. على الاقل عندي خبرة في رعاية أبي. واذا ضاقت بي السبل ولم أجد وظيفة، سأخدم أبي في البيت.

لولا البعثة لما دخلت الجامعة. بالكاد تدبرت أمي مصروفي وثمانية أفواه تنتظر لقمة الطعام. وبالكاد نجحت في السنة الاولى في التمريض. لا أدري ماذا سأفعل في هذا الفصل. لقد مر أسبوع على بدايته وليس لدينا شيء. لم أشتر الكتب وبعض اللوازم الاخرى لغاية الان. إذا رسبت سيسحبون البعثة مني ويطالبونني أن أدفع ثمن الساعات التي درستها. لا أعرف ماذا سأفعل. باعت أمي أساورها الاخيرة التي بقيت لها لكي تنفق علينا. كانت تتمسك بها في السنوات الماضية. كانت تعني لها أكثر من مجرد ذكريات. كانت تحس بشيء من الامان وهي في يديها. رأيت حزناً عميقاً في عينيها يوم أن باعتها. باعت معها بقايا باهتة من أيام فرح مضت بلا رجعة.

يكثر الناس في الاسفل. يتطلعون اليّ باستغراب. بعضهم يصرخ ويتهكم. تنزل دمعة من عيني وأنا أحدق بالارض. هل سيكون السقوط مؤلماً؟ هل ستتحطم أضلاعي أم تتكسر أقدامي؟ ماذا لو وقعت على رأسي؟ يا الهي ما أقسى الامر عندها. شعرت برعدة تجتاح بدني كله ، وبالخوف يكبر في أعماقي. صوت إرتطام عنيف وبركة دماء ثم ينتهي كل شيء. ماذا سيقول الناس عني؟ ستكثر الاقاويل وسيقولون عني مجنونة. لست أهتم بما سيقولون. لن أكون هنا لأكترث بما سيقولونه وما ستكتبه الصحف عني. لكني أفكر في أبي المسكين. ماذا سيحصل له عندما يعرف؟ أخشى عليه من الصدمة؟ ومن سيرعاه؟ أفكر في وقع الصدمة على أمي وإخوتي الصغار؟ ماذا سيجري لهم؟ أعرف أنها ستكون كارثة تزلزلهم. سيقتلهم الحزن والذكرى المريرة. يا الهي.. ستكون ذكرى مرعبة تحطم نفوسهم ربما مدى الحياة. ولكن ما قيمة حياتي الان؟ ما هذه الحياة البائسة؟ لا يؤلمني شيء أكثر من الاهمال. تذكرت الاوراق التي سقطت في صمت يوم أمس. كم هو قاسٍ رؤية الاحياء يموتون بكل هدوء وصمت ولا يحس بهم أحد.

نظرت الى الخلف كان هناك عادل يقف بعيداً على التلة خلف المبنى. عرفته منذ سنة تقريباً. شعرت بشيء تحرك في قلبي تجاهه منذ أن التقت نظراتنا في الاسبوع الاول الذي دخلت فيه الكلية. لمست إهتمامه بي. لم أبح له بما شعرت به. منعتني عزة نفسي وخجلي. لكنه صار رفيقي. عرف ظروفي ووقف الى جانبي. عندما بحت له بما أنوي فعله، ثار وغضب كالبركان وهدد أن يخبر أهلي. هدد أن يتصل بالشرطة لمنعي من ذلك. كان متردداً في مساعدتي، لكنني كنت مصرة. بقيت ألح عليه. عرف أنه لم يبق أمامي سوى موتي ليسمع الناس صوتي. كل أحلامي وأحلام أمي وأبي تحطمت وصارت أوهاماً. ولم يبق لدينا سوى فقرنا الذي يتفقدنا كل يوم. عادل يعرف طبعي وإصراري. يحاول أن يخفي حقيقة طبيعته عني، ولكنني أعرفها. وعدني أن يتصل بالشرطة والصحف. أريدهم أن يشهدوا نهاية مأساة. أعرف أنها نهاية مأساة ولكن مأساة أخرى أكبر ستبدأ بعد ذلك. لست أنانية لأفكر في نفسي، ولكن الموت لمرة واحدة أفضل من الموت البطيء في ختام حياة مزرية. لم استطع أن أقدم لأهلي شيئاً. عقدت أمي عليّ الامل. لا أطيق أن أخذلها وأحطم حلمها الذي تراه فيّ .. حلمها الذي باعت أساورها العزيزة لأجله. وأبي أفنى عمره لأجلنا. كيف أستطيع أن أنظر في عينيه؟ ألا يكفيه ما به؟ أشعر أنني مشوشة الذهن. لا أعرف ماذا أفعل. لقد كنت الاسبوع الماضي عازمة النية على تنفيذ الامر. كيف يمكن أن أوقظ مدينة تنسى أبناءها يموتون في صمت؟ لعل موتي أمام الملأ سيحرك فيهم شيئاً. البناية مرتفعة وأشعر بالتعب والارهاق. قدماي لا تحملانني من شدة التعب. منذ ساعة وأنا هنا والناس تتجمع من حولي بالاسفل.

سمعت صوت سيارات الشرطة ورأيت اضواءها الخاطفة المتقافزة. رأيت أناساً يحملون كاميرات ويصورون. رأيت سيارات الاطفاء تقف بالاسفل. نزل رجال كثيرون وأخذوا يفرشون الارض فرشات كبيرة عالية. أخذوا يرفعون سلماً من شاحنة على جانب المبنى العالي. سمعت أصوات رجال يصعدون الدرج. رأيت واحداً يقترب مني وهو يحمل بوقاً يتكلم فيه. كنت على حافة إطار السور العلوي. صرخت في وجهه كي يتوقف. وقف مكانه وأخذ يطلب مني الهدوء. شعرت بتوتر كبير. صرت أنظر الى الاسفل وأفكر ماذا أفعل. تزاحمت أفكار في رأسي المتعب دفعة واحدة فأحسست أنني مضطربة. شعرت بخوف يملأ صدري. أصوات المئات المتجمعين بالاسفل تخترق أذاني. فأشعر بالغضب والدوار. أخذ الرجل يقترب مني شيئاً فشيئاً. صرت أصرخ كي يبتعد وأهدد بالقفز عن السور. توقف مكانه. ولكنه إستمر في حديثه الهاديء محاولاً إقناعي أن أتوقف عن هذه الفكرة المجنونة. كان يحاول طمأنتي بالوعود. ولكنني لم أصدقه. أخذ يقترب أكثر. صرخت عليه كي يتوقف والا سألقي بنفسي الى الاسفل. شعرت بالخوف والاضطراب. كانت قدماي ترتجفان. عندما نظرت الى الاسفل شعرت برهبة عظيمة تجتاحني مثل إرتعاشة في يوم قارس. غامت عيناي وأنا أنظر الى الناس تحتي. تحول المنظر الى أمواج عاتية في بحر متلاطم. لم أعد أرى سوى صور مشوشة غير واضحة المعالم. غافلني الضابط وأراد أن يهجم علي. اضطربت في مكاني. إهتزت قدماي المرتجفة. خرجت مني صرخة مدوية كالرعد ورأيت بقعة حمراء كبيرة تحتي. كانت خصلات شعري متناثرة حول رأسي.

إنتفضت في مكاني. صرخت. رفعت رأسي فجأة بلا وعي عن المخدة عن الارض. كان الظلام يملأ الغرفة وإخواني يغطون في النوم من حولي مصفدين كالسمك بالكاد تتسع لهم الغرفة. فجأة أحسست بيد أمي الحانية وهي تمسح وجهي بيدها المبلولة. كانت تتمتم بكلمات لم أفهمها ولكنني لمحت أثر الاساور التي كانت ذات يوم في معصمها.

- ما بك طوال الليل وأنت تتقلبين مضطربة؟

- لا أعرف يا أمي. يبدو كابوس مريع.


* اللوحة أعلاه للفنان السريالي البولندي الامريكي المعاصر رافال أوبلنسكي Rafal Oblinski


2009/06/19

قراءة في نماذج الشخصيات


نشرت صحيفة الدستور الاردنية في الملحق الثقافي ليوم الجمعة الموافق 19/6/2009 مقالتي حول نقد رواية الاديب والروائي الاردني جمال ناجي الاخيرة "عندما تشيخ الذئاب" من خلال قراءة وتحليل نماذج الشخصيات في الرواية. بإمكانكم قراءة المقال من خلال الضغط على صورة الصفحة المنشورة

2009/06/17

مارلين روبنسون.. عودة الابن الضال


بمناسبة فوز روايتها "البيت" بجائزة أورانج للسرد النسائي لعام 2009
مارلين روبنسون .. عودة الابن الضال

بقلم اياد نصار

فازت الروائية الامريكية مارلين روبنسون في بداية شهر حزيران لعام 2009 بجائزة أورانج للسرد النسائي عن روايتها المسماة "البيت". وقد قُدمت الجائزة البريطانية التي تمنح سنوياً لأفضل رواية تكتبها روائية باللغة الانجليزية الى مارلين في حفل أقيم في قاعة الاحتفالات الملكية في لندن. ويأتي فوزها بالجائزة بعد فوز روايتها السابقة المسماة (جلعاد) بجائزة بوليتزر للسرد لعام 2005.

تعد جائزة أورانج التي منحت لاول مرة عام 1996 من أرفع الجوائز الادبية في بريطانيا التي تمنح في مجال السرد النسائي ، حيث تمنح لروائيات من أية جنسية عن روايات كتبنها باللغة الانجليزية وصدرت في بريطانيا في العام السابق بناء على إختيار لجنة التحكيم. وقد منحت عام 2008 للروائية الانجليزية روز تريمين عن روايتها "بيت الطريق"، وفي عام 2007 منحت للروائية النيجيرية شيماماندا نجوز أديشي عن روايتها "نصف شمس صفراء".

ولدت الروائية والكاتبة مارلين روبنسون في عام 1943 في بلدة ساندبوينت بولاية أيداهو الامريكية في أقصى الشمال الغربي المحاذي لكندا. درست في كلية بمبروك التي كانت مخصصة للنساء في جامعة براون ونالت البكالوريوس عام 1966. ونالت شهادة الدكتوراة في اللغة الانجليزية عام 1977 من جامعة واشنطن. أصدرت روايتها الاولى بعنوان "التدبير المنزلي" عام 1980 وروايتها الثانية بعنوان "جلعاد" عام 2004. وقد نالت عن روايتها الاولى جائزة مؤسسة هيمنجواي عام 1981 وجائزة مؤسسة فوكنر عام 1982. وفازت عن روايتها الثانية بجائزة حلقة نقّاد الكتاب الوطني للسرد عام 2004. وتعمل حالياً في التدريس ضمن برنامج ورشة الكتابة في جامعة أيوا.

تؤرّخ روايتها "البيت" التي تقع في 336 صفحة، وصدرت عن دار فرار وشتراوس وجيرو في أوائل شهر ايلول لعام 2008 لحياة عائلة باوتون، وخاصة القس روبرت باوتون وابنته وابنه الكبيرين جلوري وجاك في بلدة جلعاد الصغيرة في ولاية أيوا في فترة الانقسامات الثقافية التي عرفتها أمريكا في الخمسينيات. ونرى فيها أن مارلين روبنسون تعود لذات المكان والزمان في هذه الرواية اللذين سبق أن قدمتهما في روايتها السابقة "جلعاد". وعلى الرغم أن رواية "البيت" تعتبر مكمّلة لرواية "جلعاد" إلا أنها رواية مستقلة تجري أحداثها بالتزامن مع أحداث الرواية الاخرى. وقد تم إختيارها واحدة من ضمن أهم مئة كتاب لعام 2008 من قبل صحيفة نيويورك تايمز، وإختيارها ضمن أهم عشرة كتب مفضلة لدى ناقد الكتب في صحيفة النيويوركر جيمس وود لعام 2008.

تجري أحداث الرواية في بيت عائلة روبرت باوتون عام 1956 وترويها إبنته جلوري وهي في الثامنة والثلاثين من العمر. وفيها يكون صديق والدها الحميم جون آيمز قد بلغ السبعين من العمر. ومن الجدير بالذكر أن آيمز هو الراوي في الرواية السابقة وتجري أحداثها متزامنة مع هذه الرواية في عام 1956.

نشأ باوتون وآيمز معاً في نهاية القرن التاسع عشر وصار كل منهما سر الاخر. وقد إنخرطا في سلك الكنيسة البروتستانتية متأثرين بشيء من تراث حركة المتطهرين البيورتان. وأصبحا رفيقين وسنداً لبعضهما في أوقات السراء والضراء. وللدلالة على متانة علاقتهما فقد سمى كل واحد منهما إبنه بإسم صديقه. وهكذا فإن إبن جون آيمز الذي ولد وقد بلغ والده من الكبر عتياً صار يدعى روبي (نسبة الى روبرت باوتون)، في حين أن إسم الابن الاكبر بين أولاد وبنات روبرت الثمانية هو جون آيمز ولكنه معروف بين الناس بإسم جاك.

تبدأ رواية "البيت" بعودة الابنة جلوري الى بلدة جلعاد لرعاية والدها المحتضر. ويلتحق بها مباشرة أخوها جاك، ذو الثالثة والاربعين، إبن العائلة الضال الذي مرّغ سمعة الاسرة بسلوكه وعاد تائباً بعد غياب عشرين عاماً باحثاً عن ملاذ. يصارع جاك للتصالح مع ماضيه المليء بالمشاكل والالم والفشل في نمط العيش التقليدي. وفيما بدا أنه التئام شملهما الاخير، يسعى جاك وروبرت الى فهم علاقتهما ببعضهما، في حين تحاول جلوري التصالح مع الآمال الضائعة لشبابها. وهكذا يبدو أن جلوري الابنة المؤمنة وجاك الابن الضال التائب يعودان الى بيت الطفولة ليس للتصالح مع بعضهما ولكن لطلب الصفح والمغفرة. تدور في الرواية الكثير من الحوارات حول العائلة، والمسؤولية الاجتماعية، وفجوة الاجيال، والحب، والموت، وغياب الايمان، وعلاقات الاباء بالابناء ، والاغتراب، والمشكلات العرقية، وتأثير الدين في حياة الفرد.

وقد أشادت رئيسة لجنة التحكيم فاي جلوفر برواية روبنسون ووصفتها بأنها ذات طبيعة رقيقة وحكيمة وغنية وذات حرفة عالية. وقد ذكر أحد النقاد بأن روبنسون "واحدة من أبرز كتاب النثر في السنوات الاخيرة التي تطمح أن ينظر اليها مثل الروائي الروسي نابوكوف أو البولندي جوزيف كونراد.

هناك قليل من الحركة في الرواية، الى الحد الذي سماه أحد النقاد سرد خانق وقليل من الدراما، حيت أن الكثير من الاحداث هي استدعاء ذكريات. وأغلب ما يمكن تسميته بالاحداث هي تحركات الشخصيات الرئيسة: جلوري، ووالدها وأخوها جاك حول بيتهم الكبير القديم من المطبخ الى غرفة المعيشة ومن الحديقة الى الشرفة. ويتكلمون أحياناً بتأدب متأنق مصطنع بينما يشغلون أنفسهم في روتين الاشياء الاعتيادية.

تبدع روبنسون في تصوير وقع الحياة في البيت الذي تسيطر عليه الرتابة اليومية للأب العجوز: الصيحات الآمرة للمساعدة في ارتداء الملابس أو تناول كأس من الماء، عدا عن الساعات التي يشتت فيها صوت المذياع أفكارهم، وألعاب الورق، وأباريق القهوة. حتى الاثاث يصبح قاسياً ومتجبراً لأنه يرفض الحركة من مكانه! والتحف الرخيصة العديدة معروضة من باب الاحترام لمقدميها وحسب! تحتفي الرواية بأكثر الاشياء إعتيادية بما يمكن تسميته تقديس اليومي. ولكنها تبرز بأن النثر الهاديء ذي الاحداث القليلة يمكن أن يشتمل على قصص درامية ذات عمق أخلاقي.

أما على صعيد الشخصيات، فتجسد الرواية أبطالها بصورة دقيقة. وإعتبر بعض النقاد أن جاك واحد من أكثر الشخصيات الروائية جاذبية في الادب الحديث. طفل شقي منذ الصغر. متشرد، وهارب من المدرسة، وفاشل لا يتقن صنع أي شيء ولا يستقيم في مهنة واحدة. مدمن للكحول، وسارق دخل السجن فترة من حياته. وهو على خلاف دائم مع المحيطين به ومع والده التقليدي، رغم أنه الاقرب الى قلب والده. وقد توّج عاره بأن صادق فتاة شابة من أحد المزارع وتسبب في حملها ولكنه هجرها وطفلها الى مصير مجهول. غادر البيت وهو صغير وغاب عنه سنوات طويلة. بل إنه لم يرجع ليحضر جنازة أمه. ولكنه رجع الان بشكل مفاجيء. ومما يثير الانتباه أن حب أبيه العجوز له لا يتزعزع رغم ما سببه له من ألم لا ينتهي، حيث يعتقد الاب بأن سلوك جاك جاء من إحساسه الغريزي بالاغتراب. تورد الرواية إشارات دينية عديدة حول علاقات الاباء بالابناء. وفي أحيان كثيرة يلجأ الراوي الى إقتباس الكثير من نصوص وقصص الكتاب المقدس بما يعكس جو العائلة وقيمها.

إن شخصية جاك من النوع الدلالي التعبيري فهو عالي الثقافة ولكنه غير مؤمن ويجد أن من الصعب خوض معركة لاهوتية مع والده المتقلب. وحين يعود للبيت فإنه يلبس بدلة وربطة عنق بطريقة رسمية، وهو يستخدم دائماً تعبيراته بحذر بالغ وأدب مصطنع مما يوحي باغترابه عن المكان. ويسعى جاهداً للتأقلم مع عادات بيت الطفولة، ولكن كل مواجهة مع والده تترك أثرا لا يمنحي في داخله. يسعى جاك أن يثبت نفسه، لكنه يتعثر ويعود لحالته الاولى ويشعر بالضيق النفسي الشديد. وفي النهاية يترك البيت مرة أخرى. ولهذا مغزى كبير يتمثل في أن قيم البيت التقليدية القائمة على الخضوع والتدين وإحترام الاباء وتصرفاتهم الفظة وإن كانت تنطوي على الحب فإنها غير قادرة على حل أزمة الجيل الجديد الروحية والمعرفية.

إن إحدى جماليات الرواية هو الحوار بين جاك وجلوري بما ينطوي عليه من القسوة، والمرارة الممتزجة بالحب، والقلق، والتعبير بتلك اللغة البسيطة السلسة المتوهجة التي تستخدمها جلوري. عندما يسأل جاك أخته لماذا تكره جلعاد وترغب في الرحيل، فإنها تقول: "لأنها تذكرني بتلك الايام التي كنت فيها سعيدة". وخلال إعداد الغداء تقول بأنها "تمنت لو أنه كان يعني أكثر بالنسبة لها ولأبيها وأخيها من مجرد أن يحب أحدهما الآخر.. لقد حطم الحزن أباها وأخاها، ولم يكن باستطاعتها أن تقدم لهما أكثر من الدجاج والمرق".

تعتبر الرواية في أساسها قصة عميقة وحزينة لحياة شخصياتها. جلوري حزينة لأنها عادت للبيت بعد فشل ما إعتقدت أنه خطوبتها من رجل تبين أنه متزوج. وتبقى الفتاة المخلصة لواجبها تجاه والدها وتخضع لطلبات طاغية عجوز. يسيطر عليها حزن دفين إذ تخشى أن يكون هذا البيت هو بيتها الاخير، ولهذا تحسد جاك على حريته المتمردة.

"ما الذي تعنيه العودة للبيت؟ لقد ظنت جلوري على الدوام بأن البيت هو منزل أقل فوضى بهذه الكراكيب المبعثرة فيه في بلدة أكبر من جلعاد أو في مدينة ما حيث يكون لها هناك فيها صديق حميم ووالد لأطفالها الذين تتمنى ألا يزيدوا عن ثلاثة... ولن تأخذ معها قطعة واحدة من الاثاث من بيت والدها حيث لا يوجد أي معنى لأي منها في غرف البيت الفارغة المشمسة".

والكثير مما يجري في رواية "البيت" يحل لغز ثورة جاك باوتون واغترابه الروحي. فمنذ سنواته الاولى فقد بدا غريباً بين عائلته التي كانت تتوقع رحيله وقد فعلها. ولكنه بقي أساس حكايتهم. لقد ذهب أخوه الاكبر ست مرات الى مدينة سانت لويس للبحث عنه بلا طائل. بل إن جلوري ما يزال ينتابها أحياناً "شيء من القلق عليه كلما مشى خارج الباب، أو كلما ناداه والده الى مثل تلك النقاشات التي تنغص البال". وخلال سير أحداث الرواية نعرف عن طفله غير الشرعي من علاقته بتلك المرأة السوداء (ديلا) التي يعيش معها مدة ثماني سنوات، والتي هي ذاتها إبنة رجل دين.

يشتبك الاب والابن بالكلام خلال مشاهدتهما لتقرير إخباري عن الشغب العرقي في مدينة مونتجمري في ولاية ألاباما الجنوبية على التلفاز. لقد كانت هناك مشاهد رجال الشرطة البيض وهم يحملون الهراوات ويدفعون ويجرون متظاهرين سوداً. ويسعى الاب لتبديد غضب إبنه ببرود غير مبال بقوله: "لا يوجد ما يستدعي أن تدع ذلك النوع من العنف يزعجك. بعد ستة أشهر لن يتذكر أحد شيئاً مما يجري الان". ويقول فيما بعد بأن "الملونين يثيرون المشكلات لأنفسهم بكل هذه الفوضى". في عام 1956 لم تكن مشكلة العرق تحرك أحداً في جلعاد سوى جاك باوتون. ولهذا يمكن تفسير عودة جاك للبلدة أنه كان في جانب منه ليعرف عن قرب إن تغيرت مواقف البلدة في نظرتها للسود وصار بإمكانه إحضار صديقته السوداء وطفلها لتعيش معه.

مما يعطي الرواية قوتها هو شخصية الاب. فهو رجل عجوز قاسٍ ومتجهم ومغرور يرغب في أن يصفح عن إبنه ولكنه لا يستطيع. وحينما تتدهور حالة الرجل العجوز تنشأ حالة غريبة في البيت. وإذا كان يفترض أن تدعو حتمية الموت المسيطر على المشهد الى الصفح، فإن الاب لا يفعل ذلك. فهو يعرف أنه إبنه لم يعد للابد. يقول شاكياً: "إنه سيبقى هنا لفترة قصيرة ثم يرحل من ذاك الباب". لقد أرادت مارلين روبنسون أن تبين أن الصفح والعفو يجب أن يسبقا الفهم وليس بعده. فعندما تكون قادراً على أن تسامح الاخرين فإنك تستطيع أن تفهم دوافعهم مهما كانت.

في بداية الرواية، يرغب الاب أن يناديه إبنه أكثر من مجرد تلك الكلمة التقليدية الغريبة "سيد" كأن يناديه بابا أو أبي. وفي مكان متأخر من الرواية حينما ينادي جاك أباه بقوله "أبي"، فإنه ينفجر غضباً ويقول: "لا تناديني بذلك. لا أحبها أبداً. الكلمة تبدو سخيفة. إنها ليست حتى كلمة". ويقول كذلك: "لقد عملت دائما عكس ما تمنيته. تماما عكسه. لذلك حاولت ألا أتمنى أو آمل شيئاً أبدا باستثناء الامل ألا نفقدك. ولكن بالطبع فقدناك. لقد كان هذا هو الامل الوحيد الذي لم أستطع أن أضعه جانباً".

في ختام الرواية يبدو جاك وكأنه محكوم عليه بالبؤس دائماً. فهو معذب شقي في طفولته، وغير سعيد ومتمرد يعاني الاغتراب في رجولته. يشعر أن عليه أن يترك بيت العائلة مرة أخرى. ويقول معللاً ذلك بأنه لا يجب أن يبقى في البيت كي لا يبقى يذّكر والده بالافعال التي ندم عليها، ولكن رحيله مرة أخرى يجلب المرارة لوالده أكثر مما كان.

تحفل الرواية بالمواقف التي تعكس الازدواجية والمفارقات. روح جاك مغتربة، ولكن روحه هي بيته كما يقول لأخته: الروح "هي ما لا تقدرين التخلص منها". واذا كان الابن الضال هو الاكثر محبة من أسرته لأنه الاكثر ضياعاً، فإن ضياعه يصبح ضمناً هو المحبوب سراً! في أحيان تكون المفارقات صامتة جليلة وفي أحيان أخرى تكون متفجرة ثائرة، وأحيانا تكون قاسية وأخرى متسامحة. وهي إدانه صارخة للجبن الاخلاقي والخطيئة غير المعترف بها أو المكفّر عنها.

تطرح روايتا روبنسون الاخيرتان قضايا العائلة والصداقة والشيخوخة وتأثير العرق والدين في الحياة الامريكية. كما تطرح موضوع الاحساس بالوحدة لدى غير المؤمن، أو قلق المؤمن، وعلاقات الاباء بالابناء، وقد ذكر بعض المعلقين أنها تقترب في أسلوبها وقضاياها الاحتماعية التي تطرحها من أسلوب الروائية الانجليزية في القرن التاسع عشر جورج إليوت.
تختلف روايتها الاخيرة عن روايتها الاولى "التدبير المنزلي" التي كتبتها عام 1980 ولقيت انتشاراً واسعاً. في روايتها الاولى هناك الكثير من الحكايات والاستعارات والصور المجازية التي تذهل القاريء بفنياتها، أما في "البيت" فهناك الحوارات واسترجاع الذكريات في مشاهد تلو المشاهد بين جلوري وجاك وأحيانا والدهما يتحدثون عن شكوكهم وندمهم وأحلامهم المنهارة.

2009/06/09

رسّام من كوكب آخر


رسّام من كوكب آخر

قصة قصيرة
بقلم اياد نصار

رأيته جالساً في مكاني العتيد. ترددت قليلاً. فكرت أن أجلس في زاوية أخرى. أخذت أتلفت حولي باحثاً عن مكان آخر. شعرت باستياء. هذا مكاني المفضل الذي أجلس فيه كل مساء. مَنْ هذا ومن الذي أتى به؟ منظره ليس مألوفاً. كأنه مخلوق غريب قادم من كوكب آخر. ألم يعجبه سوى مكاني؟ إنه متنفسي الوحيد. أهرب اليه من صخب الحياة في بيتنا الذي صار كالسجن، وبؤس الحي الذي يذكرني دائماً بالكآبة. لقد صار المكان عنوان وحدتي ومحراب تأملي في واقع حياتي البائسة ومستقبلي المجهول. لا أظن أني أعرفه أو رأيته من قبل. يجلس مكاني على العشب الجاف بجانب النافورة في منتصف الدوار الذي يتوسط الطريق. يلبس ملابس فضية لامعة تشبه ملابس رواد الفضاء. ويضع على صدره صدرية متقاطعة عريضة ذات أطراف مدببة تخرج كثيراً عن نهاية كتفيه. يلبس ملابس رصاصية اللون ويضع فوق ذراعيه وساعديه أكماماً فضية لامعة تنتهي بقفازات سوداء تغطي نصف أصابعه، وفي ساقيه سراويل فضية كثيرة الثنيات. يضع في قدميه حذاء رياضياً فضياً نظيفاً أنيقاً، وعلى عينيه نظارت سوداء ذات عدسات لامعة ورفيعة. شعره أبيض متموج يميل الى اللون الفضي مصفف في خصلات متباعدة عن بعضها ومرفوعة للاعلى والخلف. له شاربان أشقران عريضان تحت أنفه ويمتدان على ذقنه حتى يصلان أسفل أذنيه. إقتربت منه وسلّمت عليه وأنا أتأمل في منظره الغريب. نظر اليّ وابتسم. قلت له إنك تجلس في مكاني المعتاد. بدا عليه التأثر. أخذ يتمتم بكلمات لم أفهمها. لم أنتظر أن يشير اليّ بالجلوس وجلست على العشب قريباً منه. فكرت أنه لا بأس في الامر فعلى الاقل لن أشعر بالوحدة أو بالوقت القاتل يمشيء بطيئاً.

عندما خرجت عند المساء الى الشارع العلوي لأجلس على العشب بجانب النافورة على الدوار، كنت أشعر بالملل والحر الذي لا يطاق. بيتنا مثل صندوق من الاسمنت الذي يصبح كالفرن في الصيف. بيت صغير معلق في منتصف سفح الجبل. درج طويل يمر من جانبه حتى يصل الى آخر الحي في الاسفل ويصعد طويلاً حتى يصل الشارع العلوي. عشرات من البيوت والطوابق الاسمنتية العشوائية المعلقة تحيط بنا من فوقنا ومن تحتنا ومن كل جانب. يخالجني دائما خوف داخلي من مجرد التفكير بالامر. ماذا سيحصل لو تململت الارض من تحتنا مثلما تفعل أحيانا حين تضجر من الصمت الابدي أو تضج من تصرفات البشر فوقها! يتملكني إحساس بالرعب قبل أن أستطيع أن أطرد الفكرة من رأسي.

هنا عشت طفولتي في منتصف السفح. وعرفت الحياة بين الادراج والجدران والبيوت المعلقة في الهواء. هنا عرفت أن البيت ليس سوى للمنام وتكرار رتابة حياتي اليومية. هنا النوافذ تطل على بيوت الاخرين وترى وأنت في غرفتك أسطح منازلهم وتسمع أصواتهم. ليس للبيوت أسرار هنا. حين قدمنا لأول مرة كنت صغيراً، ولكنني رأيت أن كل الساكنين على الادراج من أمامنا وخلفنا ومن فوقنا ومن تحتنا وعن يميننا وعن يسارنا قد أصبحوا جيراننا وصارت حكاياتهم حكاياتنا وهمومهم همومنا خلال فترة قصيرة. كان يجمع بين الناس خيط من الود الذي اثقلته مصاعب الحياة وقلة الحيلة حتى كاد أن ينقطع أحياناً. هنا مر الموت على حيّنا باستمرار دون أن يسمع به أو يراه العالم. لا زلت أتذكر القصص التي عرفتها وكانت تؤرقني.

أبو راجي رجل وحيد عجوز ضخم الجثة أقعده المرض. عندما كان يتحدث ، كان يتصبب عرقاً فيظل يمسح بمحرمته جبينه ورأسه الاصلع. إعتاد أن يزورنا كثيراً ويروي بطولاته أيام الشباب. ولكن السكري أقعده طريح البيت. أرسلني أبي ذات يوم اليه فبقي يروي لي سيرته. كان مع المقاتلين في جيش الانقاذ. لقد استبسل في الدفاع عن مدينته قبل أن تسقط. أحسست أنه لم يبق له في الدنيا سوى أن يعد الايام قبل أن تأتي النهاية التي لم تعد بعيدة. لا أظن أن المرض قتله ، بل النسيان.

وفي بيت جيراننا الذين يسكنون خلفنا كان هناك المسكين طلال. كم كنت أشعر بالأسى له. رأيته يسير ذات يوم على سطح بيت الجيران أمامنا. ليس هناك مكان يلعب فيه سوى الدرج وأسطح البيوت. كان يمشي تحت أوراق الدالية العالية التي ارتفعت فوق الارض حتى وصلت سطح الطابق الثاني. رأيته يلعب بالكرة ويتعلق بالاوراق والاغصان. وقفت أراقبه وهو يلعب. لكنه ظل يمشي الى الطرف حتى أختفى من أمامي. يا الهي. سمعت صوت ارتطام بالارض. لقد وقع عن السطح الى الشارع بلمح البصر. شعرت بهول الحدث وركضت الى الشارع السفلي. هجم الناس عليه ونقلوه الى المستشفى وهو مضرج بدمائه وقد انكسرت عدسات نظارته وتهشم وجهه. توقع الناس في حيّنا ألا يفيق من غيبوبته. لقد سقط من ارتفاع ثمانية أمتار. ولكنه لم يمت. كان طلال مريضاً .. يظل يصرخ على النازلين والصاعدين الادراج. إعتاد أهله أن يحبسوه في غرفة أو يشدون وثاقه الى حديد الشبابيك حتى لا يخرج من البيت. كم قاسوا الامرين لأجله ولكن ظرفهم كان سيئاً، فلم يستطيعوا تأمين ثمن علاجه. بعد أشهر افتقدته فلم أعد أراه أو أسمع صوته. قالوا لقد تعهدته جمعية لرعاية المعاقين فأراحوا الحي منه وأراحوه من سقطة أخرى كان يمكن أن تكون فيها نهايته. لا أظن أن السقوط قتله، بل النسيان.

كم مررت أسفل الجبل في حيّنا فلم يستوقفني المشهد في يوم ما. كنت أرى البيوت معلقة في الهواء كالصناديق متراكبة فوق بعضها ، فأبحث عن بيتنا من بينها فلم أستطع تمييزه في كثير من المرات. أقف وأدقق النظر وأنا أبحث عنه فلا أراه. كم تبدو متشابهة ومتلاصقة ومتراتبة فوق بعضها كمدن الصفيح. كنت دائماً أتعجب من رغبة الناس في مدينتنا في بناء البيوت على سفوح الجبال وقممها بدلاً من الارض المستوية. كم من مرة تساءلت عن السر في هذه المدينة ذات التلال السبعة فلم أعرف لماذا ترك الناس السهول وأقاموا على رؤوس الجبال. تركوا المياه والينابيع والسيول وهربوا الى مشقة الوعر والصخور والطرقات الصاعدة الى أعالي الجبال. لم تعد التلال سبعة بل صارت عشرة أو ربما أربعة عشر ، وما زلت لا أعرف لماذا ترك الناس في مدينتنا سهول وبساتين الارض وراحوا يتعلقون في الجبال. على مد البصر في حينا من أول الشارع الى آخره بيوت صغيرة تركب الجبل فوق بعضها كالعلب. هنا كانت البداية وهنا ولدت المدينة ذات يوم. لا أعرف في أية سنة سكن الناس في هذا الحي ولكنه أقدم أحياء المدينة ومن أكثرها فقراً. أتعجب أحيانا من قدرة الارض على إحتمال تصرفات البشر فوقها. جاء المهاجرون وصعدوا الجبال ووضعوا حجراً فوق حجر ، وبنوا بيوتاً صغيرة شعبية حتى غطت وجه الجبل. وصارت البيوت طوابق وعمارات فوق بعضها. أقيمت على مر السنين آلاف من البيوت والعمارات الاسمنتية الصغيرة المتلاصقة عشوائياً بدون أي نسق بينها. ولكن في كل صندوق اسمنتي منها يوجد قصة تثير الحزن يمر عليها الموت بكل صمت.

نظرت الى الرجل الفضي وأنا أتعجب من منظره. لاحظ استغرابي فابتسم وقال بلكنة ثقيلة لا تخف أنا إنسان مثلك. قلت له بانجليزتي الركيكة لست خائفاً ولكني لم أرَ إنسانا يلبس هكذا من قبل. قال أنا فنان أحب الرسم والسفر. أحب أن أرسم كل المدن التي أسافر اليها. سألته ومن أي البلاد أنت؟ قال أنا من ألمانيا. أنا أعيش في برلين. هل تعرفها؟ قلت له لقد سمعت بها، ولكني لم أعرف في حياتي سوى هذا الحي. قال لقد أعجبني الحي كثيراً وقررت أن أقيم هنا عدة أيام لأرسم بيوته في لوحاتي. وسحب حقيبته الجلدية التي كانت الى جانبه واستخرج دفتراً كبيراً. فتحه وأعطاني إياه. أخذت أقلب أوراقه. كان يحتوي استكشات ورسومات بالفحم الاسود لبعض بيوت حيّنا وطرقاته وأدراجه ، وكانت هناك رسومات للحي وعماراته من عند سفح الجبل. قال غداً سأضع منصباً ولوحة وفراشي الرسم والالوان قرب الشارع عند أسفل سفح الجبل وسأرسم واجهة الحي. لماذا لا تأتي وتساعدني وتتعلم الرسم؟ قلت له ربما، ولكنك لم تخبرني سبب إرتداء هذه الملابس والالوان. قال إذاً أتيت غداً سأخبرك.

في تلك الليلة لم أستطع النوم من شدة الحر وبقيت أفكر بملابسه وألوانها وأشكالها وأنا أضحك في سري من غرابتها وأتعجب ما الذي أعجبه في حيّنا حتى يتوقف ليرسمه. وقلت في نفسي إن هولاء الغربيين لهم عادات غريبة. ما الذي يفعله هذا الرجل الغريب في حياته؟ يدور على البلدان ليرسم مدنها؟ وهل هناك ما هو جميل في حيّنا ليستحق رسمه؟ لم أفهم كيف أعجبته واجهات بيوتنا وعماراتنا التي تعطي شعوراً بالكآبه والبؤس وضنك الحياة التي تقتل الانسان قبل أن يأتيه الموت! ربما أعجبته لأنه لم ير مثلها في بلدته؟ ولكنه لو عاش فيها لربما غير رأيه؟ لو مر في طرقات الحي وشم رائحة المياه ومساحيق الغسيل وأكوام النفايات فوق الحاويات وتحتها .. لو زكمت أنفه رائحة الباميا التي تتسرب من شبابيك البيوت، لربما غير رأيه. لو رأى السيارات القديمة التي عفا عليها الزمن وعلى حوافها من الخلف عبارات تدفع الحسد لربما لم يفكر برسمها؟! لو رأى كم أصعد الادراج لاهثاً أو رأى كم هي متهالكة ومعتمة البقالة التي ما زالت على حالها وأبو جميل ينهر الصغار حتى يدفع أهلهم له الحساب.. لو رأى سهرة العرس التي تستمر ثلاث ليال بطولها والموسيقى الصاخبة والاصوات النشاز التي تصم الاذان فلا تعرف أن تغفو، لربما رحل من ساعتها؟ لا أذكر متى توقف ذهني عن التفكير في الامر تلك الليلة ، ولكن تراءت في خيالي صور عن مدينته التي حدثني عنا ووصفها لي وشعرت أنني أتجول بها. في الصباح حين فتحت عيني سمعت صوت أبي علي منادياً على الدرج لشراء الاشياء العتيقة فعرفت أنني ما زلت هنا!


لم أستطع أن أنسى التفكير بذلك الزائر الغريب. بقيت ملابسه ورسوماته تلح عليّ كي أذهب وأراه. لقد أثار فضولي ولم استطع أن افهم لماذا يهتم بحيّنا الى هذه الدرجة؟ هل هناك أشياء يراها ولا نراها نحن؟ نزلت الادراج الطويلة حتى وصلت أسفل السفح. كانت الدنيا قبيل الظهر عندما وصلت. لقد نصب اللوحة وأعد الفراشي والالوان ، وجلس على حافة السور وقد تجمع بعض الناس حوله وهم يضحكون. كان هناك رجل يحاول أن يلتقط صورة للجالسين. كان الرسام يجلس في الوسط ومن حوله الى اليمين جلس رجل عجوز يلبس ثوباً وحطة وعقالاً وهو يبتسم وقد بدت عليه آثار الزمن القاسي، والى اليسار جلس رجل أصلع الرأس وقد اسمرّت بشرته وتشققت يداه واخشوشنت. وفي الجانب الاخر جلس رجل بدين يلبس ملابس رثة ومن خلفهم كانت صورة الحي تثير الأسى. كل بنايات الحي تقف كناطحات سحاب توشك أن تتداعى. ذكّرته بسؤالي عن سبب إرتداء ملابسه الغريبة والالوان فلم يجب. ثم قال سأخبرك عندما أنتهي من رسم اللوحة. ثم قام الى اللوحة وأمسك الفرشاة وبدأ يرسم. كان بارعاً في نقل المشهد. ولأول مرة في حياتي أخذت اتأمل تفاصيل مآسي المشهد أمامي. بقيت طوال الوقت أتأمل في لوحته وهي تتشكل لحظة بعد أخرى وأساعده أحيانا في خلط الالوان. كان يتجمع بعض الناس حولنا أحياناً يتوقفون ويتأملون في اللوحات ويسلمون عليه ويذهبون. بعد أربع ساعات إنتهى من رسم اللوحة. كانت جميلة للغاية. كانت حية بتفاصيل بنايات الجبل. ابتعد قليلا ورح يتأملها ويضيف بعض اللمسات هنا أو هناك. ثم وضع توقيعه على اللوحة. لم أصدق ما رأيته وفغرت فمي دهشة. نظرت اليه كأنما أبحث عن إجابة فأومىء الي برأسه كمن يقول نعم. فتحت ذراعي وعانقت طلال والدموع تنهمر من عيني.



* اللوحة أعلاه للفنان التشكيلي الاردني سلام كنعان

2009/06/05

صورة الانثى في مجموعة "قارع الاجراس"


صورة الأنثى في مجموعة "قارع الاجراس"

بقلم اياد نصار

القاصة سامية العطعوط تمارس القصة القصيرة جدا منذ أن إمتصت الجدران صوتها وتصر على التوغل فيها حتى أمكنها الان أن تكتب ما يمكن أن أسميه ومضة قصصية قصيرة! وقد نشرت مؤخراً مجموعتها القصصية المسماة قارع الاجراس "أنثى العنكبوت" التي نشرت بدعم من أمانة عمان الكبرى عام 2008 . وتأتي قارع الاجراس بعد مجموعاتها القصصية الاربع السابقة: جدران تمتص الصوت عام 1986، طقوس أنثى عام 1990، طربوش موزارت عام 1998، وسروال الفتنة عام 2002 . ولعل طبيعة النصوص ومقدار التجريب واستخدام الرموز والاسطورة واسلوب الفانتازيا الذي تمارسه الكاتبة ما يجعل الحديث عن تقسيم المجموعة الداخلي ليس سهلاً بهذه البساطة. إذ تضم المجموعة خمسة تكوينات أو فصول هي: ثلاثيات، طرائد، مدونات، طقوس أفعى، وتكوينات. وتضم هذه التكوينات الخمسة في المجموعة ستاً وعشرين قصة ونصاً رئيسياً أو متعدد الانشطار يقارب الشعر حيناً والنثر حيناً آخر. وما بينها هناك ثمانية وستين قصة وأقصوصة ونصاً وومضة. وقد أقيم هذا الاسبوع حفل توقيع كتابها الذي حضره عدد من الادباء والمثقفين في بيت تايكي للشعر وقد قدمتها فيه القاصة بسمة النسور كما تحدث فيه بعجالة من التحليل الناقد الدكتور مصلح النجار. كما تم على هامش الحفل تقديم إحدى القصص وهي "من ثقب العالم" كعمل مسرحي أدته الفنانة المسرحية أسماء مصطفى وأخرجه الفنان غنام غنام

يظهر في المجموعة الاحتفاء بتمرد الانثى الذي يتخذ شكل طقوس معاصرة تستوحي ما كانت الحضارات التي ظهرت في هذا الجزء من العالم تجسده في إعتبارها إلهة ترمز للحب والحياة والخصوبة ، وتتخذ كتاباتها عن الانثى أشكالا ومضامين مختلفة ذات ايحاءات اسطورية تسعى لتفكيك تراكمات شعبية وإجتماعية قيدت الانثى وحطمت من هالتها الاسطورية. لذلك تفتح مجموعتها بقولها ولسوف تُروى الاساطير عني وعن نار أيقظتها من رماد. وهناك أنثى العنكبوت وطقوسها ، التي تستوحي صورة المرأة الناعمة الفاتنة ولكنها في ذات الوقت تفتك بمن يقع في حبائلها femme fatale ، وهناك أنثى المرآة.

تحتل الأنثى مساحة كبيرة من المجموعة إما كبطلة أو كصوت راوٍ أو كموضوع رئيس للعمل رغم أن سامية العطعوط لا تذكر ولا توحي كتاباتها بأنها ترغب في أن تصنف مجموعتها ضمن الادب النسائي الذي إحتل مساحة كبيرة من الادب العالمي بمضامينه النسوية التي تتبنى قضايا المرأة ومعاناتها وآلامها ونضالها والدفاع عن حريتها ، ولو أن المجموعة بالقضايا التي تطرحها هي فعلا تندرج في هذا الباب، فسامية صوت قصصي وابداعي نسائي فعال يساهم حضورها بفعالية في لقاءات وندوات الاصوات النسائية على الساحة الاردنية. يتكرر حضور الانثى في معظم النصوص التي تعتمد على إعادة استكشاف وتوظيف دور ورمز المرأة عبر مسيرة الحضارات الشرقية وهي بذلك تقدم ملامح صورة المرأة من مختلف جوانبها التاريخية والاجتماعية والفكرية.

يروي أغلب القصص في المجموعة صوت إمرأة او فتاة صغيرة، وفي معظم قصص المجموعة ونصوصها فإن البطلة هي الانثى المتمردة التي تكتشف بشاعة عالم الرجل أو المتمردة التي تكتشف الاسرار التي يحاول الكبار إخفاءها او الاسئلة التي يحاولون تفادي الاجابة عنها، أو الانثى الرافضة لقيود وقضبان الواقع المغلفة وهماً بإسم الحب. أو هي تلك الضحية الصامتة التي لا تنتحب كثيراً على معاناتها ومآسيها وإحساسها بالمرارة من تسلط وخيانة الرجل بل تقدم الحدث كما هو وتترك للقاريء أن يحس بمعاناتها. وفي النهاية وكما هو واضح في كل أعمالها السابقة ، فإن عالم سامية العطعوط هو فضاءات الحب والكراهية والحرية والعبودية والحقيقة والزيف في علاقات الرجل بالمرأة الذي تضفي عليه لمسات رشيقة بفضل أسلوبها الموجز الذي ورغم تقشف الوصف او غياب الاسهاب السردي أو إيجاز الحوار وغياب أوصاف الشخصيات وأسمائها يبقى موحيا مؤثراً فعالاً. ورغم أنها لا تستخدم الا القليل من الكلمات في أعمالها إلا أنها تنجح وبامتياز في أن تقول كل شيء عن أنثاها وعن قضاياها وتنجح في وضعك مباشرة في وسط الحالة الشعورية والنفسية لأبطالها!

والانثى في هذه المجموعة هي حواء التي اشعلت النار ولم يستطع آدم لغاية الان إطفاءها، وهي تظهر في القصص بكل مراحلها من الوليدة الى الطفلة الصغيرة الى المرأة العاشقة الى المرأة التي أحرقتها نيران التجربة الانسانية الى العجوز وبكل حالاتها النفسية ورضاها وغضبها وبساطتها وسذاجتها وقوتها وتمردها.

في "أثنى العنكبوت" فإن أنثى سامية العطعوط ليست أنثى عادية ، إنها أنثى رقيقة لها سحر وجاذبية، وأدواتها واهية مثل بيت عنكبوت ولكنها في ذات الوقت قادرة ان تكون المرأة النموذج الذي سوف يحرر الرجل كما تقول. أما في قصة "مشاهد من مسرحية فكاهية"، فقد إتّبعت الكاتبة تقنية توظيف المشهد المسرحي ، ولكننا نلمح جمالية تتمثل في بدء القصة من نهايتها والعودة بها زمانياً في ثلاثة مشاهد. تبدأ القصة من نهايتها فالأنثى في حالة مأساوية تخرج أحشاءها بين يديها وهي في منتصف الطريق بينما يلهو الابن في رسائل خلوية مع الاصدقاء. أسلوب تخييلي غرائبي لبيان معاناة الانثى وسط انهماك الاخرين بالضحك. وفي المشهد الثاني حافلة يفجرها ملتحيان فتتطاير الاشلاء ويتلون الحديد بالدماء وصورة سيدة تمسك أحشاءها وتسير في الشارع، أما في المشهد الثالث تشتعل كل الاشياء في الدنيا وتشتعل الاسعار وترتفع اسعار الغذاء والدواء وكأن هذه هي الارهاصات التي تسببت في حدوث المشهدين السابقين اللذين يعسكان نمطاً من ملامح قلق المجتمع المعاصر المتمثل في العنف والارهاب.

في قصة "علاقات شائكة" هناك نقد ساخر لعلاقة الانسان العربي بالسلطة التي تقوم على الخضوع من طرف والازدراء من طرف آخر وقمع الانظمة للمواطن العربي من خلال استلهام قصة الخليفة الذي يفد الناس على قصره لتقبيل يده ولكن يشعر بالقرف من ذلك فيأمر بالتوقف عن ذلك ويترك لهم حرية تقبيل الحذاء إن أرادوا. تعيد هذه القصة صورة المرأة التاريخية النمطية كخادمة لا علاقة لها بما يجري من حولها.

في قصة "استكانة"، تبدو الأنثى بصورة الضحية التي قضت الحرب على طفولتها وعلى أمومتها من خلال نموذجي الطفلة الصغيرة وأمها. تقدم القصة شهادة متكررة ساخرة متناقضة من عدة زوايا لوجهات النظر الى ذات القضية. القضية هي معاناة الانسان العربي في العراق من ويلات الاحتلال وانفجارت القنابل وغارات الطائرات. تبكي الفتاة الصغيرة في حضن أمها وترتعد خوفاً حتى تنام ، وفي الصباح يُخرج الناس الجثث من تحت الانقاض. وتروي القصة هذه الحادثة ذاتها بعدة روايات: مرة حسب الرواية العراقية ومرة حسب الرواية الأمريكية ومرة كما في رواية قاص عراقي ومرة أخرى كما يسميها الصوت الراوي بأنها القصة الحقيقية ولكننا نكتشف أنها متأثرة بوجهة نظره وبخياله القصصي في حين أن الحقيقة تموت مع الضحايا!

يقدم فصل "حين سكتت شهرزاد" عدة قصص تطرح معاناة المرأة في الحب واستغلال الرجل للمرأة والخيانة. ويبدو هنا واضحاً استخدام المعنى الرمزي لتاريخ أسطورة شهرزاد. ففي قصة ابتسامة ، تفتتح القصة بصوت الراوي وهي إمرأة تتحدث عن ابتسامة إمرأة أعلنت القطيعة مع من كانت تحبه لأنها اكتشتفت حقيقته: حقير ميت الاحاسيس يفكر بها كالافعوان. وتصبح الابتسامة هي اللغز المحير عبر التاريخ الانساني منذ عهد شهرزاد الذي يفضح سطوة الرجل وعجزه في آن معاً، ورمز إدراك الأنثى لجمالها أو فتنتها كما في استحضار لوحة الموناليزا او جوليا روبرتس أو إبتسامة خجل الام في التعبير عن ورطتها في كشف الحقيقة الكونية او الجنسية أمام براءة الطفولة. "كانت ابتسامتها تشبه أبتسامة ما لا أذكرها تحديداً، ولكنها مرسومة في مخيلتي...كانت ابتسامة تعني الكثير، ذلك الكثير الذي لا استطيع تحديده في كلمة واحدة."

هناك توظيف فني جميل جدا للرمز في المجموعة في طرح القضية الانسانية التي تجسد معاناة المرأة الابدية بسبب خيانة الرجل كما في قصة "رائحة". فالرائحة النفاذة التي تدخل البيت من كل المسامات والتي تحاول المرأة التي تروي القصة بكل الوسائل منعها ولم تستطع هي الخيانة. خيانة الزوج وإمرأة الجيران. تصبح الرائحة مزعجة لها تصيبها بالهستيريا تؤدي الى تحطم أجزائها وكيانها واحلامها وواضح هنا توظيف الرمز للحديث عن الانهيار الكامل الذي أصاب المرأة نتيجة الخيانة. نهاية القصة جميلة إذ لم تستطع المرأة تحمل الرائحة سوى بإغلاق أنفها وفمها وأذنيها وهنا واضح توظيف فكرة موت الانثى نفسيا وروحيا إذ لم يكن من الممكن قبول الرائحة إلا اذا اصبحت بلا قلب أو لسان أو أذن أو عين. ولكن رائحة الموت الذي خرجت عند موتها لم تلفت انتباه أحد ولم تزعجه. "بعد أيام كانت رائحة الموت تنتشر من بيتنا، وتخرج للجيران، رائحة نفاّذة لكنها لم تزعج أحداً!"

أما قصة "ملل"، فتطرح مرة أخرى موضوع الخيانة الزوجية. فالانثى كما يراها الراوي هي المرأة التي تثير الضجر والملل لأنها تمنع الرجل من ممارسة عاداته في اللهو والتلاعب والخيانة وممارسة ألاعيبه الصغيرة مع النساء. ومن المفارقة أنه لا يرى جمالها إلا وهي غائبة عن الوعي أو ميتة. ولكن طيفها يلاحقه وينغص عليه حياته فلم يعد يطيق الحياة بدونها ويردد أنه يشعر بالملل. واضح في القصة اكتشاف الرجل للحقيقة التي حاول تفاديها وهي أن حياته تتسم بالخواء الروحي والعاطفي بدون المرأة ولهذا يتجرع كاس النهاية الذي قدمه لزوجته.

في الفصل المسمى "أقفاص" تطرح الكاتبة موضوع سلب حرية المرأة في الحب ، فالعاشق يغمد خنجره في صدر حبيبته، وفي قصة "قضبان وحجارة" هناك إشكالية العلاقة الزوجية. يصبح القفص الذهبي رمزاً ورديفاً للسجن. وليس السجن المادي الذي يسلب المرأة حريتها ولكنه سجن روحي ونفسي إذ لم تعد قادرة حتى على استنشاق الهواء فتعلن التمرد عليه وتهرب منه. وحينما تنظر للوراء تراه كومة من قضبان وحجارة.

في قصة "قارع الاجراس" التي أعطت المجموعة عنوانها، توظف القصة أسلوب الحلم أو الكابوس لاعادة بعث الحنين الى الطفولة بكل آلامها وذكرياتها. "مات قبل أن يقرع الجرس .. في بيت من لحم.. هكذا حلمتُ بها ليلة الامس". ويمكن تناول القصة في بعدها الذاتي الذي يرتبط بشهادة الكاتبة الابداعية ، وفي بعدها العام الذي يطرح معاناة المرأة الفلسطينية تحت الاحتلال. قارع الاجراس ليس سوى كائن مات في بيت من لحم قبل أن يتمكن من قرع الجرس والخروج للدنيا. تسيطر على الصوت الذي يروي القصة وهي أنثى تعاني من هذا الحلم مشاعر متناقضة تجاه قارع الاجراس. فتارة تتخيله نحيلا وتاره أخرى سميناً ، ومرة تراه بثوب طفولته الناعم ومرة بثوب الراهب الاسود في إشارة للخوف والموت. وهكذا تحمل القصة خوف الانثى الذي رافقها طيلة حياتها من قارع الاجراس. هل كان يمكن أن يصبح سبب خوفها وقمعها المستقبلي أم كان سيصبح حلمها؟ أما في بعدها العام، فتطرح القصة معاناة الطفولة الفلسطينية أمام رصاص الاحتلال الذي يغتال الاحلام. وهناك إشارة الى راحيل اليهودية التي تضحك حينما قرأت في صحيفتهم عن موت قارع الاجراس بطلقة رصاص والتي تشعر بالسعادة حينما تقصف الطائرات سوق المدينة.

تقدم قصة "خارج المسرح"، الانثى بصورة ضحية جريمة الشرف. وتروي القصة بأسلوب واقعي موجز كيف يتم تداول الموضوع لدى الرجل! إذ يتبارى الاولاد في التطوع لقتلها، أمام الاب فلا يعنيه من الامر سوى غسل الشرف بسرعة! قرار القتل سريع وجاهز وموجز لا يعطي للانثى فرصة الدفاع عن نفسها. أما في الفصل الذي يحمل عنوان استنساخ، فيسيطر على القصص جو سوداوي كئيب يطرح جوانب من قضية الحرب ومعاناتها وخاصة الحرب على العراق. والانثى في هذا الجزء لا تبرز بشكل واضح كما في الفصول الاخرى، وهذا شيء طبيعي أن تختفي الفوارق الجندرية في ظل معاناة انسانية تطحن الكل برحاها.

تستوحي سامية العطعوط في بعض القصص مخزون الحكايا الشعبية وتوظفها في سياق قصصها كما في طقوس أفعى: "كانت لجدتي أخت جنية تدعى سليمة ... لم أكن تجاوزت السابعة من عمري بعد، حين كانت تظهر لجدتي في أحيان كثيرة على شكل أفعى". وكما في قصة سوق الحمّام: " رأتني صديقتي أندفع لأدخل الدكان تشبت بي ومنعتني. قالت إن المكان مسحور وإن ما نراه بأعيننا ليس حقيقياً فقد مات الكهلان منذ مئات السنين ومع ذلك ما زالا يظهران في المكان نفسه". أو كما في توظيف الارواح السائرة والودع والصندوق الخشبي المغلق كما في قصة" رائحة نائم".

مجموعة قارع الاجراس إضافة قيمة في مسيرة سامية العطعوط التي نجحت خلالها في بناء عالمها القصصي القصير جدا!


* اللوحة بعنوان أم ميتة للفنان النمساوي التعبيري إيغون شيل (1890-1918)

مقال في الملحق الثقافي لجريدة الدستور الاردنية


نشرت جريدة الدستور الاردنية في الملحق الثقافي ليوم الجمعة الموافق 5/6/2009 مقالتي عن الروائية الامريكية اليزابيث ستراوت التي فازت بجائزة بوليتزر للسرد لعام 2009 عن روايتها المسماة أوليف كيتردج. بإمكانكم قراءة المقال من خلال الضغط على صورة الصفحة أعلاه

2009/05/28

القوارير


القوارير

قصة قصيرة

بقلم اياد نصار

ظننت أنه أدرك كلامي القاسي الجمعة الماضية. قلت في نفسي ساعتها لن يعيدها مرة أخرى. ولكن يبدو أنني كنت واهماً. يظهر أنني لم أفهم طينته بعد! جلست أنتظر قدومه بعد العصر. مرت أكثر من ساعة ولم يحضر.
- أين ذهب هذه المرة يا ترى؟

تأخر كثيراً. طال انتظاري وتململي. مر وقت طويل وأنا أذرع البيت والحديقة داخلاً خارجاً. بان على وجهي الغيظ وكانت زفراتي تزداد حدة كلما أمعن النهار في المغيب واقترب الليل. ليس عندي وقت لهذا العمل سوى اليوم. مرت سويعات المساء ولم يحضر. هذه ليست أول مرة يتغيب فيها عندما أريده. الى متى سأحتمل تهربه من واجباته؟ أيظنني غافلاً عنه وعن ألاعيبه؟ لم يعرفني بعد. لم يعرف أنني لا يمكن خداعه بهذه الاساليب. ولكن هذه نتيجة طيبتي معه. يبدو أنني لم أفهمه تماماً. كنت مكتئباً من المرارة وطول الانتظار. لم يعد عندي صبر على أكاذيبه. إزددت حنقاً عليه. حل الليل فيئست من حضوره. إنشغلت بعد قليل ونسيت التفكير في أمره. لم أتذكره الا في الصباح.

إستيقظت مبكراً على غير عادة. الجو بارد والريح تنخر مسامات جلدي. أتى الخريف قبل موعده هذه السنة. السماء كئيبة رمادية ملبدة بالغيوم والشمس تطل من بعيد على استحياء وتغيب ، مثل عروس تنوء بخفرها في ليلة زفافها. ريح باردة تلسعني فأشعر أن لها دبيباً في مفاصلي. يداي متيبستان باردتان من حمل الحجارة. لا أريد أن أظل تحت رحمة قدومه. القيت بكاهلي على المقعد الحجري البارد وصدري ما زال يعلو وينخفض من بقايا أنفاسي اللاهثة. إحمرّت راحتا يدي وصارتا كقطعة ثلج. وضع صديق ذات يوم راحة يده في يدي فانتفض من برودتها. وريقات مصفرة تدور من حولي. تقطع عليّ تركيزي فأسرح معها. أتامل حركاتها المجنونة قبل أن تتقصّف وتستقر في أحد الزوايا. أشعر بالرثاء لها. أفكر أننا يمكن أن نصير مثلها ذات يوم. تدور بنا الاقدار كريشة في مهب الريح ، ثم تلقي بنا في زاوية منسية من زوايا الحياة ننتظر النهاية في صمت وعزلة. إرتعشت وندت عني تنهيدة. الفكرة مروعة. ما يزال الوقت مبكراً للذهاب للمكتب.

وأنا أنتظره وقعت عيني على الصندوق الحديدي المعلق على الجدار. تذكرت. مشيت اليه. أخرجت الصحيفة. تأملت العناوين. أخذت أتجول حول البيت والساحة الخلفية حول الحديقة . ما يزال الندى على أوراق شجرة التفاح وعلى الازهار في الاحواض. تأخر سليم. تشاغلت بنقل حجارة الحوض الكبير الذي ماتت أزهاره الى خلف السور. رأيت القطة جاثمة تحت قوس المدخل في سكون مغمضة العينين مقرورة من البرد تجمع نفسها حول ذاتها. عدت الى الركن المعتاد وجلست على المقعد الحجري. كان فنجان القهوة ينتظرني! لا بد أنه أحضره خلال جولتي لينفد بجلده من نوبة غضبي عليه! لكنه واهم فقلبي مليء عليه!

أشعلت سيجارة وأخذت أرتشف من فنجان القهوة أمامي. تباً للحامدي! لا نكهة لهذه القهوة. مرّة ثقيلة باردة مثل ظله. عاد سليم الحامدي لعادته القديمة. لقد نبهت عليه أكثر من مرة أن يحضرها ساخنة طازجة. هي ما أستهل به نهاري المثقل بالهموم والواجبات ، أفلا أستحق لحظات أرتشف فيها قهوة تريح نفسي القلقة؟ ألا يكفي غيابه أمس؟ لقد أفسد علي الصباح. أخيراً لمحته قادماً نحوي بقامته الطويلة ونظراته كنظرات الثعلب التي لا تجعلني أصدقه. كم حاولت أن أقنع نفسي بأنه يقول الحقيقة، ولكن عينيه تلتمعان كأن فيهما شيئاً من الخبث.

- أين كنت؟ منذ الصباح وأنا أبحث عنك؟
- هأنذا بين يديك. كنت أحضر القهوة
- وأين كنت يوم أمس؟ بقيت أبحث عنك طوال المساء
- في المستشفى. أنت تعرف أنه لا راحة لي إلا يوم الجمعة
- ألم أقل لك أن تقوم بتنقيب الارض وترتيب الاحواض ورفع الحجارة؟ لا أطيق منظرها هكذا
- بلى، ولكن يوم الجمعة هو اليوم الوحيد الذي أبقى فيه الى جانبها
- ولماذا تأخرت بإحضار القهوة؟
- لم يبق لدي سجائر فذهبت لشرائها ، ولكن البقالة كانت مغلقة فانتظرته حتى فتح الباب. لم أكن أريد أن أتأخر ولكني خفت أن تطلب مني سيجارة عندما تنقطع أحياناً من السجائر فلم أحب أن أخيب أملك.

تسكتني إجاباته دائما وتحرجني ولكني لا أصدقه. كلما قلت له أين كنت يقول لي المستشفى. أفكر أحيانا أن أطرده ولكن من أين لي أن أجد مثله. لقد تعودت عليه. رغم أنه يزوغ عندما أريده ولكنه ينفذ ما أطلبه منه ولا يجادل كلامي. أفكر أحيانا بالصراخ عليه ولكن إجاباته وأيمانه التي يحلفها ووقوفه كالمسكين أمامي تجعلني أصمت. ولكن في قرارة نفسي أعرف أنه يكذب. عيونه الثعلبية تشي بذلك.

وأنا أتحدث معه أطل وليد من البوابة الخارجية ومعه قوارير الماء. قلت لسليم قبل أن يصل وليد: "لماذا لا تتعلم منه؟ دائما يأتي ومعه القوارير بدون تأخير. كلما اتصلت به يأتي فوراً. ألا تعرف أن تكون مثله؟". إبتسم سليم من غير أن يقول شيئاً فأحسست في عينيه عدم رضى عن المقارنة! كان وليد يبتسم كعادته. شاب في بداية الاربعينات من العمر. مهذب للغاية. لا تدل ملابسه الرثة ولحيته النابته وشعره الاشيب الاجعد عليه. عندما رأيته أول مرة تفاجأت به. لم يكن صوته الدافيء وكلامه اللطيف الذي يفيض بعبارات الاحترام والمجاملة الذي كنت أسمعه منه على الهاتف يتناسب مع مظهره. كان صوته يوحي بأنه رجل أرستقراطي! تعودت أن يحضر القوارير ويتركها عند المدخل قبل أن أصحو من النوم ، أو أن يحضرها بعد العصر وأنا خارج البيت. كنت دائما أتعامل مع صاحب المكتب مباشرة. رأيته أول مرة بعد عدة أسابيع فراعني مظهره. إزددت إعجاباً به لأنه عصامي مكافح. كم أنا معجب بنشاطه. ليت سليم يتعلم منه ولكنه بليد. وليد يعاملني بكل تهذيب. ظننت أنه عرف من صاحب المكتب أنني أدير شركة للسياحة والسفر. لا يتأخر عن إيصال القوارير. كلما اتصلت به يقول لي حاضر خلال ساعة وتكون عندك.

أذكر أنني أتصلت به ذات صباح في رمضان وطلبت قواريراً. لكنه تأخر ذلك اليوم. صارت الدنيا عند العصر ولم يحضر. إتصلت بالمكتب شاكياً متذمراً. بقيت أنتظر. إقترب موعد الافطار وكان لدي ضيوف ولم يكن لدينا ما يكفي من الماء! شعرت أنني في ورطة! ماذا سيكون موقفي أمامهم إذا لم يجدوا ماء يبلوا به ريقهم! إتصلت به مباشرة غاضباً مزمجراً. أسمعته كلاماً قاسياً ولكنه بقي في هدوئه المعتاد. قال إنه سيوصلها مهما كلف الامر. حان موعد الافطار ولم يحضر فاتصلت به وصرخت عليه وقلت ماذا جرى لك؟ هل تتخيل الورطة التي وضعتني فيها؟ يبدو أنني حسدتك! ولكنه لم يرد كلامي. ولم أكد أقفل الخط حتى سمعت الجرس. ضحكت من الموقف! قال إن السيارة تعطلت منذ الصباح وهو يحاول تصليحها في ورشة السيارات. ولكنها لم تعمل. فأضطر لتوصيل القوارير في سيارة أجرة حسب وعده. أحسست يومها بالندم لعصبيتي المفرطة.

وضع وليد القوارير وأخذ قسائم الماء وذهب. قلت لسليم إهتم بتنقيب الارض وإزالة باقي الاحجار ورش المبيدات ريثما أعود. كنت أراود نفسي على الذهاب للحلاق منذ أيام فتتمنّع. ليس سهلاً أن تقضي نصف ساعة كقطعة حجر بين يدي نحات يشكلها كيفما يريد. أو تقعد بلا حراك تحصي أنفاسك مثل موديل في مرسم فنان. تؤرقني دائما فكرة أن تضيع نصف ساعة من وقتك وأنت تتأمل المرآة أمامك أو الشعر المتساقط في حجرك. الحلاقة مثل النوم وقت ضائع بلا طائل. غير أنك في النوم تنسى مشاهد الرتابة اليومية وسيريالية التجربة الانسانية فتنام كالمريض الذي يغفو بين نوبات الالم. أما في الحلاقة فتبقى تتململ كالمسافر بالطائرة الذي يبقى ينظر الى ساعته أكثر من عدد دقائق رحلته الطويلة! ولا أظن أن أحدا يعرف متاعب السفر مثلي. لو كنت أعرف أن همومها الى هذا الحد الذي لا يجعلك تنام ليلاً أو لا نهاراً لما إفتتحت المكتب قبل خمس سنوات. لم يكن في خاطري ذلك أبداً. ولكنها المهنة الوحيدة التي أعرفها بعد أن تخلت شركة الطيران عنا. أفنيت عمري في الاجواء معلقاً بين السماء والارض وعرفت كل الاخطار. لقد مر بي أناس خلال تلك السنوات من كل الاجناس والاصناف حتى صرت خبيراً في فهم شخصياتهم بمجرد النظر في وجوههم. مرت ثلاثة أشهر شعرت خلالها بملل قاتل. لم أكن أحس بمعاناة من يتقاعد حتى ذقت تلك التجربة فافتتحت المكتب.

عندما رجعت لم أجد سليم. تطاير الشرر من عيني. قالت لي منى زوجتي إنه ذهب للمستشفى لقد اتصلوا به وقالوا أن الامر طاريء. أدركت أن سليم مصرٌّ على اللف والدوران ولن يستقيم. عجزت كيف أجعل منه شخصاً مثل وليد في انضباطه. فكرت أن أطرده من ساعتها. ولكن منى هدأت من إنفعالي وقالت إن إبنته مريضة بفقر الدم وأنها في المستشفى منذ شهر. قلت لها لا أصدقه. هذه حجة يستغلها كلما أراد الخروج. أنا أعرف أنه يذهب للعمل في مكان آخر. وسأكتشف ذلك. أنا أعرف كيف يفكر. كيف يبقى هنا مقابل دنانير معدودة في الشهر بينما يكسب مثلها في أسبوع؟! سليم آخر إنسان يرضى بالقناعة!

كنت في المكتب عندما رنّ جرس الهاتف. كان وليد على الخط. كان يتكلم وهو يعتذر عن الازعاج وقد بدا عليه التأثر. قال إن إبنه الصغير قد انسكب عليه ماء ساخن واحترق ساقه وفخذه وقد أدخله المستشفى. شعرت بالاسى لما سمعته. كان في حالة صدمة وقد بدا الحزن والاضطراب في كلامه. قال لي إن المستشفى يريدون إجراء عملية تجميل عاجلة له وهي مكلفة ولا بد أن يدفع مبلغاً مقدماً كتأمين لتغطية نفقاتها. قال لي إنه ينتظر حوالة مستعجلة ستصل بعد أيام من أخيه في دبي وإنه بحاجة للمبلغ ريثما تصل الحوالة. إستغربت أول الامر من جرأته فهذه أول مرة يفعل ذلك. ولكني لم أفكر بالامر كثيراً. أدركت أن الملهوف يفعل كل شيء. وتذكرت طيبته وتعامله معي. شعرت أنه قد حان الوقت لأرد له ذلك. كان في حالة يرثى لها. صوته متهدج متأثر بما حصل. قلت له لا عليك. تعال من فورك للمكتب وأعطيته العنوان. حينما جاء بعد ربع ساعة، كان منظره يدل على البؤس. شعره منفوش أشعث أجعد ولحيته متموجة السواد بالبياض، وملابسه متسخة عليها بقع مصفرة. رأيت مصيبته من خلال مظهره.

روى لي ما حدث وهو يكاد يدمع من التأثر. ربت على كتفه وقلت له بنظرات حزينة متعاطفة يجب أن تكون أقوى من ذلك. أخرجت محفظتي وناولته المبلغ. لاح بصيص من أمل في عينيه وبوادر ابتسامة على شفتيه. لمحت أن وجهه قد تغير وأصبح أكثر إشراقاً. لم يتوقف عن الدعاء والثناء. قلت له إذهب للمستشفى وطمني عنه. قال يجب أن أعطيك ورقة بالمبلغ. قلت له ليست لها قيمة عندي. كلمتك تكفي وأنا أثق بك. قال سأتصل بك بعد عدة أيام.

في المساء رجعت للبيت وأنا ما زلت أفكر في وليد وابنه. كم هو قاسٍ أن تسمع قصة مثل هذه. تصبح ذكرى مريرة مثل وشم لا يزول.. يترك أثاره الابدية على الجلد وفي زوايا القلب. كم هي الاقدار قاسية. زلة بسيطة في لحظة غفلة يدفع الانسان ثمنها مدى الحياة. عندما دخلت البيت كان الجو متوتراً. لم تخبرني منى شيئاً ولكنني رأيت بفطرتي في عينيها أمراً ما. إنتظرت منى الى أن هدأت وارتحت وقالت لي إن سليم قد جاء للبيت وكان خائفاً ومتأثراً كثيراً. قال إن حالة إبنته خطرة وتحتاج الى عملية وإنه طلب مساعدة. ترددت في إعطائه لما تقوله عنه. لاحظ عليّ التردد. ولكنني قلت له أن يعود عندما ترجع. قلت لها لا عليك سأتحدث معه عندما يعود. وأردفت لا تصدقي كلامه كثيراً. لا تخدعك تصرفاته. هذه حيلة أخرى من حيله.

مضت عدة أيام ولم يتصل وليد. إتصلت به لأطمئن على ابنه وأذكره بالمبلغ. أخذ يشكرني ويعتذر كثيراً لأن حوالة أخيه لم تصل. لم يكن قد تبقى للشهر سوى أسبوع فطلب أن أعطيه حتى نهاية الشهر حتى تصل الحوالة أو يقبض راتبه. أخذت أفكر بالامر. كيف سيسدده من راتبه وهو بالكاد يكفيه؟ ولكني لمست في نبرة صوته أسفاً ورغبة أن يفعل ما يمكن لأجل إعادته.

صدقت توقعاتي في سليم. فلم يعد منذ ذلك اليوم للبيت. وأدركت أنه كان يحاول استغلال غيابي وأن يضحك على زوجتي ويأخذ منها نقوداً. شعرت بالحنق على هذه التصرفات. مرت أيام وأصبحت الحديقة مهملة. شعرنا بالضيق والحاجة الى عامل آخر. وأخيراً ساعدني صديق على العثور على عامل آخر بدلا من سليم ، فنسيت التفكير في أمره ولكني كنت أتمنى أن أراه لأسمعه كلاماً يليق به. مرت عدة ايام على نهاية الشهر. تذكرت وليد. إتصلت به. وقبل أن أذكره بادر الى القول أن المبلغ كان لديه وفي ذات اليوم الذي كان يريد الحضور لدفعه فقد إرتكب حادثاً وصدم فتاة صغيرة وتسبب لها بعاهة وقد وضعته الشرطة في الحجز نتيجة ذلك. شعرت بالتأثر الشديد والتعاطف معه. وحاولت التخفيف عنه. يبدو أن الاقدار السيئة كعادتها تلاحقه دفعة واحدة وليست فرادى!

في صباح اليوم التالي وانا أشرب فنجان القهوة وأقرأ الجريدة. رن جهاز هاتفي. رددت على المكالمة. كان المتصل صاحب مكتب المياه. سألني إن كان قد بقي لدي قسائم لشراء قوارير المياه. قلت له ألم تتوقفوا منذ عدة أشهر عن إصدراها وكنا ندفع له من غيرها. قال وقد تنهد بحسرة هذا ما توقعته. قلت له أخبرني. يبدو في الامر شيء يثير الريبة. قال إنه قد اكتشف أن وليد يستغل معرفته بالزبائن ويأخذ منهم نقوداً. صدمت من وقع كلماته. أدركت أنني واحد من ضحاياه. أخبرته بما حصل. فأخذ يتأسف ويتأفف ويلعنه. ولكني فجأة تذكرت ما قاله لي من أنه كان قادماً لدفع المبلغ لولا الحادثة التي حصلت له. ضحك وقال لقد مضى على هذه الحادثة أربع سنوات وهو يستعملها كذريعة في كل مرة! شعرت بالغضب وخيبة الامل. إعتمل الغيظ في داخلي. بينما كنت أستمع اليه وقعت عيني على الخبر في الصفحة أمامي. غريب أنني لم أنتبه له. كنت مشدودا للمفاجأة فلم أنتبه طوال الوقت الذي كنا نتحدث فيه. كان نعياً لزهرة تذبل وتحته إسم ابنة سليم الحامدي.

* اللوحة أعلاه للفنان المصري مكرم حنين بعنوان "عودة حورس"

2009/05/23

مسرحية صندوق الرمل


مسرحية
صندوق الرمل The Sandbox

للكاتب المسرحي: إدوارد ألبي Edward Albee
ترجمة وتعليق: اياد نصار

مسرحية قصيرة لأجل ذكرى جدتي (1876-1959)

الممثلون

الشاب ،25 سنة، جميل الطلعة، قوي البنية ، يلبس ملابس السباحة

الأم ، 55 سنة، حسنة الهندام، إمرأة ذات شخصية قوية

الأب ، 60 سنة، رجل صغير، أشيب ، نحيف

الجدة ، 86 سنة، إمرأة صغيرة البنية، حكيمة، ذات عيون براقة

عازف الموسيقي ، ليس بعمر معين، ولكن من المستحسن أن يكون شاباً

ملاحظة: عندما ينادي الاب والام بعضهما بعضاً بأسمائهما خلال سير المسرحية ، يجب ألا يكون هناك أي إيحاء بالجهوية أو المناطقية. هذه الاسماء تخلو من العاطفة وتشير الى مرحلة ما قبل الخرف والخواء في شخصيتيهما.

المشهد: مسرح بسيط يحتوي فقط على الاشياء التالية: قريباً من الاضواء الامامية الارضية للمسرح وفي أقصى جهة اليمين، مقعدان الى جانب بعضهما يواجهان النظّارة. قريباً من الاضواء الامامية الارضية للمسرح وفي أقصى جهة اليسار يوجد كرسي يواجه يمين المسرح وأمامه حامل للنوتة الموسيقية ، وفي أقصى الخلف من المنتصف وبوضع عالٍ مائلٍ صندوق رمل للاطفال مع لعبة سطل ومجرفة، والخلفية هي السماء التي تتغيرمن وضح النهار الى سواد الليل الحالك.

في البداية، إنه وضح النهار. الشاب يقف على المسرح وحيداً خلف صندوق الرمل باتجاه أحد جانبي المسرح ويقوم بأداء تمارين رياضية. يظل يمارس التمارين الرياضية حتى نهاية المسرحية تقريباً. ويستخدم في هذه التمارين الذراعين فقط وتوحيان بخفقان واضطراب الاجنحة. الشاب هو في النهاية ملاك الموت.

تدخل الام والاب من يسار المسرح. الام أولا.

الام (تتحرك نحو الاب): حسناً ها قد وصلنا. نحن على الشاطيء.

الاب (متذمراً): أشعر بالبرد

الام (تجحده بضحكة صغيرة): لا تكن سخيفاً. إنها دافئة مثل قطعة الخبز المحمص. أنظر الى ذلك الشاب هناك. لا يعتقد أنها باردة. (تلوح بيدها الى الشاب) مرحباً.

الشاب (بابتسامة تحبب): مرحبا

الام (تنظر حولها): هذا سيكون رائعاً، ألا تظن ذلك؟ هناك رمل ومن خلفه ماء. ما رأيك؟

الاب (على نحو واهٍ): مثلما تقولين.

الام (بذات الضحكة الصغيرة): نعم. طبعاً مثلما أقول. إذن إتفقنا. أليس كذلك؟

الاب (ينتفض): إنها أمك وليس أمي.

الام: أعرف أنها أمي. ماذا تظنني؟ (فترة توقف) حسناً الان. دعنا نتقبل الامر على ما يرام. (تصرخ في الاجنحة على يسار المسرح) أنت! هناك! بامكانك الدخول.

(يدخل عازف الموسيقى ويجلس في كرسي على يسار المسرح، ثم يضع لوحة النوتة الموسيقية على الحامل، ويصبح جاهزاً لبدء العزف. تهز الام رأسها موافقة)

الام: حسن كثيراً ، حسن كثيراً. هل أنت جاهز يا زوجي؟ لنذهب لنحضر أمي.

الاب: كما تقولين.

الام (تقود الطريق الى الخارج من يسار المسرح): بالطبع مثلما اقول. (تنظر الى العازف) بامكانك البدء الان.

(يبدأ الموسيقيّ العزف. تخرج الام والاب ، بينما يستمر العازف في أثناء ذلك بالعزف ويهز رأسه باتجاه الشاب)

الشاب( بذات الابتسامة المحببة): مرحبا.

(بعد لحظة ترجع الام والاب يحملون الجدة. يحملونها بأيديهم من تحت ابطيها. متصلبة. ساقاها مرفوعتان للاعلى، وقدماها لا تصلان الارض. يوحي التعبير على وجهها القديم بالحيرة والخوف)

الاب: أين نضعها؟

الام (بذات الضحكة الصغيرة): حيثما أقول بالطبع. دعني أرى. حسناً ...جيد. هناك. في صندوق الرمل. (فترة توقف). ماذا تنتظر؟ صندوق الرمل!

(يحملان الجدة الى صندوق الرمل ويلقيانها فيه)

الجدة (ترفع نفسها الى وضع الجلوس، وصوتها يصبح ما بين ضحكة طفل وبكائه) آآآآآآآآخ . آآآآآآآآآآآآه

الاب (ينفض الغبار عن نفسه): ماذا نفعل الان؟

الام (الى العازف): بامكانك التوقف الان. (يتوقف العازف) ،(تحول نظرها ثانية الى الاب) ماذا تقصد ماذا نفعل الان؟نذهب هناك ونجلس بالطبع. (تنظر الى الشاب) مرحبا من هناك.

الشاب (يبتسم مرة أخرى): مرحبا

(تتحرك الام والاب الى المقاعد في يمين المسرح ويجلسان. فترة توقف)

الجدة (مثلما في السابق): آآآآآآآآآآآآآآآآآآآخ! آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!

الاب: هل تعتقدين .. هل تعتقدين أنها .... مرتاحة؟

الام (بفارغ الصبر): وكيف لي أن أعرف؟

الاب (فترة توقف): ماذا حري بنا أن نفعل الان؟

الام (كما لو أنها تتذكر): نحن ... ننتظر. نحن ....... نجلس هنا ......... وننتظر. هذا هو ما نفعله؟

الاب (بعد فترة توقف): هل يجب أن نتحدث مع بعضنا؟

الام (بتلك الضحكة الصغيرة، تنزع شيئاً عن فستانها): حسناً، يمكنك الحديث إذا أردت... إن كان بامكانك أن تفكر بأي شيء لتقوله... إن كان بامكانك أن تفكر بأي شيء جديد.

الاب (يفكر): لا... لا أظن ذلك

الام (بضحكة منتصرة): بالتأكيد لا!

الجدة (تضرب المجرفة اللعبة بالسطل) آآآآآآآآآآآخ! آآآآآآآآآه!

الام (ترفع صوتها) كوني هادئة يا أمي. كوني هادئة وانتظري.

(الجدة تعفر حفنة تراب من المجرفة على الام)

الام (ما تزال تنظر الى النظّارة) أتعفرين رملاً علي؟! يجب أن تتوقفي عن ذلك. أمي يجب أن تتوقفي عن القاء الرمل علي! (الى الاب) إنها تعفر الرمل عليّ.

(ينظر الاب الى الجدة التي تصرخ عليه)

الجدة: آآآآآآآآآآآآآه

الام: لا تنظر اليها. اجلس هنا وحسب... كن هادئاً .... وانتظر. (الى عازف الموسيقى) أنت..هيا.. إفعل ما يجب عليك فعله.

(يعزف الموسيقى، الام والاب بلا حراك يحدقان النظر أبعد من النظّارة. تنظر الجدة اليهم، تنظر الى عازف الموسيقى، تنظر الى صندوق الرمل، وترمي فيه المجرفة)

الجدة: آآآآآآآآآآآآآخ! آآآآآآآآآآآه! (تتوقع ردة فعل، فلا تنال شيئاً. تتوجه مباشرة الى النظّارة): بأمانة! يا لها من طريقة للتعامل مع سيدة كبيرة في السن! جُرّوها خارج البيت.. ضَعوها في سيارة.. أخرجوها من المدينة.. تخلصوا منها بإلقائها في كومة من الرمل.. واتركوها هنا لتنتهي. إنني في السادسة والثمانين! لقد تزوجت عندما كنت في السابعة عشر من عمري الى مزارع. لقد مات وأنا في الثلاثين. (الى عازف الموسيقى) هل لك أن توقف ذلك من فضلك؟ (يتوقف الموسيقيّ عن العزف). إنني إمرأة عجوز ضعيفة... كيف تتوقعون أن يسمع أي شخص حديثي مع وجود ذلك الصوت! بيب! بيب! بيب! (تتحدث الى نفسها) لا يوجد إحترام هنا. (توجه كلامها للشاب) لا يوجد إحترام هنا!

الشاب (بذات الابتسامة): مرحبا!

الجدة (بعد توقف، تستأنف نظرتها الحانية نحو النظّارة) توفي زوجي عندما كنت في الثلاثين، (وتشير الى الام) فكان علي أن أربّي تلك البقرة الكبيرة هناك بمفردي. يمكنكم أن تتخيلوا كيف كان ذلك. يا الهي! (الى الشاب) من أين أتوا بك؟

الشاب: أووه..إنني هنا منذ فترة.

الجدة: أراهن أنك كذلك. ههه، ههه، ههه. هل لك ان تنظر الى نفسك!

الشاب (يمد عضلاته): أليس ذلك شيئاً رائعاً؟ ( بينما يستمر في تمارين الرياضة)

الجدة: آوه يا ولد.. سأقول جيدا تماما.

الشاب (بتحبب يقلدها): سأقول.

الجدة: من أين أنت؟

الشاب: جنوب كاليفورنيا.

الجدة ( تهز رأسها): ما هو اسمك يا حبيبي؟

الشاب: لا أعرف ...

الجدة (الى النظّارة): وذكي أيضا!

الشاب: أقصد .. أقصد، أنهم لم يعطوني واحداً بعد... الاستديو

الجدة (تنظر اليه نظرة تفحص سريعة): لا تتكلم.. لا تتكلم.. حسناً.. يجب أن أتحدث المزيد.. لا تذهب بعيداً.

الشاب: آوه ، لا.

الجدة (توجه انتباهها مرة أخرى الى النظّارة): لا بأس، لا بأس. (ثم تلتفت بنظراتها مرة أخرى الى الشاب) أنت .. أنت ممثل، أليس كذلك؟

الشاب (تشرق نظراته): نعم أنا كذلك.

الجدة (الى النظّارة مرة أخرى، وتنتفض) أنا ذكية في ذلك. على أية حال، كان علي أن أربي .. تلك التي هناك بمفردي، والذي يقف الى جانبها هناك. هذا الذي تزوجته. غني؟ سأخبرك... نقود ، نقود، نقود. لقد أبعداني عن المزرعة ، والذي كان عملاً راقياً حقيقة منهما. وأخذآني الى البيت الكبير في المدينة معهما، وخصّصا لي مكاناً لطيفاً تحت الموقد.. وأعطياني بطانية للجنود.. وطبقي.. طبقي الخاص بي! فماذا بقي لدي هناك لأشكو منه؟! لا شيء بالطبع. أنا لا أشكو. (تنظر أعلاه الى السماء، تصرخ الى أحد خارج المسرح) أليس من المفروض أن تصبح ظلاماً الان يا عزيزي؟!

(تخبو الاضواء، يحل الليل. يبدأ عازف الموسيقى بالعزف. يصبح الليل حالك السواد. هناك بقع من الضوء المسلطة على كل الممثلين ومن ضمنهم الشاب الذي يستمر بالطبع في تمريناته الرياضية)

الاب (بجلبة): لقد حل الليل.

الام: ششش. كن هادئاً ... انتظر

الاب ( يتأفف) إنها حارة للغاية

الام: ششش. كن هادئاً ... وانتظر

الجدة (الى نفسها): هكذا أفضل. الليل. (الى عازف الموسيقى) عزيزي هل لك أن تعزف هذا الجزء كله؟ ( يهز العازف رأسه). حسناً لتكن جميلة وهادئة. أنت ولد طيب. (يهز الموسيقيّ رأسه، ويعزف موسيقى هادئة) هذا جميل.

(هناك جلبة خارج المسرح)

الاب (يتحرك) ماذا كان ذلك؟

الام (تشرع في البكاء): لم يكن شيئاً.

الاب: لقد كان ... لقد كان.. الرعد.. أو موجة تتكسر.. أو أي شيء.

الام (تهمس من خلال عبراتها): لقد كانت جلبة خارج المسرح... وأنت تعرف ماذا يعني ذلك...

الاب: نسيت.

الام (بالكاد قادرة على الكلام): انها تعني أنه قد حان الوقت للمسكينة أمي... وأنا لا أستطيع إحتمال ذلك.

الاب (خالياً من أي تعبير): أنا .. أنا أعتقد أنه عليك أن تكوني شجاعة.

الجدة (باستهزاء): نعم يا ولد. كن شجاعاً سوف تتحمل، سوف تتغلب على ذلك.

(جلبة أخرى صوتها أعلى خارج المسرح)

الام: آوووووووه.... آوووووووه

(صمت)

الجدة: لا تشعلوا الانوار بعد. أنا لست جاهزة. لست جاهزة تماماً. (صمت). حسنا يا عزيزتي.. لقد أصبحت جاهزة.

(تعود الاضواء مرة أخرى، يصبح الوقت وضح النهار. يبدأ الموسيقيّ بالعزف. يكتشفون أن الجدة ما تزال في صندوق الرمل تضطجع على جنبها وترتكز على كوعها، نصفها مغطى بالرمل وهي مشغولة بعفر الرمل على نفسها)

الام (تدمدم) لا أعرف ماذا يتوجب علي أن أفعل بهذه المجرفة اللعبة الملعونة...

الاب: ماما! انه وضح النهار!

الام (باشراق): إنها فعلا كذلك. حسناً! لقد انتهى ليلنا الطويل. يجب أن نضع الدموع جانباً. ننزع عنا الحداد ، ونواجه المستقبل. إنه من واجبنا.

الجدة (ما تزال تعفر الرمل وتستهزيء): ننزع عنا الحداد ، ونواجه المستقبل. يا الهي!

(تنهض الام والاب) يمطّان جسديهما. تلوح الام الى الشاب.

الشاب (بتلك الابتسامة ذاتها): مرحبا!

(الجدة تمثل دور الميت ! تذهب الام والاب لرؤيتها. مدفون أكثر من نصفها بقليل في الرمل. والمجرفة في يديها المتصالبتين على صدرها)

الام (عند صندوق الرمل، تهز رأسها) رائع! إنه .. إنه من الصعب أن تحزن.. وأنت تراها تبدو سعيدة للغاية. (بكبرياء وإيمان) من المجدي أن نقوم بالاشياء على ما يرام. (الى العازف) حسناً، يمكنك التوقف الان إذا أردت. أقصد خليك هنا للسباحة أو أي شيء. لا مانع لدينا. (تتنهد بعمق) حسناً، هيا بنا.

الاب: أنت أم شجاعة!

الام: أنت أب شجاع!

يخرجان من يسار المسرح)

الجدة (بعد مغادرتهما، تستلقي بهدوء تماما): من المجدي القيام بالاشياء على ما يرام... يا ولد آوه يا ولد. (تحاول النهوض).. حسناً يا أولاد. .. (لكنها تجد أنها لا تستطيع).. لا ..لا أستطيع النهوض.. لا استطيع أن أتحرك...

(يتوقف الشاب عن تمريناته الرياضية، يهز رأسه الى عازف الموسيقى ، يمشي الى الجدة، يجثو على ركبتيه عند الصندوق)

الجدة: لا .. لا أستطيع

الشاب: ششش.. إبقي هادئة

الجدة: لا .. لا أستطيع

الشاب: آوه .. سيدتي.. ما يزال يوجد سطر هنا.

الجدة: آوه، أنا آسفة يا حبيبي، هيا تابع

الشاب: أنا ... آوه

الجدة: خذ وقتك يا عزيزي

الشاب (يستعد ويؤدي السطر مثل شخص هاوٍ): أنا ملاك الموت. أنا آوه.. لقد جئت من أجلك.

الجدة: ماذا .. ماذ..( ثم باستسلام) .. أووووووه فهمت الان.

(ينحني الشاب فوق الجدة ويقبلها برفق على جبهتها)

الجدة (عيناها مغلقتان، يداها مطويتان على صدرها مرة أخرى ، والمجرفة بين يديها، وابتسامة حلوة على وجهها) حسناً .. لقد كان ذلك رائعاً للغاية يا عزيزي...

الشاب (ما يزال جاثياً): ششش... كوني هادئة...

الجدة: ما قصدته.. لقد قمت بذلك بشكل رائع يا عزيزي.

الشاب (خجلاً): ... آوه ...

الجدة: كلا.. أنا أعني ما أقول. لقد فعلت ذلك. لقد فعلتها بإتقان

الشاب (بابتسامته المحببة) آوه.. شكرا لك. شكرا جزيلا لك.. يا سيدتي

الجدة (ببطء وبسرعة بينما يضع الشاب يديه فوقها) أنت .. أنت على الرحب والسعة.. يا عزيزي

(تظهر لوحة مشهد. يستمر عازف الموسيقى بالعزف بينما تسدل الستارة ببطء).

المؤلف:

إكتسب إسم إدوارد ألبي شهرة واسعة بعد أن إقترن إسمه بمسرحيته الناجحة (من يخاف من فرجينيا وولف؟) عام 1962. وبالطبع فرجينيا وولف هي روائية إنجليزية وكانت من أبرز كتاب تيار الوعي في الرواية الذي عرف أيضا الايرلندي جيمس جويس ، وقد شكل موتها صدمة للاوساط الادبية حيث أقدمت على الانتحار بعد أن أصيبت بانهيارت عصبية. ولد المسرحي الامريكي في عام 1928 في ولاية فرجينيا، لكن والديه الحقيقيين تخليا عنه ، فتم تبنيه بعد ولادته وأخذ الى أسرة في نيويورك. كان والده الذي تبناه إبن رجل أعمال ثري لديه سلسلة من المسارح الفنية ومن هنا تعرف إدوارد على عالم المسرح وهو ما يزال بعد طفلاً. طرد من كلية ترينيتي كوليج عام 1947 بسبب عدم انتظامه بالدروس ورفضه حضور الصلوات الالزامية. غادر منزل أبويه وهو في العشرينات الى الابد. وقد قال أنه لم يشعربالراحة ابداً لدى أسرته الجديدة ، وأن أبويه بالتبني لم يكن لديهما فكرة عن ماذا يعني أن تكون أباً أو أماً! وربما أنا لم أعرف أن أكون إبناً جيداً!

قضى حوالي عشر سنوات بعدها يعمل في أعمال مختلفة كي يعيل نفسه. وقد جرب خلال هذه الفترة كتابة الشعر والقصة القصيرة قبل أن يجد موهبته في المسرح. اشتهر بمسرحياته العديدة ومن أهمها: قصة الحيوانات عام 1958، صندوق الرمل عام 1959، الحلم الامريكي عام 1960، من يخاف من فرجينيا وولف عام 1962.

المسرحية:

بعد نجاح مسرحيته الاولى وهي قصة الحيوانات عام 1958 فقد شرع في كتابة مسرحية بعنوان الحلم الامريكي ، ولكنه عُهد اليه أثناء كتابتها وضع مسرحية أخرى قصيرة لمهرجان دولي للمسرح. وقد إستوحى شخصياتها من ذات المسرحية الاخرى التي كان يشتغل عليها، ولكنه فيما بعد قال أن مسرحية صندوق الرمل برغم قصرها كانت أكثر مسرحياته المفضلة الى نفسه.

تتألف المسرحية من فصل واحد وهي تستغرق حوالي خمس عشرة دقيقة على المسرح. تنتمي المسرحية الى تيار اللامعقول أو العبث Theatre of the Absurd الذي عرف كتاباً مسرحيين مشهورين مثل صامويل بيكيت في مسرحية (في إنتظار غودو). تتحدث المسرحية عن محنة بطلتها الجدة التي تتعرض الى الاهمال من قبل إبنتها وزوجها رغم أنها تحملت شقاء الحياة وحيدة بعد أن توفي زوجها وهي في الثلاثين وقامت بتربية إبنتها بمفردها حتى تزوجت من رجل غني. يمثل شاب في المسرحية دور ملاك الموت لذلك يبقى على خشبة المسرح يمارس تمريناته الرياضية باستخدام تحريك وخفقان ذراعيه كالاجنحة مما يوحي بأنه ملاك للموت يبقى حاضراً في ذهن الجميع وكأن الكل ينتظر تلك اللحظة. كما يظهر في المسرحية عازف للموسيقى لا يتكلم شيئا سوى العزف او التوقف عن العزف حسب اشارات وتعليمات الشخصيات الاخرى له بما يوحي بأجواء جنائزية.

بالاضافة الى الجدة، هناك شخصية الام والاب الذين يبدو واضحاً الصراع الخفي وعدم الانسجام بينهما. وأكثر ما يلفت الانتباه هو الخواء والعبث في تصرفاتهما بلا معنى وهما على شاطيء البحر حيث هناك صندوق للرمل يلهو به الاطفال، ولكن ليس ثمة أطفال هنا، إنما هناك الجدة التي وضعاها في صندوق الرمل ومن حولها لعبة مجرفة وسطل في رمز للقبر وإهالة التراب عليها، وهذا ما نراه في ختام المسرحية حيث يغطي الرمل أكثر من نصفها ويأتي الشاب الذي يمثل ملاك الموت فيجثو عند صندوقها ليقوم بمهمته الاخيرة.

نلاحظ طبيعة العلاقة المتوترة الساخرة المتأهبة التي تتأثر لأدنى اختلاف في وجهات النظر التي تدور بين شخصية الام المسيطرة التي تقرر تصرفات الاخرين، في مقابل استكانة زوجها الذي نراه خالياً من أي انفعال أو تعبير في الحديث عن الجدة، أم زوجته. وهذا يتحول الزواج بينهما كما يقول المؤلف في مستهل المسرحية الى زواج التكيف بدلاً من الحب ويصبح خالياً من أية عاطفة.

تنتقل المسرحية في بدايتها من وضح النهار الى حالك ظلمة الليل في آخرها، وكأنها بذلك تمثل دورة الحياة منذ الميلاد الى الموت


* اللوحة أعلاه بعنوان صندوق الرمل للفنانة رينيه كوتيس / هاواي

2009/05/15

العروس


العروس

قصة قصيرة
بقلم اياد نصار

عادت أمي الى البيت واجمة. لم أرَ في يومٍ عينيها غائرةً بين خطوط تجاعيد وجهها من غير بريقٍ مثلَ اليوم. كانت ضائقة متعبة متوترة ترتسم على وجهها غلالة من الاعياء. سمعت زفرات أنفاسها المتلاحقة. خلعت منديلها عن رأسها بتأفف وضجر. راعني رؤية البياض في مؤخرة رأسها. لم يكن الشيب واضحاً في شعرها بمثل هذا الوضوح من قبل. لم تقل شيئاً. لكن عينيها كانتا تحكيان كل شيء. كانت صامتة الا من لهاث أنفاسها بعد المشوار في عز الظهيرة. أحسست بها تغلي في داخلها كمرجل يوشك أن ينفجر. الصيف لاهب والحر لا يطاق. نظرتُ الى الشرفة. كانت السماء بيضاء من شدة وهج الحر. بالامس كانت مغبرّة مصفرّة. ما تزال الخماسين تهب بين الحين والاخر. كدت أختنق أمس من الغبار. بدأت معاناتي الموسمية ثقيلة الوطأة. أتعبني الربو ونغّص علي حياتي. صرت أكره بدايات الصيف. تحيل العيش بؤساً كل عام. لم أحس بالصيف ثقيلاً مثل هذه المرة. في النهار تنضح الوجوه التي أرهقتها الشمس والجباه والرؤوس التي انحسر عنها الشعر بحبات العرق! وفي الليل تهب ريح باردة يرتعش لها الجلد. لقد أنهك التقلب بين الحر والبرد النفوس وأعياها.

لم أتجرأ أن أبادرها بالسؤال. كان الشرر يقدح من عينيها. رأيت الجواب في وجهها وسمعته في أنفاسها اللاهثة. بعد قليل قالت بيأس المستسلم: "ماذا سنفعل الان؟ ماذا سيقول الناس؟ ماذا سيقول فارس عندما يصل غداً؟ الله ينتقم منها على فعلتها هذه". أطرقتُ وقد عقدت الحيرة لساني. كان الامل يراودني منذ الصباح. دعوت في سرّي أن تجدها أمي. تذهب كل يوم وتعود بخفي حنين. ولكن اليوم كان لدي إحساس أنها ستجدها وأننا سنخرج من هذه الورطة. لكن الامل تبدد. شعرت بخيبة كبيرة. إزددت إحساساً بالغيظ والقهر. هل يمكن أن يضيع كل شيء في لحظة هكذا؟ أتحرّق أن أعرف من تكون. إزددت حقداً في صدري عليها. صار مصيري لعبة في يدها. كيف يمكن أن تكون إمرأة بهذه الجرأة وعدم الاحساس؟

كل يوم يطمأن جمال أمي أنهم سيجدوا حلاً لهذه المشكلة. ولكنه يبدو أنه مجرد تسكين للألم كالمهديء سرعان ما يعود. لم يحصل شيء منذ أسبوعين. كل يوم تذهب للفرع فلا تجد لديه سوى التطمين والتعاطف. أحيانا تذهب أيضاً للمركز الامني لتسأل عنها لعلهم وجدوها أو نجحوا في استعادتها منها. عندما عرف جمال القصة تأثر كثيراً. صار يتصل بنا في بعض الأيام ويتكلم مع أمي لدرجة أنه قال اذا لم يجدوها ، فإنه مستعد أن يدفع ذلك من جيبه. لا أريد شفقة من أحد. أريد حقي. تعب فارس في سبيل جمعه كثيراً. منذ ثلاث سنوات وهو يشقى ويقاسي معاناة الغربة في سبيل ذلك. يعمل ممرضاً في مركز صحي ناءٍ في شرورة الى الشرق من نجران على تخوم الربع الخالي. رسائله تفيض بالشوق وعذاب الوحدة وشظف العيش وحيداً في ذلك المكان البعيد. يخبرني دائما عندما يتصل بنا أنه يعدّ الايام يوماً بعد يوم وساعة بعد أخرى في انتظار يوم فرحنا.

تزوج إخوتي الاربعة الاكبر مني قبلي ورحلوا عنا. لم يبقى سوى أمي وأخي الصغير. لقد تعبت منذ أن تفتحت عيناي على الدنيا. تفتحت عيناي على دنيا قاسية لم أر فيها أبي. قالت أمي إنه انفجر فيه لغم وهو على الحدود. عشت حسرة كبرت معي كل يوم. لم أكن أحس بمرارتها وأنا بعد طفلة صغيرة ، وعندما عرفتها ثرتُ على قدري بالبكاء والدموع كلما ذكرت أمي سيرته. لماذا حرمتني الايام أن أراه وأسمع صوته وأحس بحنانه؟ كنت أتمنى كأي فتاة أن ترى أباها الى جانبها في مثل هذا اليوم. كلما رأيت ملامحه الهادئة المبتسمة في الصورة المعلقة على الحائط وهو يلبس لباسه العسكري أحسست بفجيعة القدر الذي حرمني منه قبل أن آتي للدنيا. لكنني تصالحت مع قدري ودفنت حسرتي في أعماقي. لمست في كلام فارس وحبه حناناً إفتقدته منذ زمن. صار بالنسبة لي مثل أبي وزوجي. أحسست بالامان بعد أن ارتبطت به. وجدت كثيراً من الشبه بيننا.

فارس مكافح منذ صغره. حفر في الصخر بيديه حتى علّم نفسه بنفسه. كان يعمل وهو في المدرسة وعندما تخرج حصل على بعثة ودرس التمريض. عندما جاء لبيتنا أول مرة مع أمه إختلستُ بعض النظرات اليه. رأيت في وجهه وهيئته شقاء الايام ، ولكن ابتسامته كانت تتوشح بالتفاؤل وكلامه يزرع بذرة الامل في نفسي. نشأ في أسرة فقيرة في ذات الحي الذي أعيش فيه ولكننا لم نكن نعرفهم. آمنة أم سعيد جارتنا وصديقة أمي هي التي أحضرته. كان أبوه يعمل صانع فخار وعنده ثمانية أولاد وبنات ، فارس أصغرهم. وقد رحل أبوه وهو في سن العاشرة.

رن الهاتف فردّت أمي. سمعتها تقول "لو لم تكن لهذه اليتيمة لما تأثرت الى هذا الحد. الله وحده يعلم كم هي ظروفنا سيئة". فهمت من ردودها أنه جمال. قالت أمي لقد ذهبت اليوم في الصباح الى المركز الامني لأستفسر إن حصل شيء لكنهم لم يتعرفوا عليها بعد. بعد أن أنهت أمي المكالمة سألتها ماذا كان يريد. قالت إنه قدم لإدارته طلباً لتعويضنا وهو ما يزال ينتظر الجواب. شعرت بحزن له طعم حامض في أعماقي يوجعني.

ذهبت مع أمي في ذلك اليوم قبل أسبوعين الى السوق. كان يوم الخميس بعد العصر والمحلات مليئة بالبشر والشوارع مزدحمة. في نهاية الاسبوع يأتي أناس كثيرون من كل مكان. ولكنه للكثيرين يقتصر على التجول ومشاهدة الجديد في واجهات المحلات لمجرد الاحساس بالتغيير وأخذ فسحة من الملل المنزلي. ترى في عيونهم وهيئاتهم ملامح الفقر والبؤس. يطوفون ويدورون من غير هدف. صارت الشوارع والمجمعات متنفسهم الوحيد. ستساعدني أمي في إختيار وشراء جهاز العرس. تصر أمي أن ترافقني في كل مشوار. تقول إنني لا خبرة لي في الشراء أو مساومة التجار وألاعيبهم. بعد أسبوعين سيصل فارس ، ويجب أن أشتري ملابس العرس الجديدة وما أحتاجه من أطقم وملابس وغيارات ومستلزمات وأحذية ومكياج قبل أن يأتي. يجب أن أشتري أيضاً ذهب العروس. سأشتري إسوارتين وخاتماً وحلقاً للاذن وعقداً وساعة. بالامس خرجنا معاً لسوق الصاغة وأخذنا نتجول أمام محلات الذهب. أذهلني بريقه وأشكاله. ولكن أمي كعادتها تتريث في الشراء. قالت لي قبل أن نخرج من البيت سنذهب لنتفرج على الذهب ونعرف الاسعار والطرز الدارجة ولكن لن نشتري ، فوافقت على مضض. لا أمل في مجادلتها فهي تتمسك برأيها. لم تأخذ معها سوى نقود قليلة كي لا تتهور بالشراء! أمي أعرفها. قوية وعنيدة ومدبرة. حملت المسؤولية بعد رحيل أبي مبكراً فعلمتها الحياة الشدة والاعتماد على الذات ، وزرعت في نفسها المرارة وهموم العيش التي تقصم الظهر. ولكن قوة أمي قشرة خارجية تخفي ضعفها وحنانها الذي لا تجيد التعبير عنه بالكلمات.

السوق في جبل الحسين مزدحم عن آخره فقد بدأت العطلة الصيفية. دخلنا محلا للأحذية وأخذنا نعاين ونجرب. جلست وجاء البائع وصار يحضر لي أحذية شتى ، ولكن لم يعجبني شيء. رأيت تبرماً في عيني أمي. أعجبها حذاء وحاولت أن تقنعني به ولكنني أبيت. لم يكن مناسباً للنساء في مثل سني. كثيراً ما نتناكف عند الشراء. لا تعرف أمي عن الطراز الدارج شيئاً. أحس أنها نسيت شبابها وراءها يوم أن توفي أبي. أغرقتها هموم الحياة وأنستها هذه الاشياء.

بقينا نتجول بين المحلات وننظر في واجهاتها. أعجبني المعروض في واجهة محل لملابس النوم، فدخلنا. كان المحل ضيقاً ومليئاً بالنسوة المتسوقات وأطفالهن. أعجبتني بعض القطع. لم تعجب أمي كثيراً. شفافة وخفيفة وقصيرة! حاولت إقناعها ولكنها بقيت متمسكة برأيها. ضقت ذرعاً وقلت لها أنا العروس وإن من حقي شراء ما أريد. أذعنت لاصراري على مضض. أعجبني طقم للنوم ذو لون كحلي جميل من قماش حريري شفاف مطرزة حوافه بالساتان والفراء وعلى الصدر نوع من الدانتيل المخرم. حاولت أمي أن تثنيني عنه. قالت إنه فاضح! استنجدت ببائعة المحل فأخذت تقنع أمي حتى وافقت. أخذت أمي تساوم البائعة. لم تقتنع بمبرراتها عن سبب غلاء الثمن! بقيت تحاورها وتساومها بأساليبها التي أعرفها. شعرت بالاحراج من شدة مساومتها. أخذت ألكز أمي بطرف أصابعي حتى توافق وننتهي من الامر! استخرجت أمي محفظتها. كانت تنتزع الدنانير منها واحدة بعد الاخرى بصعوبة. دخلنا محلات أخرى واشتريت بعض الملابس الاخرى. برغم التعب ومناكفات أمي ومساوماتها الطويلة ، فقد كنت في غاية السعادة. كنت أتخيل نفسي وأنا في تلك الملابس واقفة بين يدي فارس ، فأحس بالخجل!

أرسل فارس طوال الاشهر الماضية الى أمي قيمة مهري وثمن جهاز العروس. كان يرسل حوالات عن طريق البنك ففتحت أمي حساباً وأودعتها لديهم. أعطوا أمي بطاقة للسحب كعادتهم لمن يفتح حساباً جديداً. لا أتذكر أن أمي أستخدمتها سوى مرة واحدة على سبيل التجريب. كنت معها ولولاي لما عرفت استخدامها. طلب فارس من أمي أن تشتري لي جهازي ، فإجازته السنوية قصيرة ولا يريد أن تضيع في التحضير للعرس.
رجعنا للبيت. كنت سعيدة بما اشتريته وأخذت أجربه آمام المرآة ، بينما فتحت أمي محفظتها وأخذت تعد نقودها الباقية. فجأة شهقت صارخة. أين ذهبت بطاقة الصراف الالي؟ هل أخذتيها؟ قلت لها لا. أخذت تبحث بنزق وانفعال عنها في داخل محفظتها. لكنها لم تجدها. صاحت وهي تنظر في عيني. لقد ضاعت بطاقة البنك. قلت لها هل أنت متأكدة أنها ضاعت؟ وانتزعتُ المحفظة من يدها وأخذت أنبش بداخلها. لكنها لم تكن هناك. إستبد بنا القلق. أخذنا نفتش في الخزانة وأدراجها. لم نترك مكانا أو درجاً أو خزانة في غرف البيت الا وفتشنا فيها. ولكنها لم تكن هناك. طمأنت أمي الا تقلق ، فالدنيا ليل. ثم تذكرت أنها ليلة الخميس وأن الفرع سيكون مغلقاً في نهاية الاسبوع. قلت لها سنكون صباح الاحد على باب الفرع للابلاغ عن فقدانها قبل أن يحدث شيء.

كان ليلاً طويلاً تلك الليلة. لقد إستبد بأمي القلق وبقيت تشكو. كنت مطمئنة بعض الشيء وحاولت التخفيف من قلقها. رأيت في عينيها جزعاً كانت تعبر عنه جملها التي لم تهدأ وهي تتخيل أن أحدا وجد البطاقة وسحب كل المبالغ التي كانت في حسابها. قلت: "لا يمكنه ذلك فهو يحتاج للرقم السري وهو ما يزال مخبئاً مكانه في الخزانة". لكنها بقيت طوال نهاية الاسبوع متشككة تتوقع أمراً سيئاً. شعرت أنها كثيرة القلق من غير مبرر. في صباح الاحد نهضنا مبكرين وذهبنا. ما يزال الفرع مغلقاً فانتظرنا حتى فتحت الابواب.

دخلنا مباشرة لمكتب المدير. استقبلنا شاب في أواسط الاربعينات فاحم الشعر يلبس بدلة رمادية وقميصاً أزرق فاتحاً وربطة عنق. شرحت له أمي ما حصل. أخذ يضرب على لوحة المفاتيح أمامه. سأل أمي كم كان لديها في الحساب. قالت له ستة الاف دينار. أعاد ضرب المفاتيح. ارتسمت على وجهه بوادر مفاجأة. قال لا يوجد به سوى ثلاثين دينارا وبعضة قروش. شعرنا بصدمة. وندت عن أمي صرخة كتمتها في آخر لحظة. قلت له: "لا يمكن أن يحدث ذلك. أضعنا البطاقة في السوق ليلة الخميس ، فهل يعقل أن يكون قد استطاع أحد استخدامها؟ البنك مغلق وهو لا يعرف الرقم السري. تأكد من الرقم مرة أخرى". لكنه قال إن الإسم هو نفسه. أمسك الهاتف واتصل بشخص آخر وشرح له ما حصل وطلب منه أن يرسل له تقريراً في الحال. لم أفهم كثيراً ما قاله للشخص الاخر. ولكنه طلب منا الانتظار.

دخلت بعد قليل فتاة أنيقة تحمل تقريراً وأعطته للمدير. أخذ ينظر فيه . رأيت على وجهة علامة تعجب كبيرة. وارتفعت حواجب عينيه للاعلى. شعرت بقلق شديد في أعماقي وأنا أرى ملامح الدهشة تكبر على وجهه. نظر الى أمي وقال لها هل أنت متأكدة أنك لم تستخدمي البطاقة ليلة الخميس للشراء؟ قالت له: طبعاً. لم نشتر سوى بعض الملابس وقد دفعت نقداً للبائعين. بان ساعتها على وجهي ملامح صدمة غير متوقعة. أحسست في أعماقي أنني فهمت شيئاً لم أكن أريد إدراكه أو تصديقه. سألته أمي باضطراب: أخبرني ما الذي حصل. قال لها لم يبق في حسابك سوى دنانير معدودة. تفاجأت أمي ولم يحر لها جواب. كان وقع كلامه عليها قوياً. ثم تمالكت نفسها وقالت: "لا يمكن.. أنا لم أسحب أي شيء منه سوى مبلغ بسيط للغاية قبل عدة أيام". قال لها: "ولكن المشتريات في التقرير تبين أنك جهزت لابنتك منها! فهناك ملابس وأحذية وعطور وحقائب بكميات كبيرة وحتى تحف تم شراؤها ليلة الخميس"! وفجأة بدا عليه الانتباه والذهول. قال لأمي. يبدو أنك وقعت ضحية إمرأة محترفة في السرقة أو مهووسة بالشراء! قالت أمي وهي غير مصدقة بعد: "لم أفهم". قال يبدو أنك فقدت البطاقة ووجدتها سيدة. لقد اشترت بكامل المبلغ تقريباً ملابس نسائية وأحذية وعطور وتحف بكميات كبيرة في خلال ساعتين فقط بطريقة جنونية من محلات معروفة متقاربة. يشير الوقت أمامي في التقرير أنها لم تكن تمض في المحل الواحد أكثر من دقائق! سألته بتعجب وأنا أرى أن أمي لم تستوعب الصدمة بعد: كيف حصل هذا؟ قال تستطيعين الشراء باستخدام البطاقة دون حمل النقود في أي وقت على مدار الساعة. وضعت يدي على وجهي ونظرت للاسفل. خطر لي ساعتها خاطر مريع. لم أقدر أن أتخيل ماذا سأقول لفارس عندما يأتي بعد أسبوعين ، بينما كانت أمي ما تزال تؤكد بانفعال أنها لم تكن تعرف ذلك من قبل نهائياً.


* اللوحة أعلاه للفنان السلفادوري خوسيه فنتورا في جاليري رؤى للفنون / عمّان

2009/05/11

الى صديق.. بشير خلف


الى صديق..
بشير خلف

بقلم إياد نصار

دخلت بشوقي المعتاد الى حجرتي الخاصة .. أدرت القرص على الارقام السرية. وصلت الى الصندوق الاخضر. مددت يدي. كانت هناك تنتظرني. رب صدفة خير من ميعاد. كل يوم يحمل إلي حمام البريد الالكتروني الزاجل أخباراً ورسائل وتحرشات اعلانية من جهات متطفلة! لكنها لم تكن من بينها. كان العنوان جميلا مكتوبا بالخط الاندلسي. شعرت بلهفة تجتاحني لأفض عنها المغلف وأفتحها. إنتشر في الجو عطر جميل. ليس غريباً عني. كان مضمخاً بندى الارض الطيبة. استحضرتْ كلماتها في ذاكرتي تاريخ المجد وفاحت منها رائحة الارض وأشجار النخيل على تخوم الصحراء. فاضت كلماتها بالحب الذي ملأ الجو من رحاب تلك الحسناء الجميلة الموشحة بالجلال التي أطرقت زمناً في ذهول من عقوق بعض أبنائها الذين غرسوا خنجراً في صدرها ولكنها كانت أكبر منهم وأكبر من الموت. كنت على موعد مع رسالة من صديق قاص وكاتب من الارض التي أحمل لها في نفسي عشقاً قديماً كبر معي.. الجزائر.

بشير خلف ، التقينا صدفة على بياض الورق ونتعرف على أوجاع الحياة كأصدقاء. رسالتك ايها الصديق الكريم إحتفيت بها حفاوة تليق بك وبإبداعك. تنسمت عطرها وتحياتها وبادلتها أطيب التحيات. لقد سعدت بهذا اللقاء والتواصل. لن أفيك حقك من الود والثناء على هذه الكلمات من معدنك الطيب الاصيل ، ولعلي لا أبلغ حسن ضيافتك لي في مدونتك الجميلة.

وأنتم يا أصدقائي أود أن أختطف هذه المساحة لأرحب بضيفي. أديب وقاص جزائري جميل العبارة التي تضعك من فورك في جو المكان وتحمل بصمة التعبير عن خصوصيته وتندغم في الارتباط بإنسانه وقضاياه. قضاياه الذاتية تصبح قضايا الفضاء المكاني الذي ينتمي اليه. إنه صوت الابرياء القابضين على جمر الانتماء للارض الذين حاولت اليد السوداء أن تغتال فرحتهم خلال العشرية الدموية وما تزال تتربص بهم. تطرح قصصه قضايا الواقع اليومي المعاش بإحباطاته وانتكاساته.

بشير خلف أحد الادباء الجزائريين النشطين. أصدر خمس مجموعات قصصية هي أخاديد على شريط الزمن ، القرص الاحمر ، الشموخ ، الدفء المفقود ، وأخرها ظلال بلا أجساد. بشير خلف من ولاية الوادي الجزائرية في شمال شرق الصحراء على تخوم بسكرة في الشمال وورقلة في الجنوب والغرب ومن منطقة تدعى وادي سوف souf ويرأس حاليا الجمعية الثقافية في ولاية الوادي المسماة "رابطة الفكر والإبداع". له مدونة جميلة تسمى "سوف أوراق ثقافية". وإذا كنا قد عرفنا توأمة المدن العربية ، فإنني هنا أفتتح هذه التوأمة بين أوراقنا الثقافية وعن تسمية شارع رئيسي في أوراقي الثقافية بإسم سوف أوراق ثقافية! هذا الذي نسير فيه الان!

كما أخبرتكم فقد حمل الي البريد الزاجل هذه الرسالة التي أعتز بها من الصديق بشير التي يشرفني نشرها هنا عرفاناً وإمتنانا مقرونة بكل المودة وعاطر الثناء، راجياً أن يبقى القلم يبوح بكل ما يليق بذوقكم من إبداع ، وأن تبقى أوراق ثقافية مساحة حرة للابداع ونشر الثقافة العربية والتواصل مع الاقلام الابداعية في كل مكان.

الأستاذ الفاضل الكاتب المبدع أيّاد نصّار
تحية طيبة من الجزائر، حيّاك الله
إنني اطلعتُ على مدوّنتك، وأطلع عليها باستمرار، واطلاعي ليس من باب الفضول، ولكنه اطلاعٌ معرفيٌّ ..مدوّنة ثرية ما شاء الله ..هي تجسّد فعلا مواهبك وإمكاناتك الإبداعية المتعدّدة، وتجسّد أيضًا ما تعلنه في تعريفك لنفسك، فيها القصة القصيرة، والقصيد الشعري، والنقد، والأعمال المترجمة، واللوحة التشكيلية، والمقال النقدي الإبداعي.....

ما أعجبني وأبهرني هذا التنظيم للمدونة، وطريقة عرْض الإدراجات، ثم هذا التراوح بين القصة والشعر، وإرفاق العمل الإبداعي باللوحة التشكيلية الجميلة ..

عملٌ رائعٌ تشكر عليه، وأراه سندًا للثقافة العربية، وفضاءٌ للبوح الجمالي، والإبداع الأدبي الفنّي.. أراه جديرا أن يكون مثالاً للمدونات الحقيقية التي يجب أن تكون.

أدعوك أستاذي لزيارة مدوّنتي: سُـــوفْ.أوراق ثقافية.
بشير خلف
كاتبٌ وقاصٌّ من الجزائر

سأعيش مع فيض إبداعكم القصصي من خلال موقعكم

ولكم وافر التحية
اياد نصار


* اللوحة أعلاه للفنان الجزائري محمد بوكرش بعنوان نفوذ حضارة

2009/05/10

رسائل حب شرقية


رسائل حب شرقية


اياد نصار


في الشرقِ قلبٌ عاشقٌ ،

وفي الغربِ ضفائرُ بلونِ

الذهب والحناء وشفاهٌ

تتلألأ كقطع زمرد بلورية.

طال الغيابُ يا سيدةَ الشعر

والحكايا

يا لنهديك كتفاحتين وكأسِ نبيذٍ

في ليالي الشتاء الثلجية.

لأزهارِكِ رائحةُ التبغ المعتّقِ

ولونُ الجمر بين أوراقه الرمادية.

سأناديكِ .. ويضيع ندائي.. أعرفُ

فوقَ رمالِ الصحراء

الذهبية.

يا لطولِ الليل خلفَ مشربياتِك الخشبية

يا لرائحةِ الياسمين في الليالي العمّانية

أناديك يا ساحرةً يا غزالةً غجرية.

نوافيرُكِ يا سيدةَ العشق

وزنبقاتُه المائية

تصبُّ حروفي

في صحنِ فنائِك لتروي عطشَ الروح

وتعيدَ الدمع لعيوني الحجرية.

أوشكتْ أن تحكي من طولِ صمتِها

الاسودُ الرخامية:

رسائلُ الحبِّ جفتْ وصارتْ للعشاق رمزاً

بل وردة حبٍّ أزلية ،

تحملها أيادي العشاق في مواكب الشعر والهوى

والاساطير الشرقية

سافرتْ اليكِ في همسِ الليل أحلامي

وعادت تحكي عن أجملِ حورية

آسرتها آلهةُ البحر الاغريقية.

حين كانت تنام على ساعدي

كان العطر ينتثرُ

في طرقاتِ البحر المرجانية.

نقشتُ اسمكِ على كل أوراقي

في آنيةِ شرفتي الزجاجية ،

وحفرتُه على راحة كفي فأدميتُها

لأجل عيونِك العسجدية.

كم تشرقُ عيونُكِ بالدمعِ

كلوحةِ زخرفةٍ أسطورية.

بنيتُ لكِ في قصائدي

قصوراً شرقية ،

فحطَّ طائرٌ فوق فوانيس قصورك الشيرازية ،

عند مداخل الياسمين واللوز ،

وغفا على أعمدة من نقوش فارسية.

سمعتُ ألحانه قبل مولدي

فصرتُ أردد كلماتِ أغانيك

المخملية.

أكتب ذكرياتي أساطيراً للحب ،

لعلَّ القمرَ في ليالي الصيف يروي

قصتنا

على الجدران المرمرية.

قصتُنا لم يعرفْها ألفُ عامٍ وعامٍ

من حكاياتٍ ترويها عرافةٌ

مغربية.

غنيت باسمكِ يا سيدتي ،

فاتقدتْ شعلةُ النور

في الليل ،

وصارت حروفُ رسائلكِ

نقوشاً على جدران

هياكلي الشعرية.

قالت لا تنسى ..

وهل ينسى من كانتْ صورتها

محفورةً في حناياه الاندلسية؟

تحركت أوتار عودي

في ليالي الشوق والغربة

تعزف للدنيا ألحاناً من

رسائل حبها الوردية

* اللوحة أعلاه للفنانة التشكيلية المغربية نزهة بوعمود

2009/05/08

حياة بين الاموات


حياة بين الاموات

قصة قصيرة
بقلم اياد نصار


أمي كانت السبب.
لا زلت أتذكر تلك الليلة التي رجع فيها سليم للبيت عند الفجر وهو مضطرب وخائف. لم يكن كعادته. سألته ماذا حصل له فقال لا شيء. ألحيت عليه بالسؤال فقال إنه فشل في محاولته فسبب له ذلك توتراً. في تلك الليلة قبل سفرنا أخبرني إنه يريد زيارة صديق له لحل خلاف قائم بينهما. طلبت منه أن يؤجل ذلك لوقت آخر ولكنه أصر أن يتصالح معه قبل السفر. قال إنه لا يريد أن يترك أحدا غاضبا منه ، فالدنيا بين حياة أو موت ، ومن الضروري أن يزيل أي ضغينة بينهما. حاولت ثنيه عن ذلك. لكنه أصر وخرج. عندما رجع بدا عليه القلق والتوتر. كان مضطرباً. فتركته يستريح لعله ينسى الامر. في الصباح سافرنا الى الخرطوم. حصل سليم على عمل بعقد جيد في شركة استثمار زراعي مملوكة لشركة خليجية في السودان. لاحظت أنه متحمس للعمل معهم. حاولت إقناعه بعدم السفر فلا بد أن يجد فرصة عمل جيدة هنا، ولكنه تذمر وقال أن الابواب جميعها أغلقت في وجهه ولم يبق أمامه سوى هذا العمل.

عند وصولنا استقبلنا بعض أصدقائه من الشركة في المطار وأسكنونا في شقة مؤقتة الى حين العثور على بيت مناسب لنا. كان سليم يخرج مع صديق له للعمل في الشركة في الصباح وللبحث عن بيت بعد الظهر. كنت أشعر بالقلق والخوف وأنا في الشقة لوحدي في بلد لم أعرفه أو أزره من قبل. في اليوم الثالث حدثت مفاجأة لم تكن متوقعة. أخبرني سليم أن الشركة ستغلق أبوابها وستنتقل الى الباكستان وأنه يجب أن ننتقل الى هناك. استغربت الامر أولها كثيراً. ولم أصدق فلم يمض على وصولنا سوى أيام معدودة ، ولكنه أكد لي أن هذا ما حدث فعلا. قال إنها شركة عالمية لها فروع ومزارع في دول عديدة. في اليوم الرابع كنت أنا وسليم على الطائرة المتجهة الى إسلام أباد. كانت رحلة طويلة ومتعبة. كنت متوترة وخائفة فلم أعش في حياتي في دولة أجنبية ولكن سليم كان يطمأنني. قال إن الناس فيها مسلمون وعاداتهم قريبة منا. بعد أن خرجنا من المطار رأيت في استقبالنا مجموعة من أصدقائه. كانوا يتحدثون العربية. شعرت بالارتياح عندما رأيتهم وسمعت لغتهم. أستطيع الاطمئنان أننا لن نكون لوحدنا هنا. أخذونا الى محطة القطارات. ركبنا القطار حتى وصلنا مدينة بيشاور.

أمي كانت السبب.
قتلتني ببساطتها وحنانها وطيبتها. كانت تمضي الايام وأنا انتظر حظي كالحزينة. كنت أرى الحزن الصامت في عينيها وأسمع زفرات الشكوى في أدعيتها التي تمتليء حسرة. مضت أعوام وأعوام وأنا في هذا البيت القديم البائس. جدرانه مسودة متهالكة وقد بدا الرمل والحصى يظهر عند قاعدتها من تحت قصارتها المتداعية. بنى أبي البيت قبل خمسة وعشرين عاماً قريبا من عمله في المصنع. كانت الارض من حولنا خلاءً موحشاً تعوي فيها الذئاب في الليل. كنا نخاف كثيرا ولم يكن هناك كهرباء. ولم أذهب للمدرسة في حياتي. ويوما بعد آخر زحف الناس الغلابى مثلنا وبنوا بيوتا لهم أشبه بالخشش. إزدحمت المنطقة بعد عشر سنوات وصارت كالمخيم في إكتظاظها وبيوتها. كانت الحياة فيها تثير الشفقة. منطقة مغبرة ذات طبيعة صحراوية لا تعيش فيها الاشجار ولا ينمو فيها سوى بعض الحشائش والشجيرات ذات الاوراق المدببة. الشوارع متربة ضيقة لا تتسع للبشر والسيارات معاً! المباني قديمة كالحة تثير في النفس الاحساس بالموت البطيء.

لم أعد أنتظر شاباً أو أتوقع إمرأة خاطبة منذ سنوات. رضيت بنصيبي بسكوت وحزن كتمته في داخلي عن أعين الاخرين. لا أتذكر متى كانت آخر مرة أتى فيها رجال متزوجون قد هجروا زوجاتهم يريدون أن يكيدوهن ، أو أرامل لديهم أطفال يبحثون عن مربية ترعاهم أكثر منها شريكة حياة؟! هل صار مستقبلي لعبة بيد القدر؟ روّضت نفسي على القبول بنصيبها. تحطمت آمالي الكبيرة سنة بعد أخرى وتلاشت. صرت في السادسة والثلاثين ولم يعد يأتي من يطلب يدي. حتى المتزوجين والمطلقين والارامل لم يعودوا يطرقون بابنا.

بعد وفاة أبي وهجرة أخي الوحيد الى أمريكا إزداد خوف أمي عليّ. كانت تحمل همومي وخيبتي. كنت أحس ذلك في كلماتها عندما تغضب. ذات نبرة قاسية تشف عن حسرة ولوم وراءها كأنما تحمّلني مسؤولية مصيري. كانت تثيرني كلماتها ولكنني أيقنت أنني سأعيش ما تبقى لي من العمر وحيدة. لم أعد أفكر في الامر كثيراً. لكن حنين الامومة كان يثور بين حين وآخر. أظنه جاء في تلك الايام التي ضعفت فيها تحت وطأة الحنين. جاء في لحظة ضعف وانتكاسة من كلمات أمي. كنت أريد أن أخرج من جو البيت الذي صار كالسجن في نظري. أشعر أنه جاء في غفلة من أيامي ورسم قدري بألوانه السوداء. لم أكن أريده ولم أرتح له منذ أن وقعت عيناي عليه لاول مرة. ولكن أمي لم تتركني وشأني. أخذت تقنعني به وتثير فيّ أحزان وحدتي وخوف المستقبل بعد رحيلها.

لقد إستولى على عقل أمي بهيئته الرزينة وثوبه وكلامه الذي ينم عن ورع. ولعبت أخته دورا في التأثير على قرار أمي فلم تأخذ قلقي على محمل الجد. لقد توجست من تشدده ولكن أمي رحمها الله قالت إن من يعرف ربه سيعرف زوجته. كان في منتصف الاربعين وقد طلق زوجته. قال إنهما لم يتفاهما ولكنني عرفت فيما بعد السبب. لم تكن تنجب أطفالا.عندما تزوجت كان سليم يعمل موزعا للمواد الغذائية على سيارة نقل. كان راتبه بالكاد يكفينا وكنا نعيش في بيت مستأجر صغير متواضع من غرفتين. بعد أن تزوجنا بسنة ترك سليم العمل. لم أعرف السبب ولكنه قال إن صاحب الشركة قد أخذ قرضاً من البنك. لم أفهم ماذا يقصد. ولكنه كان عصبيا فسكت وتظاهرت بالفهم! مضت عدة أشهر وهو يبحث عن عمل آخر. خلال تلك المدة تعرف على بعض الشباب الذين كانوا يجتمعون في بيتنا. فكنت أسمعهم يتحدثون عن الاوضاع العامة والهجرة والجهاد. كان يخرج معهم كل يوم. بدأت ألاحظ أن سليم صار أكثر تشدداً من السابق وصار كثير الشكوى والتذمر. كنت أحاول أن أخفف من تأثير أصحابه عليه ولكنه لم يكن يسمع. كان عنيداً يتأثر بما يقولونه ، ويردد ما يسمعه منهم. صار مثل يائس منسحب من الحياة وزاد شعوره بالبطالة من نقمته على الدنيا. أحسست بخوف داخلي من التغير الذي طرأ على نظرته للامور وأفكاره وحتى مظهره الخارجي. صارت عباراته تنطوي على تحد وتهديد. لم يكن يسمح لي أن أفتح التلفاز الا لمشاهدة الاخبار ثم يقفله ، فكنت أنتهز غيابه مع أصحابه فأفتحه فأحس أنني عدت للحياة التي عرفتها في بيت أمي.

أمي كانت السبب.
لقد تغيرت حياتي مع سليم. كانت لديه تصورات غريبة كأنما يريد تغيير شكل العالم. كثيرا ما أحسست أنه لا يعيش في الواقع. كل شيء يقع في هذه الدنيا بالنسبة له هو جزء من مؤامرة كبيرة ضدنا. كان دائم الحديث أمامي عن همومه وإحساسه بأنه يجب أن يفعل شيئاً فكنت أحس بالقلق. صرت ألوذ بالصمت أحيانا كثيرة فهو عنيد لا يسمع سوى رأيه ورأي أصحابه.

لو عرفت أمي مكاني الان ماذا كان سيجري لها؟ لا مكان لي في الدنيا سوى هذه المقبرة التي أسكن فيها بين قبور الاموات. لم يعد الخوف من الموت يعني لي شيئاً. ولكني أخاف على خولة. ماذا سيصيبها عندما تدرك معنى الموت؟ هل ستحتمل أعصابها الرعب ساعتها؟ أسمع طوال اليوم كلاما لا أفهمه. ترطن نساء يلبسن البراقع الزرقاء من حولي كل الوقت. ليست هناك في تلك البقعة امرأة عربية سواي وسوى خديجة زوجة أنس. قصة خديجة تكاد تكون نسخة عن قصتي. جاء بها أنس من الجزائر ومعها طفلتان تؤامان في حوالي الرابعة كأميرتين بشعرهما الاشقر ذي الجدائل المضفورة. ولكن أمهما تلبسهما غطاء الرأس اذا خرجت بهما للسوق. سليم زوجي أو أبو البراء كما يدعوه رفاقه هنا لا يأتي سوى مرة في الشهر. يخشى أن تلاحقه الطائرات وتقصفنا جميعاً. المرة الماضية دمرت الطائرات بيتنا الذي كنا نعيش فيه في البلدة قرب الحدود ولحسن الحظ لم نكن ساعتها نبيت فيه. قالوا إنها جاءت عند ساعات الفجر وألقت قنبلة اقتلعت البيت من أساسه وسوته بالارض ركاماً. صرنا مطاردين. لم نجد من مكان آمن سوى المقبرة. بنى سليم فيها بمساعدة بعض الرجال غرفة من الطين والحجر لي ولخولة. تأتي بعض النسوة أحيانا يحملن صرراً من قماش فيها بعض الطعام لنا ولكني لا أفهم لغتهن. ربما يفهمن كلماتي العربية. هكذا أحس وأنا أنظر الى وجوههن القاسية التي تروي ملامحها عذاب السنين.

أين كان كل ذلك ينتظرني؟ صرت هاربة متخفية وصار الشقاء عنواني الذي يلازمني، يذهب أينما ذهبت. أهرب من خرائب الى خرائب ومن واد الى واد ومن كهف في الجبال الى كهف أخر. لم تعد تهمني حياتي. أنا انتهيت. ولكن من سيهتم بخولة من بعدي؟ من سيرعاها؟ أي يد حانية ستنام عليها؟ من سيمسح الدمعة من عينها ويرثى فستانها الممزق ويمشط لها شعرها الاجعد؟ هل ستعرف أن تكتب اسمها ذات يوم أم ستبقى أمية مثلي؟

في كثير من الليالي وأنا أصارع الوحدة والخوف أتذكر أمي وأحن الى بيتنا القديم. لقد كانت السبب ولكني أترحم عليها. ماتت قبل خمس سنوات دون أن أراها وأنا مشردة بعيدة في أقاصي الدنيا من منطقة الى أخرى. أحكي لخولة عنها وفي عيني دمعة. كنت أتمنى لو عاشت لترى ابنتي ذات الخمسة أعوام. لقد ولدتها في مخيم لعائلات المقاتلين العرب. كانت ظروف الولادة بدائية بائسة ولولا مساعدة بعض النسوة لما عرفت ماذا أفعل. كانت تجربة قاسية وأمي لم تكن الى جانبي. حتى سليم كان في مهمة جهادية قرب الحدود.

رأيت حولي في المخيم بعض النساء اللواتي فقدن أزواجهن ، وتقطعت بهن السبل. كل يوم كانت واحدة منا تصبح أرملة. بدا الامر كأنما كل واحدة تنتظر دورها. صار الموت شيئاً عادياً. صرت أخشى على خولة من مصير مجهول لو حدث لي شيء. كيف ستواجه الحياة طفلة صغيرة في بلد لا تعرف فيها أحداً. من سيهتم بها؟ ربما لن تجد من يرعاها؟ لم أستطع أن أتخيل أنها يتيمة تعاني الحرمان والتشرد والبؤس من غير أن تسقط الدموع على خدي. يكفينا ما نعاني منه الان أنا وهي. كنت أشعر بحنين الى مدينتي وأهلي وأتساءل ما الذي أحضرنا الى هنا. ألم يكن لدينا من الهموم والشقاء ما يكفينا فلماذا نحمل عذابات الاخرين أيضاً؟ وهل الاخرون يحسون بنا وبحرماننا؟ أم أننا صرنا بيادق في معارك أكبر منا تديرها رؤوس بها أحلام أكبر من أحلامنا؟ هل لحياتنا أي قيمة عندها؟ أحس أنني في مكان غريب عني وأهله يرطنون بلغة لا أفهمها فأشعر بالضيق. هل هذا هو قدري الذي كان ينتظرني؟ غريبة مشردة. بل صرت هاربة خطيرة تبحث عني كل جيوش العالم ومخابراته.
سمعت طرقاً قوياً سريعاً على الباب. أسرعت أفتحه وأنا خائفة متوجسة. كانت خديجة تبكي بصوت عال. وتضرب صدرها بيديها وتشد شعرها. ومعها ابنتيها وثلاثتهن يبكين. أيقنت أن الدور جاء عليها. ضممتها الى صدري وأخذت أخفف عليها ولكنها كانت ترتجف من الصدمة. احتضنت الصغيرتين وأخذت أمسح الدموع التي كانت تملأ وجهيهما بيدي. حاولت أن أفهم ما حدث ولكن نشيج خديجة غطى على صوتها. كانت تنتحب وهي تحكي لي ما حدث. جاءت نسوة يلبسن البراقع الزرقاء وأخبرنها أن أنس استهدفته طائرة بدون طيار وهو مع مجموعة من العرب قرب الحدود فقتلتهم جميعاً.

قصة أنس سمعت مثلها الكثير هنا من النسوة وإن اختلفت الاسماء. لقد رتّبوا له كل شيء. في ذلك اليوم الذي نفذ فيه العملية في الجزائر عند الفجر كانوا قد حجزوا له ولخديجة كي يسافرا الى ماليزيا ومن هناك كانت الجماعة تنتظرهم. بقيا ثلاثة أيام قبل أن يرتبوا لهما السفر الى بيشاور. في تلك الليلة عند الفجر زرع أنس العبوات والمؤقت ووضعها في كيس أسود أخفاه بجانب باب مبنى البلدية. في الصباح كان هو وخديجة في صالة الانتظار بالمطار ينتظران الصعود الى الطائرة عندما سمعا الاخبار العاجلة. قتل الانفجار عشرين شخصاً وجرح العشرات ودمر المبنى بكامله. شعرت خديجة بصدمة من وقع الخبر. أشعلت صور الدمار ودماء الضحايا مشاعر الحزن والغضب في داخلها. كان أنس أقل اضطراباً وجزعاً منها. لم تكن خديجة تعرف عن الامر شيئاً. بعد دقائق كانت تستقل الطائرة في الجو ومشاعر الحزن بادية على وجهها. لم يخبرها أبدا الا بعد مرور أسبوع على وصولها الى هنا.

عرفت فيما بعد أن قصة خديجة تتكرر مع كل امرأة تأتي هنا. عندما وصلت مع سليم لأول مرة الى بيشاور رأيت على الارض ونحن في الشقة بعد أن غادر الرجال جريدة عربية مطوية. يبدو أن الرجال تركوها خلفهم. أمسكت بها. ليست غريبة عني. إنها من بلدي. كانت الصفحة الاولى تتحدث عن اكتشاف مستودع لصنع مواد كيماوية تكفي لقتل الالاف. راعني الخبر قرأت الفقرة الاولى منه فصعقني رؤية اسم زوجي فيه وأن الشرطة تبحث عنه. تذكرت حينها تلك الليلة قبل السفر حينما عاد مضطرباً خائفاً.

* اللوحة أعلاه بعنوان جزيرة الاموات للفنان سلفادور دالي (1904-1989)

2009/05/06

اليزابيث ستراوت: رواية في مجموعة قصصية





















فازت روايتها بجائزة بوليتزر للسرد لعام 2009
اليزابيث ستراوت: رواية في مجموعة قصصية

بقلم: اياد نصار

فازت الروائية اليزابيث ستراوت Elizabeth Strout بجائزة بوليتزر للاعمال الروائية لعام 2009 عن روايتها المسماة "أوليف كيتردج" Olive Kitteridge وهي رواية تتألف من مجموعة من ثلاث عشرة قصة قصيرة مترابطة متسلسلة تجري أحداثها في بلدة صغيرة من ولاية ماين في الولايات المتحدة الامريكية. ولهذا أطلق عليها "رواية في مجموعة قصصية". تقع المجموعة في 270 صفحة وصدرت عن دار راندوم للنشر. وهي الرواية الثالثة للمؤلفة بعد روايتها الاولى المسماة "ايمي وايزابيل" التي نالت عنها جائزة صحيفة لوس انجليس تايمز لأول عمل روائي عام 1999. كما كانت تلك الرواية أيضاً إحدى الروايات الست التي تأهلت للفوز بجائزة أورانج للسرد النسائي عام 2000 في المملكة المتحدة ، وبعد روايتها الثانية المسماة "تحمّل معي" التي صدرت عام 2006.

ولدت اليزابيث في عام 1956 في مدينة بورتلاند التي تعد العاصمة الثقافية والاقتصادية لولاية ماين وقد حصلت في عام 1982 على بكالوريوس في القانون من جامعة سيراكوز بالولايات المتحدة في تلك السنة التي نشرت فيها أول قصة قصيرة لها. وتعيش حالياً في نيويورك مع زوجها وابنتها ، وتعمل في تدريس الادب والكتابة في كلية مانهاتن في نيويورك. وقد نشرت قصصها ورواياتها في عدد من المجلات ومن أهمها النيويوركر.

تعيد مجموعة اليزابيث ستراوت الجديدة الحياة الى مجمتع هامشي فقير في بلدة تجسد روح نيوانجلاند على الشاطيء الشرقي للولايات المتحدة حينما يأتي الاصدقاء ويتكلمون لهجات نيوانجلند المألوفة. ولكن الرواية تخلق عالماً من الكآبه الذي يشعر فيه الاباء بالحنين المؤلم الى أبنائهم ، ويرثي الازواج حال علاقاتهم الزوجية التي صارت باردة يملؤها سوء الفهم. أما بطلة المجموعة التي أخذت اسمها منها هي "أوليف كيتردج" وهي إمرأة ذات طابع ريفي بالمعنى الحرفي للكلمة. "أوليف" معلمة رياضيات متقاعدة تنتقد وترفض التغيرات التي تصيب بلدتها الصغيرة "كروسبي" على ساحل ولاية ماين ، وفي العالم بشكل عام، ولكنها تفشل في رؤية التغيرات في الشخوص المحيطين بها: عازفة الموسيقي التي تسيطر عليها قصة حب قديمة ، وكذلك تلميذها السابق الذي فقد الرغبة في الحياة ويفكر بالانتحار فتساعده للتغلب على ذلك ، وكذلك ابنها كريستوفر المتخصص في علاج أمراض القدمين الذي ترهبه وتخيفه تصرفات أمه "أوليف" بحساسيتها غير المنطقية ، وزوجها الصيدلي هنري الذي يجد أن إخلاصه للزواج قد أصبح نعمة ولعنة في آن واحد، ولكنها تقف الى جانبه حينما يتعرض لنوبة تقعده عن الحركة.

تعتبر أوليف وعائلتها الشخصيات الرئيسية في نصف القصص تقريباً. وتضع كثير من القصص اوليف في مركز الاحداث. كما تلعب دوراً في القصص الاخرى ، سواء فرعياً أو عابراً. ويمكن أن تقف كل قصة لوحدها، ولكن إذا جمعت مع بعضها فإنها تصبح رواية أوليف كيتردج. وبينما يصارع سكان بلدتها مشاكلهم الصغيرة والكبيرة ، تتوصل اوليف الى فهم عميق لذاتها وحياتها بطريقة لا تخلو من الالم والصراحة القاسية. وتقدم اوليف كيتردج نظرات عميقة في الوجود الانساني وصراعاته ومآسيه ومباهجه. كما نكتشف أن الحياة في بيئة البلدة الصغيرة ليست مملة أو بسيطة كما نتخيل بفضل قدرتها على تجسيد وتطوير الشخصيات في الرواية.

تجري أحداث إحدى القصص في مراسيم الدفن لرجل مات والتي تكتشف زوجته للتو خيانته لها فتسعى أوليف للتخفيف عنها. قصة أخرى تروي أحداث عملية اختطاف رهينة في مستشفى. وفي قصة أخرى يفاجيء عاشق قديم عازفة بيانو في احدى الردهات مما يتسبب في اضطرابها ووقوعها تحت تأثير ذكريات قديمة مؤلمة. وفي قصة أخرى تزور أوليف التي تجسد دور الام المسيطرة ابنها القلق وزوجته الحامل الدكتورة "سو" كثيرة الجلبة والشكوى. تنطوي أغلب القصص على نوع من الخيانة. وبعض منها يقدم قصصاً رومانسية هشة بعيدة الاحتمال للحب. ولكنها تقدم فضاءً واسعاً للتجربة الانسانية.

في القصة الافتتاحية المسماة "صيدلية" يظهر فيها هنري وهو يتذكر تلك الايام التي كان يدير فيها محلاً في البلدة ولكنه إضطر لبيعه لسلسلة محلات كبيرة. كما يتذكر أنه قبل عشرين عاما دعى مساعدته الشابة دينيس وزوجها الى العشاء في تحد لرغبة اوليف. ويحتل العشاء مساحة عدة صفحات بسبب جو العدائية فيه. أوليف تقدم أطباقاً من الفاصوليا المخبوزة والكاتش اب لهم كمقبلات بينما يحاول هنري الاستمرار في الثرثرة بعصبية واضحة.

يربط وجود اوليف كيتردج القصص الثلاث عشرة فيما بينها والتي تروى في تسلسل زمني. ولهذا نرى اوليف وهنري يكبران ويكبر معهما ابنهما كريستوفر ويتزوج ويسكن بعيداً. وعندما نشاهدها لاول مرة في المجموعة فهي امرأة كبيرة في منتصف الاربعينات. ومن خلال سرد الاحداث في المجموعة تصبح تلك المعلمة التي على أبواب التقاعد التي بلغت ما يزيد عن الستين ولكنها مثل جسم كوني لديه قوة جذب مركزية هائلة. لكنها ليست شخصية لطيفة. فالتلاميذ يخافون منها. ولم ترققها السنوات. يقول لها إبنها بكل فظاظة: "تستطيعين أن تجعلي الناس تشعر بشيء فظيع". وبعد أن تتبادل الشكوى مع صديقة لها تقول بتذمر: "كم هو لطيف دائما أن تسمع مشاكل الاخرين". ولكن تصرفات اوليف على هذا النحو تعود الى تعرضها للاكتئاب الذي عانت منه سنوات بعد وفاة والدها منتحراً.

ولكن مع توالي القصص ، تبدأ صورة أخرى معقدة مركبة للمرأة بالظهور. فصحيح أن أوليف ترمي ابنها بعبارات جارحة ، لكنها تحبه أكثر مما تستطيع إحتماله. وزوجها رجل طيب ، لكنها تجد عناءً في التعبير عن حبها له. تنتابها حالات مزاجية عاصفة مثلما تنتابها كذلك نوبات ضحك عميق مفاجيء. ولهذا يخافها الكثيرون ويحبها قليلون ولكن الجميع يحترمها. إنها شخصية براغماتية ترى أن الانفعالية والعاطفة شيئاً من الحماقة. وربما ينظر اليها البعض على أنها باردة المشاعر. ففي أحد المشاهد يعتقد أحد الاصدقاء أن اوليف تعاني ويسأل: ألا يجعلك ذلك تشعرين بالغضب؟ فتجيب اوليف لا معنى للغضب فما حصل قد حصل.

لديها حس بالتعاطف مع الاخرين وحتى الغرباء. ففي إحدى القصص تنفجر اوليف بالدموع عندما تقابل إمرأة مصابة بفقدان الشهية العصبي، وتقول لها: "أنا لا أعرفك ، ولكن ايتها السيدة إنك تحطمين قلبي. إنني أتضور جوعاً أيضاً. لماذا تظنين أنني آكل كل قطعة حلوى تقع عيناي عليها؟" فترد الفتاة وهي تنظر الى هذه المرأة الضخمة ورسغيها ويديها الكبيرتين: "أنت لا تتضورين جوعاً". فتقول أوليف: "بلى ، كلنا نتضور جوعاً". وهكذا نجد أن لديها قدرة مذهلة لتضع نفسها في مكان الاخر والاحساس بأزماتهم ، ولكنه تعاطف يخلو من الانفعالية. إنها تدرك أن الحياة وحيدة وغير عادلة. وأن الحظ وحده يأتي ببركاتٍ مثل زواج طويل أو موت مفاجيء. وهي تدرك المرات التي ندمت فيها كما تعي فشل الاخرين وآمالهم الواهية.

وبينما يتبلور إدراك اوليف لذاتها وتعاطفها مع الاخرين خلال الكتاب فإنه يتطور كذلك لدى القاريء. ويمتاز أسلوب ستراوت بالاسلوب الحر غير المباشر حيث يروي الرواي بضمير الغائب ويستخدم أحيانا نفس الكلمات أو الأوصاف أو النبرة التي تستخدمها شخصية ما. إذ يقول الراوي: "أزهرت الزنابق في تألق سخيف" في إحدى جمله الوصفية ، ولكن كلمة سخيف هي كلمة مألوفة ترد كثيراً على لسان اوليف.

إن المتعة التي تتأتى من قراءة "أوليف كتردج" تنبع من الاحساس بالتعاطف مع الشخصيات المعقدة وليست تلك التي تثير الاعجاب دائما. وهناك لحظات تسير فيها الرواية نحو التعاطف مع وجهة نظر تلك الشخصية بطريقة أكثر قوة وتأثيراً وإمتاعاً. هناك إدراك كبير أنه يتوجب علينا أن نحاول أن نفهم الاخرين حتى لو لم نقدر أن نطيقهم!

تجري أحداث روايتيها السابقتين "تحمّل معي" و "ايمي وايزابيل" في منطقة نيوانجلاند وتطرح نفس القضايا: شؤون العائلة، والاقاويل في بلدة صغيرة، والحزن. وتمزج في روايتها الاخيرة ما بين نَفَس الرواية التأملي الطويل وبين الرؤية الخاطفة للقصة القصيرة. وتلقي الضوء على ما يفهمه الناس عن الاخرين وما يفهمونه عن أنفسهم من خلال الانتقال من حكاية الى أخرى، ومن زاوية الى أخرى للحدث.

وحين سئلت في مقابلة أجريت معها عام 2001 عن الفترة الزمنية التي استغرقتها في كتابة روايتها "ايمي وايزابيل" قالت إن كتابة الرواية لديها عملية طويلة تستنفذ طاقتها وإنها تأخذها عادة ما بين خمس الى سبع سنوات. ولهذا فقد كتبت القصة القصيرة لسنوات عديدة لأنها أحبت القصة القصيرة ولأنها أكثر قدرة على الامساك بها من الرواية. ولكن هذا الاحساس ربما تغير بعد أن كتبت رواية ايمي وايزابيل. فالرواية بدأت فكرتها كقصة ، وأخذت تكبر وتكبر قبل أن تدرك أنه من الضروري تحويلها الى رواية. وقد لاحظت أن أسلوبها بدأ يتغير وجملها وتعبيراتها بدأت تتغير ، وحتى اسلوبها السردي بدأ يتغير حتى أصبحت تشعر أنه من الصعب عليها أن تكتب قصة ، وقد استمر هذا الاحساس معها ثلاث سنين.

وعن شخصيات رواياتها تقول أنها تشعر بارتباط حميمي معهم وكأنهم جزء من حياتها وحتى عندما لا تمسك القلم لتكتب فان شخصياتها تعيش معها دائما. لقد اصبح الامر مثل الاطفال الصغار الذين لا تتركهم يذهبون للمدرسة لوحدهم الا عندما تنتهي من الكتاب وينشر ويبدأ الناس في استقبال شخصياتها. عندها تشعر أنه يمكن أن تتركهم في العالم لوحدهم.

أما عن مسألة الابداع والموهبة فتعتبر ان الموهبة في الكتابة ليست الا الجهد الشاق في تثقيف الذات ، وأما الموهبة فهي قدرة الكاتب على التخلص من الزيف فيما يكتب واعادة كتابة الاشياء والجرأة في التخلص مما لا يرضى عنه.

* اللوحة أعلاه للفنان العراقي د. صبيح كلش بعنوان قلب مهزوم

2009/04/29

عندما تشيخ الذئاب


قراءة في نماذج الشخصيات
في رواية " عندما تشيخ الذئاب"

بقلم اياد نصار
تفتتح رواية "عندما تشيخ الذئاب" للروائي الاردني جمال ناجي التي صدرت ضمن سلسلة اصدارات التفرغ الابداعي لوزارة الثقافة عام 2008 بمشهد إذلال وتنتهي بمشهد كابوسي مريع وما بينهما تجري صراعات الحب والشهوة والاوهام والاحلام المكبوتة وفن الخداع تحت لباس التدين والفقر والمشكلات الاجتماعية والوصولية السياسية ما بين شخصياتها الرئيسية التسع (عزمي، سندس، الجنزير، رباح الوجيه، جبران، جليلة، فاطمة أم سندس، بكر الطايل، صبري أبو حصة). وتمثل الرواية في حقيقتها تداعي الذكريات على لسان بعض أبطالها الذين يروون تاريخهم لنكتشف أن هولاء الابطال هم الذئاب البشرية التي تدير معاركها بعناد وقسوة وخبث في سبيل تحقيق أهدافها غير أنها كلها تصبح في نهاية الرواية ضحايا بائسة مهزومة منكسرة. تمتاز الرواية التي تشد القاريء منذ السطر الاول بجمالياتها الفنية وبعمق التجسيد المتعدد الزوايا للجوانب النفسية والعاطفية والروحية والاجتماعية والسياسية للشخصيات وبإتساع أفق القضايا التي تثيرها عبر امتداد زماني ومكاني كبيرين. وأعتقد أنها واحدة من أجمل وأمتع الروايات التي صدرت في الاردن في السنوات الاخيرة باقترابها الجريء من ثلاثية الجنس والدين والسياسة حيث يبدو واضحاً أن معارك هذه الذئاب البشرية الذين تصفهم الراوية بأنهم " شياطين في ثياب رجال، لكنهم ظرفاء"! كلها تدور في هذه الفضاءات الثلاثة. والبناء الفني للرواية في هذا الاطار مناسب تماما لرسم شخصياتها وتقديم تفاعلاتها وأزماتها النفسية وطموحاتها وصراعاتها وتناقضاتها وتجاذباتها وتنافراتها. فالرواية هي أصوات هذه الشخصيات التي تحكي ذكرياتها عندما تكبر وتشيخ. وهو مناسب أيضا ليتعرف القاريء على الاحداث من زاوية كل راوٍ في ظل التباين والاختلاف والتناقض الفكري والنفسي والاجتماعي بين هذه الشخصيات. وتمثل أحداث الرواية تفاصيل معاركها العنيفة ، الدموية أحيانا، التي تخوضها على الصعد العاطفية والفكرية والروحية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. كما أنها في ذات الوقت تقدم صورة بانورامية مصغرة لتاريخ مدينة عمان وتطورها والتغييرات التي صاحبت ذلك بأسلوب نقدي ساخر أحياناً منذ نهاية الستينات وحتى منتصف العقد الاول من القرن الواحد والعشرين حيث تختتم الرواية أحداثها في نهاية عام 2004 وبداية عام 2005.

تستخدم الرواية أسلوب تعدد الاصوات الروائية التي تتعاقب وتتناوب على سرد الاحداث من وجهة نظرها وبلغة تعكس المستوى الفكري والاجتماعي والبيئة الثقافية لكل شخصية ، وهنا تتبدى إحدى نقاط القوة في الرواية حيث يمكن التمييز الواضح في تباين القدرة اللغوية لكل راوٍ من خلال استخدام مفردات تعكس طريقة تفكير كل شخصية ومستواها الاجتماعي والثقافي وكيفية نظرتها للدنيا. ولعل اللغة التي يستخدمها "رباح الوجيه" كاتب الاستدعاءات امام المحكمة والذي يمثل شخصية تقليدية من الطراز الاول بنظرته للامور الذي يستخدم في حديثه عن عواطفه أو مواقفه أو وصفه للشخصيات الاخرى كلمات وعبارات تقليدية تعيد الى الاذهان نمطا من الشخصية التقليدية التي سادت في مجتمع المدينة في فترة السبعينيات واوائل الثمانينات. فهو يتحدث عن المرأة تارة باسم الحريم والحرمة وتارة باسم النسوان وكثيرا من التشبيهات التي يبتكرها تقترن بأدوات الفلاحين حينما شبه خفقان القلب مثل دق القدوم أو الاشارة الى معانقة المرأة بقوله "عبطتها" أو وصف خبث رابعة زوجة جبران بأنها دودة! في حين يكتسي حديث الشيخ عبد الحميد الجنزير صبغة دينية واضحة في توظيف اللغة لايقاع أقوى تأثير في الاخرين ومداركهم ، وللهيمنة على عقولهم وتوجيه تصرفاتهم بأساليب السحر والجن والغموض والعزف على وتر العاطفة الدينية مما يعكس بصورة نموذجية أساليب الخطاب الديني. ونجد أن هذه اللغة المثقلة بإشارت دينية تلوّن نظرته للامور وتبدو منها مشاعر العداء والتشفي بأصحاب التيارات اليسارية الاخرى. وبرغم سياسة الجنزير القائمة على اقامة الصلات والحوار مع السلطة والمعارضة اليسارية الا أنه يبقى يستند الى تصوراته الدينية التي يطعمها بالايات القرانية والاحاديث. كما تعكس اللغة رغبة تلميذه بكر الطايل في تقسيم البشر الى مؤمنين وأشرار مع كثير من التزمت الساذج.
يلمس القاريء البراعة في ابراز المفارقة بين شخصية الشيخ الجنزير وبين تلميذه بكر الطايل. ففي حين أن الشيخ الجنزير يمثل قمة استغلال الدين من خلال تعزيز صورته ومكانته على أنه شخصية تكاد تصل مرتبة الاولياء في نظر الاخرين بفضل تصرفاته وأفعاله الظاهرية، الا أنه يمعن في حقيقة الامر في مخططاته وتحقيق رغباته الشريرة في النساء وسرقة أموال التبرعات للمساجد والسيطرة على الاخرين بطرق خبيثة لا تتورع عن ارتكاب المعاصي والاثام وقتل الاخرين من خلال توظيف الاتباع السذج لخدمة غاياته. بينما يمثل بكر الطايل نموذجاً شائعاً لشاب أصولي غر ليس له تجربة في الحياة يرى الاشياء إما باللون الاسود أو الابيض وهو عاجز عن تحقيق أي إنجاز اجتماعي او اقتصادي يبرر به سبب وجوده أو ينفع به أسرته التي تعيش فقرا مدقعاً فيلجأ الى الحقد على نجاح الاخرين ومحاولة قتلهم كما فعل مع عزمي أو في قتل من يعتبرهم أشرارا وخطرا على المجتمع من الفساد كما فعل بقتل الراقصة.

تروي خمسة أصوات متكررة أحداثَ وحكايات الرواية. وتمثل هذه الاصوات خمساً من الشخوص الرئيسية وهي سندس والشيخ الجنزير ورباح الوجيه وجبران وبكر الطايل بالاضافة الى جزء يتيم يرويه عقيد يسمى رشيد حميدات لم يكن لدوره اضافة مهمة تذكر كثيراً سوى ادخال عنصر الاثارة والتشويق في مطاردة البطل عزمي ومحاولات الايقاع والامساك به المتكررة الفاشلة التي تجعل منه هو أيضا ضحية حيث ينقل الى وظيفة أخرى نتيجة فشله في القبض عليه. ويبدو لي من خلال قراءتي للرواية أن جمال ناجي كتبها وفي ذهنه تصور سينمائي مستقبلي للرواية يحتاج بعض عناصر التشويق. فهناك دائما نهاية مفتوحة أو عنصر غامض تنتهي به معظم فصول الرواية.

برأيي أن أجمل ما في الرواية هو قدرتها على رسم شخصية البطل الاساسي وهو عزمي الوجيه رغم أنه ليس واحدا من الاصوات التي تسرد ذكرياتها ولكن من خلال أحاديث الرواة عنه وعن شخصيته بكل تعقيداتها وغموضها ومطامحها الكبيرة وقدرتها الهائلة على النضوج المبكر وتتبع تطورها وفهم اللعبة الدينية والسياسية وقدرتها في السيطرة على الاخرين مثلما فعل مع سندس أو أن يبقى لغزاً محيراً يفقد الاخرين الثقة في قدرتهم على إدراك مراميه مثل الشيخ الجنزير أو جبران.

تقوم فكرة بناء الرواية على سرد الاصوات الخمسة الرئيسية لحكاياتها أو ذكرياتها التي تربط الاحداث فيما بين شخصياتها بعلاقات متداخلة متوترة مأزومة متجاذبة تارة ومتنافرة تارة أخرى عبر فترة زمانية طويلة تمتد من بداية السبعينات في جبل الجوفة بعمان وحتى نهاية العام 2004 في مناطق مختلفة من عمان. وتكاد تكون الرواية عرضاً فنياً تاريخياً لمدينة عمان خلال هذه الفترة من خلال ابراز التغيرات التي طرأت على المدينة وسكانها. بل يمتد التناول الى ابراز تأثير العوامل الخارجية كالظروف السياسية المحيطة بالمنطقة والمتغيرات الدولية فهناك اشارات الى حرب لبنان وحصار بيروت، وهناك سقوط الاتحاد السوفياتي وما أحدثه من تراجع لدور الاحزاب والسياسيين اليساريين، وهناك الاحداث المستمرة في فلسطين والعراق وأفغانستان.

ولكن في حين يلاحظ أن بعض الاحداث أخذت حيزا مناسباً من وعي الشخصيات إلا أن هناك أحداثاً أخرى مرت عنها مرور الكرام وربما حتى لم تتطرق لها مثل قضية حرب الخليج الاولى وما أفرزته من تأثيرات ضاغطة على المدينة ماليا واجتماعيا وضغوطا اقتصادية هائلة، كما لم تحظ الحرب على العراق او أفغانستان بأي اهتمام سوى اشارة عابرة في معرض حديث الشيخ الجنزير عن بكر الطايل "كان بوسعي الخلاص منه واقصاؤه عن طريق متعهدي الجهاد في العراق أو افغانستان أو سواها".

تنطوي الرواية على مشاهد لاذعة وناقدة لمظاهر الحياة السياسية وفساد الاداء الحكومي بدءا من تأثير العلاقات الاجتماعية والنسائية على قرارات مصيرية تخص اختيار الوزراء كما حصل مع جبران أو مظاهر الفساد الاقتصادي او تحول مواقف السياسيين وتماهيهم مع مواقف السلطة ومبرراتها.

تبرز الرواية بشكل دقيق ومكثف ومتتابع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والفكرية التي طرأت على مدينة عمان التي أفرزت أناسا استغلوا الظروف ومارسوا الفساد حتى تمكنوا من الانتقال من شرق المدينة الى غربها وتنكروا لماضيهم أو بيئتهم التي خرجوا منها كما يظهر في أسلوب حياة جبران ذلك المناضل السياسي الذي صار يبرر التحول الحاد في مواقفه بالعقلانية أو الحكمة أو الواقعية في حين يتصف أسلوب حياته الجديد بالترف والفراغ والتقليد الاجوف للاخرين. تقدم الرواية نماذج لشخصيات طغاها الشر والرغبات المحرمة والفساد واستثمار نفوذها ومعارفها وتمكنت من الانتقال من حياة الفقر والبساطة والاحياء الشعبية التي وصفتها سندس بقولها أن "الانسان هناك ليس هو المالك الوحيد لبيته وفراشه. الملكية موزعة بينه وبين الكائنات الاخرى" الى عالم الغنى والصفقات والتهريب وسرقة الاموال كما فعل الجنزير وعزمي!

تحفل الرواية بذكر اسماء مناطق عمان المختلفة والكثير من محلاتها ومعالمها، وكأن الرواية تقدم صورة توثيقية للحياة في أحياء المدينة وما اعتراها من تغيير. وهناك واقعية كبيرة في نقل الاحداث بين احياء المدينة المختلفة. فهناك جبل الجوفة الذي تنطلق منه كل الشخصيات في مغامرات حياتها المختلفة وهناك أحياء عمان الشرقية مثل جبل التاج والاشرفية والقويسمة وماركا وهناك وسط البلد والمحلات الراقية التي كانت في فترة من الزمن قبل توسع المدينة في الاتجاه الغربي، وهناك الجامع الحسيني وهناك المحكمة في شارع السلط. وهناك جبل اللويبدة وتلاع العلي وإسكان الصحفيين في طبربور، وغيرها من الاماكن والمعالم. وتقدم الرواية صورا عديدة متقابلة متضادة للحياة في جبل الجوفة الفقير المكتظ ، في حين أن جبل عمان يمتاز بالهدوء الى درجة الرتابة والملل. وتقدم الرواية بعضاً من صور الحياة المترفة فتصبح القطة سنزي رمزأ للترف والفراغ والتقليد والمظهرية!

أكثر ما يلفت انتباه القاريء هو هذه الدرجة من الوصف الذي يثير الحواس والايحاءات المباشرة في نقل مشاهد حميمية بلغة مثقلة ملتهبة ولكن في إطار فني أدبي يعرف كيف يوظف الجنس في الكشف عن نوازع الذات الداخلية المكبوتة وفي تقديم صور من استغلال المرأة بطرق بشعة تقوم على الاذلال والسيطرة الى الحد الذي تستعذب فيه المرأة هذه التصرفات لأنها تثير مكامن الشهوة لديها وتعوضها عن حرمان الزواج أو فشله كما في مغامرات سندس مع عزمي ، أو في حديث الشيخ الجنزير عن رغباته الشهوانية واستغلاله لاساليب السحر في علاج النساء للاستمتاع باجسادهن والايقاع بهن كما فعل مع جليلة زوجة رباح الاولى والذي بقي سراً غامضاً يتكشف في نهاية الرواية حين نتفاجأ بأن عزمي ليس ابن رباح الوجيه فهو عاقر منذ الصغر، بل إن أباه هو الشيخ الجنزير ، وقد دمر هذا السر الخطير وأقلق حياة الكثيرين ممن كان لهم ارتباط بعزمي أو والدته.

وبرأيي إن الجانب الابداعي في رواية "عندما تشيخ الذئاب" هو قدرتها الفائقة على رسم وتجسيد الشخصيات ومتابعة تطورها بحيث يلحظ القاريء عملية نضوجها وتأثرها وتأثيرها في الشخصيات الاخرى من خلال الصراعات والازمات المستمرة في علاقاتها بين بعضها، وفي ذات الوقت قدرة الشخصيات في تقديم أزماتها الفردية كنماذج للقضايا التي شغلت الناس في مدينة عمان خلال هذه المدة والتغيرات على طرأت على قيم وسلوك الافراد والسلطة والمعارضة وبروز الجانب الديني وتراجع الجانب الوطني والقومي وسيطرة النزعة المادية الاستهلاكية على احلام وتفكير الفقراء والاغنياء على السواء.

ولا بد لي من الاشارة أنه يستوقف القاريء أن لا أحد من الشخصيات في الرواية يتحدث عن طفولته أو ماضيه البعيد بل ينصب الحديث عن الماضي القريب والحاضر، وباستثناء رباح الوجيه الذي يتحدث عن طفولة عزمي وباستثناء ذلك الموقف الذي خاف فيه عزمي خلال رحلة مع زملائه من الوقوف على مرتفع قرب نهر الاردن، فلا أحد يتحدث عن ماضيه. وهكذا تشعر أن الرواية أسقطت تأثير الطفولة بشقاوتها وعذاباتها وعقدها وحرمانها في أن يكون لها دور في توجيه وعي الفرد، رغم تركيزها على ماضي الشخصيات بدءا من مرحلة معينة.

توظف الرواية عنصر التشويق والغموض بشكل بارع. فنساء الحي ورجاله يحملون سندس مسؤولية موت جليلة، لأنها تزوجت من رباح فأصيبت جليلة بحزن وغم واكتئاب وتوفيت بعد زواج رباح مباشرة بعدة ايام. وتوحي روايات الشخوص الاخرى بأن هذا هو السبب الذي أدى الى وفاتها، لنكتشف فيما بعد أن سبب وفاتها هو كثرة استعمال المبيدات والمطهرات الكيماوية للتخلص من الحشرات حتى تلفت رئتاها. وفي هذا اشارة رمزية بالغة الاهمية وهو هوس جليلة المفرط بالنظافة والتطهر رغم أنها ارتكبئت الخطيئة مع الشيخ الجنزير وولدت عزمي الذي ظن الجميع باستثناء رابعة زوجة جبران أنه إبن رباح! لكن رابعة احتفظت بالسر! وهنا يأتي عنصر التشويق الاهم وهو حقيقة نسب عزمي الذي يتكشف في آخر الرواية فيكون بمثابة المفاجأة. وهناك عنصر آخر يتمثل في ثروة جبران المفاجئة التي ظن الجميع أن سببها هو عثوره على كنز من الذهب أو دوره المشبوه في امداد المقاتلين الفلسطينيين المحاصرين في بيروت بالطعام مقابل المال، لنكتشف فيما بعد كما يدعي أنها كانت حصته من إرث كبير لوالده ظهر فجأة ولم يكن يعلم عنه شيئاً. وذات الشيء في ثروة عزمي الذي ظن التلاميذ أنها كانت من أموال التبرعات بينما قدم له خاله جبران حصة أمه جليلة المتوفاة من إرث والدها!

وأود الحديث عن بعض الشخصيات الرئيسية في الرواية بشيء من التفصيل لابراز معالجة الشخصيات التي قدمتها الرواية ببراعة واحترافية فنية عالية:
سندس:
الصوت الاول في الرواية التي تفتتح بمشهد حديثها عن إذلالها من قبل حبيبها الاقرب الى ذاتها الذي بقيت طول عمرها تجري وراءه كالسراب. وهي الشخصية النسائية الاكثر جاذبية وخلافية في الرواية. ورغم أن عشاقها كثر مثل رباح الوجيه التي ظفر بها كزوجة في مرحلة كانت تعاني خوف الوحدة والعنوسة حين مضت خمس سنوات على فشل زواجها الاول، ومثل الجنزير الذي استمات في محاولة اقناعها بالزواج منه، وعزمي الذي بقيت على الدوام تتأمل الزواج منه رغم أنه في عرف الاخرين إبن زوجها ولكن معرفتها أنه الابن غير الشرعي كان يدفعها لتطارده للزواج منها من غير أن تقدر أن تبوح له بهذه الحقيقة! الكل يلعنها ويعتبرها فاسدة تجري خلف رغباتها. إمرأة مليئة بالانوثة المتدفقة التي تستعذب سيطرة الرجل ولكنها في ذات الوقت لديها اعتداد بذاتها وترفض الخضوع للقيم الاجتماعية. تعتبر سندس أن الرجال لم يفلحوا في السيطرة عليها لأنهم لم يمتلكوا سحر ترويضها أو سر اذابة كتلتها باستثناء عزمي الذي حطم قشرة الغرور لديها واستثار رغباتها الكامنة.

يتصف أسلوب سندس بالتقشف في سرد الحقائق بدون تلوين أو ظلال أو إسهاب في الحديث عن الجوانب النفسية للانسان. بل تهتم بالحركة والظواهر المحسوسة. ورغم ذلك تنجح في تقديم صورة مؤثرة للحياة في جبل الجوفة الذي يبدو أنها ولدت فيه منذ اواخر الستينات. تعاني سندس من نظرات الاهل والمجتمع التقليدية التي تكاد تفترس المطلقة وخاصة بعد فشل زواجها الاول قبل أن يتم "الرجال يحبون النوم مع المطلقات ولكن يحبون أن يتزوجوا من غيرهن!"

تعتبر سندس نفسها ضحية النساء فأحاديثهن عن الرجال في الفراش أشعلت ثورة الجسد لديها، كما أن نظرات الشباب وتحرشهم أشعرها بالحاجة الى وجود رجل يحميها، وهو ما ساهم في زواجها المتسرع من رباح الوجيه الذي كان في سن والدها. ولكنها شخصية محيرة ذات طاقة حامية لم يستطع احتواءها واكتشف عجزه إزاءها. لا يردعها عن مخططاتها شيء ، وإحساسها بالأنا وتحقيق الذات عالٍ مهما كان على حساب الاخرين. ترى أن حقها في الحياة والاستمتاع بها يبرر أفعالها ، ولهذا تكره القيام بدور الامومة. إن أكثر إنسان فهم نوازعها وحاجاتها الجسدية والروحية هو عزمي وقد قال لها ذات مرة: " أنت موهوبة إذا اعتبرنا الغواية موهبة".

تمتليء سندس بحب الحياة. تقول عن نفسها" هكذا الحياة، وأنا أريد أن أعيش". ولذلك تتعرض لتشويه سمعتها وصورتها لأنها ترتبط بعلاقة عاطفية مع عزمي الذي تلاحقه في سبيل إخماد ثورة الجسد. ويشعل رفضه وإهماله لها ثورتها المكبوتة. وهنا تبرز أهمية أول جملة تفتتح بها الرواية وهي إذلال عزمي لها ثلاث مرات، إلا أنها لا تحقد عليه، بل تستعذب إذلاله لها.

يفتح هروب عزمي من بيت زوجها عيونها على العالم. وهنا نشعر بأن هناك تحول مهم في إدراك سندس لأبعاد جديدة في الحياة خارج إطار بيتها "لا أدري ما الذي جرى لي بعدها، فقد بدا لي أن في الحياة ما هو أكبر من بؤس بيتي وزوجي الشارد وأمي ونساء الحي ولغوهن".

ولكن رفض عزمي المستمر لها وابتعاده عنها لم يدم أمام اصرارها وخاصة بعد أن تبدلت أحوال عزمي المادية، واحتفل بعيد ميلادها بطريقة رومانسية حسية بالغة وصفتها سندس باسلوب حميمي مثير للحواس كثيراً حتى شعرت أنها عادت للحياة من جديد. غير أن عزمي ظل يرفض فكرة الزواج منها حتى النهاية. ولكن عزمي إشترى لها سيارة وشقة ووظف زوجها معه في أعماله المختلفة. ويبدو لي أن قبول صبري شراء عزمي شقة وسيارة لزوجته غير مقنع برغم الحاجة وبرغم إقناع سندس له ليقبل بذلك!

إن البوح الذي تقدمه سندس وحميميتها في الحديث عن توقها لعزمي ورغباتها الجنسية فيه يبلغ حداً مفرطاً لا تبرره ظروفها بقدر ما يمكن تبريره في تكوينها النفسي. وهنا نشهد أكثر فصول الرواية حميمية وهي تحطم ركناً في الثالوث المقدس وتقدم وصفاً يمور بالحركة والايحاءات الجنسية القوية لتفاصيل اللقاء الملتهب بينهما!

أما الشيخ الجنزير فيرى فيها شيطان البدن وأدران رغائبه المحشورة! تستجيب أول الامر لنداء الرغبة حين تلمس يداه جسدها بحجة المعالجة وهنا تصبح كأنها شخصيتان حيث تنظر سندس الى نفسها وكأنها إمرأة أخرى للدلالة على الازدواجية التي تعيشها، أما هو فيزداد إصرارا على رغبته الفوز بها. ولكني أود أن أتوقف عند الجزء الخاص بزواج سندس من صبري ابو حصة للمرة الثانية. يشعر القاريء لوهلة بأن زواجها هذه المرة مفتعل. والمبررات التي تقدمها سندس لقبول زواجها للمرة الثانية من صبري لغرض الانتقام منه وإشغال نفسها بالزواج الى أن يعود عزمي ليست مقنعة كثيراً. وفي هذا الاطار نلاحظ أنها سردت قدوم صبري وعرضه الزواج منها وقبولها ووصف حفلة الزفاف ومن ثم رفضها العناية بأطفاله واعطائهما الى جدتهما لتعتني بهما بسرعة كبيرة غير متناسقة.

كما بدأت سندس تتحرر من أوهامها وأحلامها متأخرا بعد لقاء عاصف مع الجنزير في مزرعته وبعد لقائها بعزمي للمرة الاخيرة: "حين جلسنا في شقتي، أحسست بقوة غير مألوفة تسري في عروقي وتحررني من أوهام أو أحلام عبثت بي طويلاً". تنتهي رحلة سندس في البحث عن ذاتها وسعادتها وحريتها بعودتها الى بيت أمها منكسرة بعد أن تكشفت لها الحقيقة أن طريق الجسد لم تحقق لها ما كانت تصبو اليه فتبكي في حضن أمها كالطفلة من جديد! وهكذا تنتهي في عزلة ويأس وجفاف روحي!

عزمي:
رغم أنه غاب صوت عزمي الراوي شكلياً إلا أن حضوره طاغ في الرواية. يستأثر باهتمام جميع الشخوص الاخرى بفضل ذكائه وعلو همته ولماحية تفكيره وقدرته الفائقة على فهم نفسيات البشر وتطوره من مجرد فتى مشاكس كثير الاسئلة بما يكتنفها من جدلية وروح متشككة. تبدأ سندس حديثها عنه بطريقة غريبة غير متوقعة: "هو الوحيد الذي فعلها من بين كل الرجال الذين عرفتهم، ولا أدري كيف استعذبت إذلاله لي"! كما يفتتح الشيخ الجنزير حديثه عنه. خيط مشترك من الاهتمام به لدى كل الشخصيات حباً أو كرهاً يجعله الشخصية الابرز والاكثر جاذبية وإثارة للاهتمام. تمتاز شخصيته بالصمت والصبر كأنما يحمل الدنيا على ظهره كما وصفه جبران. وبالغموض والانغلاق على ذاته كما تصفه سندس. وبأنه لديه جسم شاب وعقل ابن ستين كما وصفه رباح الوجيه.

بدأت حكايته مع سندس عندما تزوجها أبوه رباح الوجيه بعد وفاة أمه جليلة في ظروف غامضة. وقد حمل كثيرون من نساء الحي ورجاله سندس مسؤولية قتلها لأنها السبب الذي أودى بحياة جليلة من القهر كون أن زوجها تزوج عليها، ولكن نكتشف فيما بعد أن هذا ليس سبب وفاتها. وصفته سندس بأن لديه من الكوابح ما يزيد عن اللازم، حتى أنها انفجرت ذات مرة قائلة له: "من أي عجينة أنت؟"

أما حديث الشيخ الجنزير عنه ففيه قدر من التشويق. لقد أثارت شخصيته فضوله وإعجابه، فهو شاب نبيه لا يكسر بسهولة مثل باقي الرجال، شديد الملاحظة، قوي الذاكرة، ولديه رغبة داخلية في التساؤل بعيداً عن المقولات الجاهزة. ومن ساعتها يبدأ الجنزير بالتخطيط لاستخدامه في مخططاته وألاعيبه، ويعتقد أن عقله النابه يمكن إسكاته بالنصوص والطقوس! ويلاحظ هنا النقد الذكي للأساليب التي تعمد الى اسكات أية بادرة للتفكير العقلي لدى اتباع بعض الجماعات كما يفعل الجنزير!

كان عزمي في طفولته محور الخلاف الدائم بين أمه وأبيه. فأمه حانية تريد تربيته تربية ارستقراطية مستمدة من تاريخ عائلتها العريق، أما رباح بثقافته التقليدية الشعبية فهو متسلط بخيل لا يرى في ذلك أي خير بل إفساد للصبي. ساهمت وظيفة رباح ككاتب استدعاءات وقناعاته من كثرة الحالات التي مرت عليه والتي يتنكر الشباب فيها لآبائهم ويبيعونهم في ترسيخ نظرته تلك تجاه عزمي.

ينضم عزمي لدروس الشيخ الجنزير، ويلاحظ أنه لديه قدرة مثله على قراءة الرجال وما تخفيه أحاديثهم وأقنعة وجوههم، وأنه يبقى متماسكا أمام نقد الاخرين أو محاولاتهم النيل منه فيطلق عليه لقب "رمح الله". وفي احدى الرحلات الخارجية الى وادي اليرموك يكتشف الجنزير أن عزمي يخاف من المرتفعات. كما يجد أن لديه قدرة غريبة على تذكر تفاصيل ماضيه وكأنه مشدود بعلاقة ما مع ذلك الماضي لدرجة أنه يتذكر كل آلام طفولته منذ الشهور الاولى حيث يقول: "الحياة خشنة. لم أشعر بنعومتها الا في الاشهر الاولى من ولادتي". ومثلما تثير الاماكن العالية الخوف والهلع لديه فإنها تذكره بماضيه حيث كان يحس أن المسافة بين كتف من يحمله وبين الارض عالية جدا، فيشعر بالخوف حتى ينزل للارض مرة أخرى، وفي هذا اشارة مبكرة نكتشف أهميتها في الرواية فيما بعد حين نعرف أصل عزمي. عندها يمكن فهم الامور على أنه كان لديه قلق نفسي غامض واحساس فطري منذ الولادة بأن مصيره معرض للخطر في أية لحظة بين أيدي هولاء اذا عُرف السر!

يتعرض عزمي لموقف خطير حاولت فيه فتاة إغواءه ليزيد من مبلغ المعونة الشهرية لعائلتها وخططت هي ووالدها للايقاع به واتهامه بالاعتداء عليها لو رفض. ولكن موقفه النبيل في تخصيص مبلغ أكبر مما كانت تظن أو تتوقع جعلها تنهار وتعرف حجم الخطأ الذي ارتكبته. لقد أذهله تصرف فاتن الريشة فقال مقولة تختزل الكثير من المعاني في فهمه العميق للحياة: "تلك الفتاة آية في الجمال، لكنه جمال مهان. أهانته الحياة ونكلت بصاحبته التي لم تبد مهزومة أمامي إنما حزينة، وبين الحزن والهزيمة مسافات.. لقد رايت في عينيها حينياً متكسراً للفرح، فأحسست بفداحة الظلم الذي تمارسه الحياة على أبنائها." ويظهر واضحاً أن نظرة عزمي للفقراء وأصحاب السوابق فيها نوع من التعاطف فهم ضحايا البيئة والفقر والمساكن المكتظة. ولهذا لا نفاجأ كثيراً في نهاية الرواية من زواج عزمي منها.

كان موقف الجنزير طوال الرواية محيراً يتسم بالدفاع عن عزمي وتفهم طبيعة تصرفاته. ويحس القاريء أن هناك شيئاً غامضاً ما لا يعرف له سبباً يجعل من الجنزير متعاطفا معه الى هذا الحد. وفي نهاية الرواية يدرك القاريء السر وهو ما يبرر إحساس الجنزير تجاه عزمي لأنه في نهاية المطاف ابنه الحقيقي!

يستوقف القاريء موقف عزمي من زملائه تلاميذ المركز الذي يقول عنهم: "أحبهم لكنهم ليسوا أهلاً للاعجاب ولا للثقة، فهم مستكينون لفقرهم.. مستسلمون لما ستؤؤل اليه أحوالهم ويعتقدون أن الله خلقهم كي يكونوا هكذا" وهو ما يعكس نظرته للحياة واهتمامه بتحقيق أحلامه في الثراء والنفوذ حتى يصبح شخصية لها وزنها في المجتمع، لكنه يثير حسد زملائه بأعماله وأشغال المقاولات التي يأخذها ويثير الارتياب بتجارة التهريب التي يمارسها ويعطي الجنزير في النهاية سبباً للايقاع به عن طريق تأليب بكر عليه وابلاغ الشرطة عنه التي تنجح أخيراً بعد محاولات مضنية عديدة في القبض عليه.

لعل أفضل وصف لشخصية عزمي هو ما قاله خاله جبران: "لا يقول كل ما عنده! حتى أنني في الفترة الاخيرة لم أعد قادراً على تصنيفه أو تحديد وجهته، فتارة أرى فيه رجلاً متمسكاً بايمانه وأخرى متحرراً، ثم محسناً، فمغامراً، أو صعلوكاً، أو باطنياً، أو مشروع عاشق، أو مرتبطاً بعلاقات غير مفهومة مع أناس لا أعرفهم، وأخيراً على علاقة غامضة مع زوجة أبيه السابقة، سندس!"

اصبح رفض عزمي للزواج من سندس مؤشرا على التحول الفكري الذي أصابه، فبعد أن كان يرفض الزواج منها لأسباب شرعية لم يعد يذكر هذه الكلمة بل أصبح فيما بعد يقول لأسباب قانونية! وتتصف لقاءاته الاخيرة بها بالتوتر والعدائية. تخبره بالحقيقة المرة التي لا يصدقها اول الامر ويظن أنها من الاعيبها، فيأخذ مجموعة من الاطباء لفحص والده فتتأكد له الحقيقة التي تصدمه. وفي مشهد الكابوس الاخير للشيخ الجنزير يقول عزمي أن بدنه هو الحي وأن الجنزير قتله للدلالة أن روحه قتلت وأن الجنزير هو من قتلها.

الشيخ الجنزير:
لعل أفضل وصف للشيخ الجنزير هو الذي جاء ضمن سياق لعبة الاسماء الطريفة التي قام بها جبران كردٍ على ما قاله الجنزير حين وصف جبران أبو بصير بأنه أبو بريص للاشارة الى أنه متسلق كالسحلية، فقلب جبران اسم الجنزير فصار الخنزير! ثم ضحك وقال: "الغريب أنك متدين، مع أن الخنازير لا تستطيع النظر للسماء."

يمثل الجنزير الصورة المقيتة لاستغلال قناع التدين في تقديم صورة خادعة عن الذات للآخرين في سبيل تحقيق رغبات النفس السوداء وأحلامها المريضة ومخططاتها التي تقوم على استغلال الاخرين من خلال تضليلهم ليكونوا ضحايا الغايات الشريرة بينما يحتفظ صاحبها بذات الوقت بصورته النقية الايمانية التي يرى فيها الناس قمة الخير والفضيلة.

يبدو الشيخ الجنزير في النصف الاول من الرواية شخصية في غاية الورع لا يتحدث سوى بلغة القران وقد أدى الحج ما يزيد عن سبع مرات والعمرة ثلاث عشرة مرة. بلغ الخامسة والثلاثين في السنة التي وقعت فيها حرب تشرين عام 1973. وتنتهي الرواية وهو في السابعة والستين من العمر. توحي تفاصيل بيته التي يرويها بأجواء الاولياء الصالحين وأصحاب الطرق الذين يلجأ لهم الناس لفك أعمال الجن والسحر.

يمارس الجنزير اشباع رغباته من خلال ممارسة علاج النساء بالطرق التقليدية في أجواء من الدخان والبخور والنحاسيات والخلطات واستخدام طرقه في التأثير على النساء من خلال إثارة أجسادهن باسم المداواة او ايهامهن بقدراته الذكورية. وهو رجل مزواج حيث تقدمه الرواية أنه متزوج من إثنتين. وقد استطاع إغواء وتطليق حليمة زوجة صديقه الشيخ حميد خلال مداواته له فتزوجها. ولا يكتفي بذلك بل يريد الزواج من سندس ولكنها بقيت ترفض حتى حطمت غروره واصابته بالاحساس بالوهن والانكسار.

ورغم أن الشخوص الاخرى يذكرون الشيخ الجنزير كشخصية أساسية في الاجزاء التي يروونها بالاضافة الى الاجزاء التي يرويها هو ، الا أننا لا نرى أي وصف لملامح الجنزير الا في مرحلة متأخرة نسبياً في جزء ترويه سندس. ولكنها فيما بعد تدرك حقيقة شخصياته المتعددة والاقنعة التي يضعها "وقد راعني أن الشيخ استعاد بسرعة عجيبة نظرته الوقورة السمحاء وملامح الكهل الحاني الذي توحي هيئته بالثقة والاستقامة".

تقدم الرواية صورة رمزية في لنقد الفكر الديني المشبع بنظرية المؤامرة واستغلال التفسيرات الغيبية الميتافيزيقية في تفسير الظواهر، فقد استطاع الجنزير تحويل النظر عن الفساد المالي في المركز في السنوات الماضية الى مسألة استيلاء عزمي على التبرعات في تلك السنة فصار الكل غاضبا منه حاقداً عليه! وهنا يلاحظ أن تأثير الجنزير الواضح على تفكير أتباعه فهم مشبعون بفكرة المؤامرة ضد الاسلام، ويحقدون على عزمي لأنهم يتصورون أنه يأخذ أموال المسلمين! ولكن يعرف عزمي في قرارة ذاته أن أستاذه الشيخ الجنزير ليس بالايمان والهالة التي كان يظنها عندما رآه في غرفته بالفندق في إحدى جولات جمع التبرعات من المسلمين في لندن وهو يخبأ نصف المبلغ لنفسه!

للجنزير طريقة في التقرب من الاخرين مهما اختلفوا معه. ففي الظاهر يبدو معادياً ومتعصباً ضد أصحاب المباديء الماركسية وغيرها، ولكنه يوظف كل علاقاته لمصلحته وزيادة نفوذه. ونلاحظ ازدواجية شخصية الجنزير فهناك وجه متشدد متطرف متمسك بالمباديء يظهر للعامة ويتخذ من المظهر الخارجي وسيلة لترسيخ هذه القناعة لدى الاخرين، ووجه داخلي لا يعرفه سوى من يلتقي بهم في مزرعته.

يعقد في مزرعته لقاءات دورية تجمع عدداً كبيراً من أصحاب القرار ورجال الاعمال والسياسيين من مختلف الاتجاهات. وهكذا تصبح المزرعة أشبه بصالون سياسي تدار فيه الاحاديث والاشاعات وتصنع فيه المواقف والقرارات وتتشكل القناعات في اشارة ناقدة للدور الغائب للمؤسسات السياسية والاحزاب الذي تعوض عنه المزرعة. ونلاحظ الصراع الدائم والمناكفة والمزاح المثقل بالاشارات بين الشيخ الجنزير وبين جبران. ونرى مقدار تشفي الجنزير بجبران بعد سقوط الاتحاد السوفياتي الى درجة أنه اتصل به ضاحكاً ليقول له "غلبناكم"!

يمتلك الجنزير عقلية محترفة تتقن التخطيط والاستفادة من قدرات كل من حوله في مشاريعه المستقبلية. ولهذا تجده يجمع حوله تلاميذ ذوي ميول واتجاهات وقدرات مختلفة بهدف استغلال كل واحد منهم في المجال الذي يتقنه عند الحاجة! يقول عن بكر الطايل: " آثرت الاحتفاظ به في قبضتي لأمر في نفسي"!

يتباهى الجنزير بقدراته الذهنية والفكرية واللغوية، ويعتقد أن مهارات الجمع بين الاضداد ومسايرة التوجه العام ظاهريا والاستفادة من كل الفرص في الخفاء هي التي تمكنه من النجاح والوصول. ويقول في هذا الصدد حول نظرته للحياة: " الحياة سهلة ميسورة في ظاهرها، لكنها معقدة في باطنها، وبين الظاهر والباطن توجد منازل الناجحين من الناس، لأنهم يرون الظاهر ويعرفون الباطن. يكفي أن يدخل المرء في روع الاخرين أنه مقتدر وممتد ومتنفذ حتى يلتفوا حوله، ويصير نافذاً من خلالهم هم وسواهم. لكن هذا لا يتسنى لكل الناس ، فهو نتاج نادر ونفيس لعصارة العقل المتوقد."

شخصيته منغلقة ذات براءة خادعة مثل عزمي الوجيه. إلا أننا نرى هشاشته وضعفه في فشله في السيطرة على سندس أو عزمي. بل إن سندس تصوره بأنه "صار أشبه بتنين هرم ينفث آخر ما تبقى في جوفه من لهيب". وفي فصل متأخر من الرواية نرى الشيخ الجنزير في جو صوفي مع تلاميذه مع ما يصاحبه من دروشة لكي ينسى رغباته وتعلقه بسندس ، ولكنه يشعر بالضعف والهزيمة فيسقط على الارض بين تلاميذه في مشهد رمزي بالغ المعنى يدل على سقوط المثل الاعلى الذي كانوا يرونه فيه، وسقوط النموذج الروحي الذي كان يحاول إظهاره للناس. لم يكن أمام الجنزير الذي بدا يائسا مهزوما منكسرا سوى الوشاية بعزمي فهو كما يقول خانه وعليه ان يدفع الثمن. ولعل صورة المشهد الكابوسي الاخير الذي تنتهي به الرواية دليل على سقوط نموذج شخصية الجنزير وما ترمز اليه حيث يبقى هاجس عزمي يطارده ويقض عليه مضجعه ويتحول الى كابوس يلاحقه.

جبران:
يمثل جبران أبو بصير المعارض والمناضل اليساري الذي يتخلى عن ماضيه وأفكاره وقناعاته ، وإذا كانت لا تموت القناعات كما يقول ، فانها تقبع خاملة ميتة في زوايا الذكريات. ويتحول جبران الى الاهتمام بطموحاته الشخصية وأسلوب حياته وسعادة أسرته بعيداً عن هموم الاخرين ومعاناتهم ويصبح مركز إهتمامه هو تجارته وأحلامه السياسية في الوزارة، ويتولى طوال الوقت تبرير نمط حياته الجديد الذي يتصف بالترف والتقليد والزيف بأنه من حق الانسان التمتع بالحياة ولكن فضول الناس يحرمه من هذا الحق!

يعتقد الناس وخاصة رباح الوجيه زوج شقيقته ، جليلة، أن جبران قد وجد كنزاً مدفوناً من الذهب في جبل الجوفة! ولهذا باع تاريخه وانتقل للعيش في جبل عمان وتغيرت طباعه رغم أنه أشبع الناس كلاما فارغاً عن الفقراء كما يقول!

في حديثه عن نفسه يروي جبران أنه تعرف على زوجته رابعة خلال احدى الندوات الادبية وقد أعجب بها لأنها تملك مقدمات ثقافية ولكنه وجد بعد الزواج أن اهتماماتها الثقافية قد فترت. ويمكن ملاحظة التغير في تفكير رابعة وأسلوبها الحياتي الذي يعكس هوساً بالنمط الاستهلاكي الغربي والغاء كل المظاهر الشعبية العفوية في علاقاتها بالجيران والنساء.

ينحدر جبران من عائلة ميسورة فأبوه كان تاجرا للاخشاب الذي خسر تجارته وأمه من اسرة عثمانية عريقة. يكتشف جبران بالصدفة أن والده ترك وراءه قطعة أرض كبيرة على طريق المطار لم يكن يعلم أحد عنها شيئاً، فباعها واستغل حصته وحصة أخته جليلة التي أعطته اياها ليستثمرها معه خوفاً من أن تقع بيد زوجها فيبذرها.

وفي خضم حصار بيروت في بداية الثمانينات وحين كان المزاج العام ثائراً ، ورغم أن عدداً من رفاقه اتصلوا به للمشاركة في تظاهرة ضد الحصار، إلا أنه تظاهر بالمرض لعدم المشاركة ومضت ايام طويلة لم يعرف الناس أين ذهب حتى خرجت اشاعات تقول أنه كان يمد المقاتلين بالمؤن مقابل مبالغ مالية كبيرة وهذا ما يفسر سبب ثرائه في حين أن الحقيقة كما يرويها من وجهة نظره أنه كان مشغولا بمتابعة الارض التي ورثها عن أبيه!

يصف جبران سنوات الانتماء السياسي بأنها كانت سنوات إنهاك ومعاناة حقيقية لا تنمحي من الذاكرة ، بل تبدو عبئاً على الحاضر تلقي بظلالها عليه وتعكر صفوه! ويبدو واضحا أنه يسعى لنسيان ذلك الماضي لكنه يستعصي عليه فيعيش صراعا بين ماضيه وحاضره ولكن تصرفاته وتطورات الاحداث فيما بعد تبين أن الماضي صار مجرد ذكريات لم تمنع صاحبها من ارتكاب كل الموبقات باسمها!

يظهر جبران في الرواية بمظهر الهاديء العقلاني الذي يتسم بتفكير منطقي يبرر الاحداث ويتفهم الدوافع .. "من حقه أن يقطف ثمار ما تطاله يداه في هذه الحياة" وكأنه بذلك يبرر لنفسه التحول الذي حصل في أفكاره وأسلوب حياته بشكل جذري نحو "الواقعية". ورغم أن جبران يحن في بعض الاحيان الى قناعاته القديمة ويحاول التشبث بها من خلال رفضه لبعض تصرفات زوجته في اقتناء قط شيرازي أو ممارسة الرسم إلا أنه يهادن ويقبل الامر الواقع، بل إن من السخرية أنه في نهاية الرواية عندما يفقد منصبه الوزاري لم يجد سوى القط "سنزي" ليسلي به وحدته!

تتكون لدى جبران قناعات راسخة هي بحد ذاتها نقد مباشر لمظاهر الحياة السياسية. فهو يرى أن اليساري او القومي يبقى محسوباً في نظر الاخرين على ذاك التيار طول عمره حتى لو اصبح من اركان الحكومة! وهكذا يصبح الماضي عبئاً لأن الناس تحاكم الشخص على ماضيه أكثر من حاضره!

يتبدى للقاريء الجوانب المشتركة في تفكير جبران والشيخ الجنزير رغم اختلافهما الايدولوجي الظاهر. فهما يتغاضيان عن خلافاتهما حين يكونان معا في المزرعة كنوع من المهادنة السياسية من أجل تحقيق مصالحهما ويظهران الخلاف والتباين امام الاخرين! يسعل كل منها لتحقيق رغباته وأهدافه الشخصية بكافة الوسائل النفعية والباطنية مع المحافظة على صورة معينة تستند الى الماضي أمام الاخرين.

في الجزء الاخير من الرواية حينما يبلغ الستين من العمر يواصل تبرير منجزاته ويعتقد أنه في أوج العطاء والحكمة لاقناع ذاته بأنه ما يزال له دور مهم برغم التحول الجذري. ولا نفاجأ بعد كل هذه التحولات التي طرأت عليه حينما يعترف أنه نال من ملذات الحياة الكثير وجمع ثروة هائلة الى حد "تخمة الترف". ورغم أنه يزعم أنه لم يكن يؤمن بكتابة المذكرات في هذه السن وأنه لا يرغب في تسلم حقيبة وزارية، إلا أن المفارقة تبدو جلية حينما يختم آخر جزء له بالحديث عن أنه يبحث عن ناشر لمذكراته! بعد أن استقال من الوزارة بسبب القاء القبض على عزمي مختبئاً في فيلته وتيقنه بعدم إمكانية العودة الى الوزارة مرة أخرى!

توظف الراوية مشهدا رمزيا بالغ الاهمية بنوع من السخرية يتمثل في الجلسة الصباحية بين جبران وزوجته قبل أن يصبح وزيرا يتمثل في قراءتها في فنجانه وهو ما يسميه الفنجان السياسي. وهو بذلك يتهكم على ما يجري على أرض الواقع حيث يصبح الاستيزار حلم الجميع وكأنه مسألة حظ ووقت!

مما يلفت النظر أن جبران تطرق مرتين في بداية ظهوره وقريبا من آخرالرواية الى مسألة سجنه في السبعينات بسبب مواقفه وانتمائه السياسي بشكل عابر كمرور الكرام، ولكنه لا يتطرق الى الحديث عن تلك الفترة نهائيا رغم أنه يتحدث بالتفصيل عن ماضيه وعن معاصرته للتحولات التي طرأت على المدينة!

ربما يكون جبران واقعيا الى حد مدهش حين وصف الجوانب النفسية التي يمر بها المعارض حين يصير وزيراً بقوله: "إن أول ما يلفت انتباه المعارض حين يصير وزيراً هو تلك الحيل النفسية التي تتكاثر وتتوالد لتخلق لديه يقيناً بأنه يستحق الوزارة بعد تاريخه النضالي الطويل". وهنا ترصد الرواية بشكل دقيق وطريف التغيرات اللفظية والنفسية والاجتماعية والخارجية التي يمر بها المعارض حين تغريه مناصب السلطة. بل إن جبران يمارس الفساد الذي كان ينتقده فقد توسط لشقيق زوجته ليصبح رئيس ديوان إحدى الدوائر شبه الحكومية!

مما يثير الانتباه هو هذه النهايات البائسة المنكسرة المهزومة التي تجد كل الشخصيات الرئيسية في الرواية أن مصيرها قد إنتهى اليها وهذا هو المصير الذي ينتظر الذئاب عندما تشيخ ولا تعود قادرة على اصطياد أو إمساك فريستها!

* لوحة غلاف الرواية أعلاه للفنانة العُمانية نوال بنت سعيد أحمد عتيق

2009/04/15

أوراق ذابلة


أوراق ذابلة

اياد نصار

كالطفل ِ كان القلبُ في هواكِ
يفرحُ .. يضحكُ ويبكي
تحملهُ يداكِ
فيسكتُ وعلى الوجهِ ابتسامةٌ
من رضاكِ
تهدهده أشعارُك فيغفو،
تداعبه همسةُ الحبِ من شفتين
تمرُ ناعمة ً كنسيمِ صِباك
ملولٌ ينامُ ويصحو
يركضُ اليكِ .. تبتعدين في المدى
كسرابٍ..
كطيفٍ
هيهاتَ أن يراكِ


يا لبرودة القلبِ .. قلبـِكِ
أكنتِ تفرحينَ لعذابي
وانطفاءِ روحي
ببعدكِ؟
كم كان يعتصرني
من حُرقةِ الوجدِ بكِ
الاسى وأنتِ تزيدين في
احتراق ِ شبابي


صلّى القلبُ في معبدِك
صلاتَه الاخيرة ْ
وبكى من لوعتِهِ شوقاً
فترقرقتْ دمعتُه
وذبلتْ زهرتُه
النضيرة ْ
تنهّدَ القلبُ حسرةً
ثم ارتحلْ
أين مني يداك الحانياتُ
أين ضاعت ذكرياتٌ ماضياتٌ
وأملْ
هواكِ كان مطرَ الحياة
لاوراقي الذابلة ْ
ما عادت أمطارُ الشتاءْ
تهطلُ كلََّ بياتْ
ما عادت تعبرُ من سمائي
نجومُكِ الآفلة ْ
صيفُكِ قيظٌ طويلٌ بلا انتهاءْ
اصفرّتْ أوراقي
وتمايلتْ بلا لحنٍ أو غناءْ
معلقة ً في مهبِّ الريحِ
وحينَ يأتي أجلُ الدمعِ
ستسقطُ من بعد طول ِ جفاءْ


أسلمتُ القلبَ لوجعهِ القديم
لحزنهِ الابديّ
لارتعاشته الواهمة ْ
وانكساراتِه المتراكمة ْ
وشهقت جروحي زرقة ً
في اخضرار عينيك الآثمة
آه كم قتلتني وعودُك
التي لا تأتي
هل ترين في عيني
أيَّ سُهدٍ وجمرٍ لأحلام ٍ
نادمة ْ؟


كم ظننتُ أنّ الحبَ يدومُ
فصنعتُ لأهدابِ عينيكِ
سماءاً كلها نجومُ
ومن شعري وورودي
أزهاراً لحُمْرةِ خدّيكِ
ما كنتُ أحسبُ أن الفؤادَ
بلا أملٍ يرومُ
هواكِ
آه حينَ لا ينفعُ رجاءٌ
لديكِ
ولا بقايا من رماد تقومُ


قالتْ لي ساحرةٌ
وهي ترى في القدحِ
بقية ً من حزنٍ
مستحيلْ
طيفُك منفيٌّ وراء نافذةٍ مغلقة
مصلوبٌ على الجدران
كالقتيلْ
وتراءتْ صورتُها كسرابٍ
على دربٍ طويلْ
ورأيتُ قطرةً من دمكَ
في القدح تسيلْ
آه كم أدمتْ قلبكَ
أما آن للقلبِ الرحيل؟

* اللوحة أعلاه بعنوان اطار ذهبي للفنان البحريني خالد التهمزي، 2002

2009/04/10

محمود الريماوي.. بين الصحافة والادب


محمود الريماوي.. بين الصحافة والادب
قصص تعيد اكتشاف عمق تجارب الحياة اليومية بنزعة تأملية


بقلم: اياد نصار


محمود الريماوي كاتب قصة مخضرم وصحافي سياسي من طراز مهذب رفيع يعرف كيف يوصل فكرته الى القاريء بهدوء دون تهويل أو ضجيج. منذ أربعين عاما حينما إنطلق من الصحافة في بيروت وهو يكرس قلمه للقضايا العربية وفي طليعتها القضية الفلسطينية ولم تسرقه الصحافة من عشقه الادبي للقصة القصيرة التي أصدر منها لغاية الان تسع مجموعات قصصية كان آخرها مجموعته المعنونة "رجوع الطائر" التي أصدرها صيف عام 2008. إنه واحد من الاصوات الحاضرة المشاركة بفاعلية في كل النشاطات الثقافية برغم انشغالاته اليومية. في آخر مؤتمر لجمعية النقاد الاردنيين والذي عقد في المركز الثقافي الملكي في عمان في الصيف الماضي حول واقع القصة القصيرة في الوقت الراهن، قدم رؤيته حول القصة وتحدث عن تجربته الطويلة فيها. واعتبر أن لا خوف على مستقبل القصة القصيرة من الدعوات التي تدعو الى إعلان وفاتها تحت تأثير مزاحمة الرواية لها. وقال إن الصحافة لها شهية كبيرة للقصة وتعطيها دفعة للامام ، وعالم القصة يخلق طبيعة مكثفة متكاملة تدعو الى إعادة رؤية الأشياء بعد نزع الرتابة والألفة عنها.

محمود الريماوي يكتب القصة بشهية كبيرة ويجد نفسه فيها أكثر لأن كتابتها تقوم على التكثيف وليس على الإفاضة. ويعلن ولاءه للقصة بقولته "عندما أشعر بأن كتابة الرواية حياة أو موت قد أعمد إلى كتابة الرواية"! في عالمه القصصي المتنوع تبرز المسحة التأملية والنزعة الفلسفية الاخلاقية التي تعيد اكتشاف تجارب الحياة المختلفة ويومياتها "المأساوية" التي تنتهي بالخيبة أو التشاؤم ولكن لا تخلو من لذة الاكتشاف ومتعة الغوص في عمقها بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والفنية والاقتصادية والفكرية والأسرية. وعالمه ملون واسع يمتد الى آفاق أرحب وليس يعج بالبشر وحسب، بل مليء بأجواء الموسيقى والشعر والصحافة وبالاشجار والأسفار والبحر والطيور والحيوانات التي يستنطقها ويراقب حركاتها وسكناتها ويتعلم منها برغم تجارب مشوار الحياة لأنه ما يزال هناك لديها بقية لتقوله، ولأنه يكتشف فيها ما لا تراه سوى عين القاص المتأملة بنظرات فلسفية نفسية عميقة، كأنه بافلوف في أبحاث الاشتراط النفسي.

يكتب القصة من واقع تجارب ومشاهدات وانطباعات الحياة اليومية العادية ولكنه يعرف كيف يلتقط اللحظة التي يسقط عليها أبعادها الرمزية ويحولها الى خبرة حياة أو الى درس في فن العيش الذي يرهف السمع ويحدق النظر في تفاصيل صغيرة وينقلها للقاريء ببراعة قلمه ومشاهداته الادبية. تستحضر قصصه أحيانا أسلوب تشيكوف في أحداثها البسيطة العادية التي يرى فيها ما يستحق الكتابة عنه. في قصصه مفارقات متعددة وسخرية لمّاحة. ففي قصته التي منحت المجموعة إسمها وهي "رجوع الطائر" نلاحظ النزعة الانسانية التي تستقريء معاني الحياة والحرية وتحدي التفاهم والصراع مع الاخر والرأفة ومعطيات الجمال والتنوع الثقافي واعادة اكتشاف دهشات الطفولة وتشكيل واقع الحياة بكينونات جديدة. تتألف القصة من ثلاثة عشر جزءاً قصيراً تفتتح مشهدها بقدوم كائن غريب جديد يحدث مفاجآت وردات فعل مختلفة في جو آمن فيه من الاعتياد والرتابة. وهكذا يصبح الببغاء القادم في قفص بألوانه الصفراء المزركشة بالاسود محط إهتمام الجميع في البيت ما بين القبول والرفض. موقف يستدعي التوقف والتأمل فهو ليس كائناغريبا كما يبدو للاخرين بل إن وجوده أساسي كأسلوب حياة في ثقافات أخرى. وهكذا يمنح الببغاء بمقتضيات متابعة أمور معيشته وإطعامه اليومية اضاءات واسعة في الفكر حول قيمة الاخر واستراتيجيات تعاملنا معه وقيمة عالم الطيور والحيوانات وحتى اختيار الاسماء، مثلما يطرح استجابات الابناء والزوجة المتناقضة التي تحمل معاني متعددة. ولكن الزائر الغريب الذي كان من المفترض أن يكون مصدرا للفرح يتسبب في إحداث نوع من الخوف حين تنتشر أخبار انفلونزا الطيور، فيتعرض الى حملة عدائية كبيرة ويصبح الاب في موقف لا يحسد عليه لكنه يستمر في انحيازه لحب الطائر ودفاعه عنه. وفي النهاية يتسبب في انشقاق بين الاب والابن الذي يهدد بقتله مما يشكل دعوة لاعادة التفكير بمكانه الطبيعي: الحرية والتحليق في بيئته الاصلية. وعندها تتبدى قيمة رجوع الطائر في مشهد رمزي لاطلاق سراحه بعد أن وفر تجربة حياة جديدة للاسرة.

ولد محمود لطفي الريماوي في بلدة بيت ريما القريبة من رام الله في الثاني من شهر تشرين اول /اكتوبر من عام النكبة 1948 الذي شكل هاجساً رئيسيا بالنسبة له فقد تفتح وعيه مبكراً على مأساة شعبه ورافقها يكتب عنها في كافة مراحلها وصورها من التشرد واللجوء الى الثورة والمقاومة والانتفاضة وتأكيد التمسك بالارض والهوية في كل مراحل حياته من أريحا الى بيروت الى الكويت الى عمان. عاش أغلب طفولته في مدينة أريحا قبل النكسة عام 1967 ثم درس اللغة العربية في جامعة بيروت العربية كما عمل صحفيا في بيروت لمدة سنتين خلال الفترة 1968 – 1969. انتقل بعدها للعمل في الكويت في الصحافة خلال الفترة 1973 وحتى عام 1987 حينما أبعد عنها. مارس العمل الصحفي كتابة وتحريراً وساهم بمقالاته وزواياه في العديد من الصحف والمجلات السياسية والادبية خلال تلك الفترة. عاد في عام 1987ليستقر في عمان وليتابع نشاطه الصحفي والادبي حيث كان يكتب عمودا يوميا في جريدة الرأي ولسنوات عديدة تحت إسم "رأي عربي". كما رأس تحرير صحيفة المشرق الاعلامي وعمل في فترة سابقة مشرفا لملحق "الرأي" الثقافي . ومنذ عام 2007 فقد أختير ليكون رئيس التحرير المسؤول لصحيفة "السجل" الاسبوعية التي تصدر عن دار المدى للاعلام .

كرس الريماوي جانبا كبيراً من كتاباته لطرح معاناة الشعب الفلسطيني وبقي يواكب تطورات الاحداث في مقالاته التي أجمع العديد من الكتاب والقراء بمستواها الرفيع في تحليل الاحداث وابراز خفاياها وقراءة واستشراف المستقبل. كما كرس جزءا كبيرا من كتاباته لطرح قضايا الانسان العربي المعاصر في الحرية والديمقراطية وبناء مجمتع فاعل يساهم في صياغة مستقبله فيه بفاعلية. كما كرس جانبا كبيراً من قصصه القصيرة لطرح هموم ومعاناة الانسان الفلسطيني الذي تطحنه ذكريات التشرد والنفي والشتات والواقع الفلسطيني المتشرذم كما يقدم صورا بانورامية من واقع المجتمع الفلسطيني في أماكن وأزمنة مختلفة من تاريخ القضية.

أصدر تسع مجموعات قصصية لغاية الان حيث صدرت مجموعته الاولى في عام 1972 عن وزارة الثقافة والاعلام في بغداد وكانت بعنوان العربي في صحراء ليلية وآخرها "رجوع الطائر" عام 2008 التي تحدثنا عنها. كما صدرت الاعمال القصصية الكاملة في عام 2002 في عمان عن وزارة الثقافة الاردنية. ومن الجدير بالذكر أنه حصل على جائزة فلسطين للقصة القصيرة عام 1997. محمود الريماوي عضو رابطة الكتاب الأردنيين، ونقابة الصحفيين الأردنيين، واتحاد الصحفيين العرب ، واتحاد الكتاب والادباء العرب.

مؤلفاته في القصة القصيرة:
1. العربي في صحراء ليلية (قصص قصيرة)، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد 1972.
2. الجرح الشمالي (قصص قصيرة)، دار ابن رشد، بيروت، 1980.
3. كوكب تفاح وأملاح (قصص قصيرة)، دار الكرمل، عمان 1987.
4. ضرب بطيء على طبل صغير (قصص قصيرة) دار الثقافة الجديدة، القاهرة 1990.
5. غرباء (قصص) ، وزارة الثقافة، عمان 1993.
6. القطار (قصص قصيرة) المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، عمان 1996.
7. شمل العائلة (قصص قصيرة) المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2000.
8. لقاء لم يتم (مختارات قصصية)، أمانة عمان الكبرى، عمان 2002.
9. رجوع الطائر (قصص قصيرة)، دار فضاءات للنشر والتوزيع، عمان، 2008.

بالاضافة الى اصدارات تشتمل على نصوص أخرى:
- أخوة وحيدون (نصوص) دار أزمنة، عمان، 1995.
- كل ما في الأمر (نصوص) دار أزمنة، عمان، 2000.

* اللوحة أعلاه للفنان الفلسطيني عبدالهادي شلا بعنوان "لمن الازهار؟"

2009/04/08

ولادة قصيدة


ولادة قصيدة

قصة قصيرة
بقلم اياد نصار


لقد مضت عليها سنوات طويلة. ولكنها تعود من النسيان كلما قال أحد أنه كتب قصيدته الاولى. في تلك السنة التي التقت فيها نظراتنا، كانت النار تشتعل في كل مكان وعلى كل جبهة. لم يكن القلب في سكون واستعداد لخوض فصل جديد من حلم نعرف أنه لن يدوم طويلاً. كانت ابتسامتها الخاطفة الباهتة كافية لتحرك شيئاً غامضاً في الأعماق، أو تبعث الإحساس بوخز ناعم في داخلي. ولكنها لم تكن سوى لحظات عابرة تتلاقى فيها العيون .. ابتسامات باهتة متبادلة.. خفقة في الصدر .. صمت. ثم ينتهي كل شيء. بمجرد ابتعادنا في زحمة الآلاف الذين يبحثون عن أحلامهم بين تمرد خجول وبين خواء عاطفي مزمن سرعان ما كنت أنسى التفكير بها.

ممر مزدحم ضيق ذو سقفٍ عال في آخره يقع مكاننا المفضل. مطعم صغير معتم في سقفه ثريات صغيرة ينبعث منها ضوء أصفر يقع على طالاوت خشبية مصقولة لامعة فتبدو بعض ملامح وجوه الجالسين. شاب وصديقته يحتسيان قهوة ويدخنان سيجارة. شابان وفتاتان فردوا بعض الكتب والأوراق أمامهم. نقاش خافت يدور بينهم تتخلله ابتسامات تعلو أحيانا فيكتمونها بسرعة. وفي آخر الصالة الى اليسار جلس جابر وجمال. ألقيت الكتب جانباً وسحبت كرسياً وجلست. جابر يدخن سيجارته بأناقة كالمعتاد.. ينظر بعمق الى جمال وهو يتحدث عن صديقاته. جابر كثير الصمت والتأمل ونادرا ما يتكلم. اذا تكلم، ترى في حركات يديه طرازاً رفيعاً لمفكر يتقمص الدور ببراعة. يضحك أغلب الوقت لأبسط التفاصيل ويصغي بانتباه بالغ. لا تثيرني قصص جمال الغريبة عن صديقاته. جمال مقتول من الداخل. لا يستهويه المكان ولا الدراسة. منعزل عن الاخرين. كنت أستغرب كيف أصبح صديقاً لنا. ربما كان تمجيدنا للقصص التي بدأنا نقرأ عنها من عالم العزلة والمعاناة وقصص الحب الفاشلة هو السبب! ما زال جمال يقتات على ماضيه. كل القصص التي يرويها لا تمت للحاضر بصلة.

توقف جمال حينما وصلت. يبدو أنه وصل نهاية المغامرة! استخرج جابر ورقة من جيبه. قال إستمعا أريد رأيكما بها. أخذ جابر يحضرنا نفسياً لاستقبال قصيدته. قال بابتسام: "هناك دائماً قصص وإشارات وأساطير. أصغيا باهتمام. لا أريد أن تقولا لي جميلة. لا تهمني مفاهيم الجمال". أعرف جابر لا يحب شوبنهاور! يغريه نيتشه في تمجيده للقوة التي لا ترى مكاناً للضعيف فيها. لكن جابر لا يحب الشهرة ولا يطيق جماعات البشر الكثيرة. لا يحب أن يلفت اليه الانتباه، ولكنه يظن أنه أديب عظيم لا بد أن يعرفه العالم يوما ماً ولو بعد موته بقرون!

قرأ جابر قصيدته الانجليزية بلكنة واضحة متمكنة. من يسمعه يتكلم بها يظن أنه أنجليزي أباً عن جد وليس إبن فلاح بسيط لم يغادر خارج حدود قريته في سنوات عمره كلها! أذهلنا بالايقاع في قصيدته. لم نفهم منها شيئاً كثيراً ولكنها بدت جميلة متناسقة. بعد أن إنتهى من الالقاء سألنا عن رأينا فضحكنا وقلنا كم: هي محظوظة لتبقى تكتب لها وهي بعيدة! إبتسم ولم يقل شيئاً. سألنا عن مغزى صورة تعبيرية فيها ليعرف إن كانت براعة تأليفه واضحة! فلم نستطع جواباً! زمّ شفتيه إمتعاضاً.. ثم ضحك وقال أعرف أنكما أغبياء ولكن ليس لي سواكما ليسمعاها!

في الخارج كان الجو ينذر بالترقب وكانت العيون تنتشر من حولنا في كل مكان. رسائل الاستدعاء والتحقيق تصلنا بشتى الطرق. حرب خفية تدور من حولنا. النشرات الخضراء أو الحمراء توزع سراً. دعوات للاعتصام والاحتجاج تضعها أيدٍ على اللوحات. تمتد أيدٍ أخرى اليها فتمزقها قبل أن تتجمهر حولها العيون! الصراع على أشده. إحساس بالعجز والخيبة يطغى على الوجوه. لكننا نحن ما زلنا في أجواء نيتشه وشيلي وكيتس! في تلك السنة في فصل الشتاء حين كان المطر يهطل خارج النافذة إكتشفنا أنشودة المطر ومنزل الاقنان!
يتحدث جابر دائماً عن إمرأة يحبها ويكتب لها قصائده..إمرأة مختلفة كما يقول. عرفناها من قصائده من غير أن نراها. رقيقة حزينة تعشق الشعر والموسيقى. كنا نستغرب حديثه الدائم عنها ولم نرها معه ولا مرة. وذات يوم اتفقت أنا وجمال أن نعرف السر! قلنا له بصوت واحد: لا داعي لتأليف قصص الحب! نعرف أنها مختلقة لأجل الشعر ليس الاّ! فغضب واعترف! "إسمها سجى. عرفتها منذ الصغر عندما كانت تسكن في الجوار. سافرت الى بريطانيا مع أهلها قبل أربع سنوات، لم يعد بيننا سوى الرسائل. لكنني أحبها".

سرحت بأفكاري قليلاً. تذكرت نجلاء ونظراتنا اليومية العابرة وابتساماتنا الباهتة. أكثر من سنة تتلاقى عيوننا ولا نجرؤ على تبادل الكلام. نجلاء خجولة تحب العزلة ولا تشارك أبداً. نادرا ما سمعتها تتكلم. ولكن في المرات النادرة التي تتكلم بها، فإن صوتها ناعم خفيض. لم تكن تثير انتباهي ولا أظن أنني كنت أثير انتباهها أول الأمر. ثم بدأت تتلاقى النظرات بعد ذلك من غير أن تبدو على وجهها أية إشارة. بعد فترة بدأت أشعر باهتمام غامض في عينيها ولكن لم يكن لدي جرأة سوى نظرات خاطفة!

أشعلت أحاديث جابر عن سجى حنيناً في داخلي. أحس به ولكنني لم أبح به لهما. ماذا سأقول؟! هل أحكي لهما عن نظرات خاطفة؟ هل أحكي عن مجرد ظنون أسميها حباً؟! لا بد أنهما سيسخران مني وربما يصير الامر موضع تندرهما الدائم. ولكن إهتمامي بنجلاء إزداد وصرت أفكر بنظراتها. لكني كنت متردداً وخائفاً من ردة فعلها.

في تلك الليلة اتصل بي جابر وقال إنه قد كتب بعض القصائد ويريد أن يسمعني اياهم. أعددت المكان في غرفتي الصغيرة. حضرت الشاي وموسيقى موزارت التي يحبها. كان لدينا حاكي قديم وبعض الاسطوانات التي اشتراها أبي ذات يوم من صديق لبناني كان يسكن في بنايتنا. كانت غرفتي في التسوية تحت الارض، ولكن جهة الشباك فيها مرتفعة عن سطح الارض. في النهار تمتد الاعشاب والحشائش الخضراء التي تملأ البستان أمامي. وفي الافق البعيد تبدو جبال عالية متصلة مثل لوحة فنية.

في تلك السهرة رأيت جابر العاشق والشاعر والفيلسوف كما لم أره من قبل. كان فيه عينيه قلق واضطراب. كان مثل "هاملت" في مناجاته ولحظات جنونه وهدوئه التأملي. رأيت فيه كل تناقضات العالم: القوة والضعف، والحياة والموت، والناس والعزلة، والرقة والجبروت المتعالي، وحب الذات وإيثار الاخرين. ولعله صار صديقي لأن فيه كل هذه المتناقضات! لطالما سألت نفسي إن كان يعشق صديقته أكثر من شعره أم يعشق شعره أكثر لأجلها. تحركت مشاعر غامضة في قلبي. فكرت في نظرات نجلاء وابتسامتها الخجولة.

شعرت بالغيرة. قررت في تلك الليلة أن أكتب قصيدتي الاولى. لم أكتب الشعر في حياتي قبلا ولكن الشعر كما يقول جابر لا يحتاج أكثر من عاطفة متقدة. بقيت طول الليل أفكر كيف أبدأ قصيدتي. صرت أكتب وأحذف، ثم أكتب مرة أخرى ثم أمزق الورقة! لا أذكر كم مزقت أوراقاً ولكنني أذكر أنه لم يبق سوى وريقات قليلة في دفتري. بقيت سهراناً طوال الليل وأنا استكشف العاطفة التي أحسست بها داخلي، وألملم أطراف عباراتي. وفي النهاية ولدت قصيدتي الأولى. شعرت بالسعادة لهذا المخاض. ستكون نجلاء سعيدة بها. شعرت بجرأة غير عادية تجتاحني.

في الصباح بعد أن أنهيت محاضرتي أسرعت الى ذات المكان التي اعتدنا أن نتلاقى به في تلك الساعة. بدأ قلبي يضطرب وأنا أنتظر مرورها. قررت أن أضع حدا للنظرات العابرة التي تموت في ساعتها. سأبوح لها بما أشعر به. شعرت أنني ما أزال مترددا مرتبكاً. بل سأعطيها القصيدة وأمشي. ستعرف بحقيقة مشاعري وعندها لا بد أن تخطو خطوتها الأولى نحوي. انتظرتها ولكنها لم تمر في الوقت الذي اعتدنا أن نتلاقى فيه. بقيت أنتظر ولكن لم تمر. مضت ربع ساعة طويلة وانا أنتظر بقلق واضطراب. لم تعد هناك أعداد كثيرة تمر من الساحة. مرت نصف ساعة ولم تأتِ. أيقنت أنني لن أراها ذلك اليوم. لا بد سنلتقي بعد الغد في ذات المكان. مشيت بضع خطوات متثاقلا متأنياً. تلفت حولي لعلي ألمحها من إتجاه أخر. فقدت الامل في مرورها. أعدت القصيدة الى جيبي. تأكدت من أن كتبي في يدي ومشيت.

شعرت بالحيرة وخيبة الامل. لم أعرف أين أذهب. ليس هناك سوى مكاننا اليومي العتيد. دخلت المطعم بأضوائه الساحرة الخافتة. رأيت جابر وجمال يجلسان إلى طاولاتنا المعتادة في نفس الزاوية. أشرت لهما بيدي ومشيت نحوهما. عندما جلست لمحت عيني نجلاء تجلس الى طاولة في الزاوية الاخرى وهي تضحك وأمامها شاب بدا منسجماً في الحديث اليها!

* اللوحة أعلاه للفنان اللبناني فيكتور حداد بعنوان أسطورة كيوبيد أو السهم المكسور.



2009/03/30

سيدة البحر


سيدة البحر

اياد نصار

قالتْ للحبِّ صورةُ الوردةِ على ساعدِكَ اليسارِ
وللهوى عنوانُ الفراشاتِ تطيرُ أولَ النهارِ
وللفجرِ صوتُ القصيدة يحملُ الجرحَ
ويشعلُ البوحَ
تبغاً لذيذاً في رمادِ موجةٍ
من صهيلٍ ونارِ
مزّقتِ الريحُ أشرعتي ونَثَرَتْها وراءَ البحارِ
وأطلقتْ أنّاتي في وشوشةِ الهمسِ
وغابتْ في رحمِ النهارِ.

تنزلُ حباتُ خوخك على جبيني كانهمارِ
وعناقيدُكِ الشّهيّاتُ متوردةٌ كالاقمارِ
نتقاسمُ السّهرَ والحمّى في اندغامٍ وانشطارِ
تنفصلُ الروحُ عند الوداعِ فتلتقي
في الاحلامِ في الف شهزاد وشهريارِ
سأغزلُ من ضفائرِك الذهبيةِ منديلا موشّى
وسترقصُ خطواتُنا يا سيدةً سكنت الحشا
يشرقُ البريقُ في عينيكِ كشمسٍ من بين أمطارِ

سافرتْ سيدةُ البحر بلا انتظارِ
للغيابِ شهقةُ العذابِ وحزنُ الحروفِ
كالأقدارِ
وانطفاءُ شعاعِ النورِ في قلعةِ الفنار
حيرةٌ وضياعٌ وأنا الغريبُ في بردِ الظلام
للغرب رحلتْ مراكبُها قبل ولادةِ الكلام
على شفتي من ألقِ الانبهارِ
ماتتْ أغنياتي من وجعِ القلبِ
خلفَ أبوابِ الحزنِ المعتقِ والغبارِ.

تولدُ الأشواقُ في صمتِ البعدِ كسيرةً بلا قرارِ
وناديتُ طائرَ الروحِ المهاجرِ فكان الالمُ المستبدُّ
في انتظاري
وضاعَ بين زبدِ الموج وهديرِه سؤالي
والارض سكنها الوجومُ والحيرةْ
وتاهت في الطرقات حكايةُ أميرٍ وأميرةْ
كم هو موجعٌ الرحيل.. موجعٌ لحدّ الانكسارِ
هي الحياة تزفُّ مواكبَها المرتلةَ بالحزنِ والاخطارِ

وجهُكِ قمري يضيء ليلي وعيونُك زورقي
أبحرُ فيه بلا عودةٍ من أسفارِ
فلنرحلْ ففي السماءِ أوزاري وأسراري
في تزاحمِ الذكريات أعزفُ أغنياتي وأرسمُ أشعاري
نسكنُ النجومَ ونجمعُها عقداً نرصّعُ به الليلَ كالانوارِ
ضعي يدكِ على مساحةِ قلبي
لتورقَ الحكايا على الاشجارِ
وترتسمُ على جدرانِ القلبِ بقايا من صُوَرٍ وأعمارِ

يرشفُ القلبُ من الوجد فتغازلُ جفونُه سكون أفكاري
الليلُ يسمعُ النجوى ويصدحُ بالقول من أوتارِ
الليلُ عالمٌ سرمديٌ يمتليءُ بالحكايا وبالاسرارِ
الليلُ عالمنُا ..الليلُ موعدُنا
حلمنا فردوسٌ مفقودٌ وأرضٌ لا تخوننا
افتحي نافذتَكِ المطلةَ على البحرِ للنورسِ والازهارِ
أيةُ ربّةٍ للجمالِ أهدتكِ هذه الرؤى من السحرِ والافكارِ؟
يا من أحترقُ في أتونِك لأصبحَ أنقى
ترفقي بقلبي فالحب يطيح بقلاعي وأحجاري

اياد نصار
* اللوحة أعلاه بعنوان سفن عابرة للفنان الامريكي جين مانهايم (1863 - 1945)

2009/03/27

لغة السرد بين فقه اللغة قديماً وحديثاً


لغة السرد بين فقه اللغة قديماً وحديثاً

بقلم اياد نصار

تحتاج لغة السرد القصصي الى قاعدة ثرية من المفردات اللغوية التي تستطيع التعامل مع هوامش الفروقات الدقيقة للمعاني في وصف تفاصيل الاشياء وتجسيد شخصيات البشر ونقل حالاتهم النفسية وانشغالاتهم الفكرية ومكامن رغباتهم ونوازعهم الداخلية، كما تحتاج الى إدراك واسع بالفروقات المتعلقة بالمعنى للكلمات في وصف المكان والزمان وحالاته وكذلك نقل الاستعارات والتشبيهات التي تمثل بالاساس تعبيراً عن حالة شعورية عاطفية انفعالية أو وجدانية أو إدراكات عقلية منطقية او تجليات روحية. كما تحتاج الى قاعدة واسعة من المفردات اللغوية المترادفة والمتقاربة والمتضادة للتعبير الدقيق عن الاشياء والمواقف والحالات المتداخلة. باختصار يحتاج القاص والروائي بدرجة اكبر من الشاعر الى امتلاك قاموس لغوي خاص به قادر على التجاوب بدون استنفاد او تكرار المفردات والمعاني أو قصور في إختيارها في التعبير عن المقصود من غير الاحساس بأنه لا يجد ما يستطيع التعبير به نتيجة غياب المعرفة او ضعفها باستخدامات الكلمات الصحيحة الدقيقة التي تعبر عن الموقف تماماً.

يحتاج الكاتب الى ما يثري مخزونه اللغوي وبحيث يمكنه هذا المخزون من امتلاك واستخدام مفردات اللغة ومعانيها ومعرفة الفروقات الدقيقة في المعاني بينها وكذلك تطوير اسلوب لغوي خاص به يستطيع من خلاله الابداع والابتكار في وصف الاشياء أو نقل حالاتها أو التعبير عنها. ورغم أن هناك قناعة واسعة لدى الكثيرين بأن اللغة العربية لغة ثرية واسعة وقادرة على التعبير عن كل حاجات الانسان اللغوية المادية والمعنوية في كل المستويات المعرفية وفي مختلف حالات الانسان الشعورية والنفسية والعقلية والروحية ، وأن اللغة العربية لغة متجددة تستطيع تلبية حاجات الانسان للتواصل ، إلا أن هناك مشكلة تتمثل في قلة الاهتمام ببناء هذا الرصيد اللغوي الكبير. ولعل المسألة التي تصبح أكثر الحاحاً لدى كتاب القصة والرواية وربما الشعر بدرجة أقل حدة هي كيفية بناء وامتلاك وتوظيف هذا الثراء اللغوي في الابداع؟

وأحد هذه الطرق التي يمكن أن تخدم الغرض بشكل ممتع هو الاطلاع على كتب اللغة والنحو والبلاغة والمعاني والفهارس والقواميس والموسوعات وكذلك كتب الانشاء والمصادر والمراجع القديمة وكذلك كتب قصص العرب وأشعارهم ورسائلهم ومواعظهم البلاغية ونوادرهم وملحهم التي تدل على الابتكار في اشتقاق اللغة او استعمالها مجازياً. وتحفل هذه الكتب والمصادر بالكثير من المواقف التي تعكس الفطنة والذكاء في استعمال اللغة لابراز الموهبة او حسن الخلص من المواقف. كما أن الكثير من هذه الكتب تحتوي على نماذج من كتب الرسائل والانشاء. وأعتقد أن كاتبا للقصة والرواية لا بد له من إثراء مخزونه من المفردات فهذا سيوفر له مزيدا من دقة وجمالية وتنويع مفردات وأساليب الوصف والتشخيص والتشبيه والتصوير والاستعارة وغيرها مما يستخدمه في كتابة القصة او الرواية. وقد وقع بين يدي مؤخرا كتاب كنت قد فقدته من مكتبتي الخاصة قبل سنوات. فتذكرت مطالعاتي به في الماضي في كثير من المناسبات وإعجابي بما يقدمه من مفردات تستخدم في وصف او تسمية كل الحالات التي تمثل تنوع او تعدد الاشياء والاختلافات الدقيقة بينها. إنه كتاب فقه اللغة للثعالبي.

والمؤلف هو أبو منصور عبد الملك الثعالبي النيسابوري. ولقب بالثعالبي لأنه كان فرَّاء يخيط جلود الثعالب ويعملها ملابساً. كما كان يؤدِّب الصِّبيان في الكُتَّاب. عاش الثعالبي بنيسابور في بلاد فارس أو شمال شرق ايران حالياً وتوفي سنة 1038 ميلادية. وله كتاب يدعى "يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر" يضم تراجم لشعراء عصره، وله كتاب " سحر البلاغة وسر البراعة" وكتاب "الاعجاز والايجاز" وكتاب "دمية القصر" ويحتوي أشعارا له. وكان الثعالبي يلقب بجاحظ زمانه، بسبب مقدرته اللغوية وسعة اطلاعاته المعرفية وميوله الموسوعية وتصانيفه الأدبية الكثيرة.

وأغلب الظن أن أول من استعمل عبارة "فقه اللغة" في العربية هو أبو الحسن أحمد بن فارس القزويني (توفي في 1005م) ، وكان من معاصري الثعالبي إذ يقول في مقدمة كتابه: "هذا الكتاب الصحابيّ في فقه اللغة العربية وسنن العرب في كلامها". ثم ألَّف بعده أبو منصور الثعالبي كتابا أسماه: "فقه اللغة". ومع أن كليهما اشترك في إطلاق عبارة "فقه اللغة" على موضوع كتابه، فقد كان هناك اختلاف واضح بين مادتي الكتابين. فكتاب القزويني يشمل مباحث نظرية وتطبيقية مختلفة مثل باب القول على لغة العرب، ومثل القول في إعجاز القرآن، وبعضها تاريخي مثل باب القول على الخط العربي. وبهذا فإن "فقه اللغة" عند القزويني يتناول جميع المباحث التي تمتُّ إلى اللغة بصلة ، سواء أكان ذلك في أصولها أم في فروعها أم في تاريخها.

أما كتاب "فقه اللغة" لأبي منصور الثعالبي، فهو مختلف تماما. فهو معجم من المعاجم اللغوية، ولكن مادته ليست مرتبة فيه على حروف الهجاء، إنما المادة تتعلق بظاهرة ما في الطبيعة كالرياح أو المطر أوالأصوات أو بصفات تخص الانسان أو أجزاء من جسم الانسان أو مفردات تستخدم للدلالة على ظواهر معينة بوقت محدد كأوقات النهار والليل ..الخ. وفائدته كبيرة لمن يريد أن يتعرف على المفردات التي تصف او تطلق على هذه الظواهر بأحوالها وأوقاتها المختلفة بحيث يلاحظ الفروقات الدقيقة في تسميتها وبحيث يلاحظ مدى تنوع الالفاظ التي تعبر عن كل معنى من المعاني في حالاته المختلفة. يمكن ملاحظة الامثلة التي أوردتها في نهاية المقال كنموذج لما يضمه معجم "فقه اللغة" للثعالبي. فهو باختصار يجمع الكثير من الألفاظ التي تستعمل في موضوع واحد. وأهميته إنه يوفر للكاتب مفردات متعددة تعبر عن تلك المعاني المتقاربة او التي تقال في حالات متشابهة او متتابعة بحيث يستعملها في كتاباته، وأعتقد أنه كتاب مفيد للغاية لمن يكتب قصة حيث يجد عمق اللغة العربية ومدى قدرتها الواسعة على إدراك حالات الاشياء وأنواعها فلا تعدم قدرة في التعبير عنها بكل جمالية. وهو يؤكد حساسية اللغة العربية للوصف وتنوع المعاني المتقاربة بحيث تساهم في تلوين ما يكتبه من وصف أو تصوير او تشخيص أو تشبيه او خلق احساس بالمكان أو الزمان أو كلاهما معا أو الاحساس بالجو العام للمكان او بالحالة الخارجية في مقابل الحالة الداخلية للنفس.

أما فقه اللغة في العصر الحديث والذي يطلق عليه اسم philology فهو يختلف تماما عما قصده الثعالبي. إن مدلول لفظ "فقه اللغة" يقصد به في الدراسات اللغوية المعاصرة تلك الجوانب التاريخية التي تبين أصل اللغة ونشأتها وتطورها، والعوامل التي أدت إلى إنتشارها، وهناك من يطلق عليه بهذا المعنى تاريخ اللغة. ولكن وبشكل عام يطلق "فقه اللغة" اصطلاحا على البحث في أصل اللغة. وفقه اللغة بالمنظور المعاصر يتناول الجوانب النظرية للغة في تطورها وعلاقتها باللغات الاخرى وليس علما تطبيقيا كالنحو الذي يبحث في القواعد التي تحكم ما ينبغي ان يكون عليه الكلام. وهكذا فإن المعاجم اللغوية سواء في مجالات النحو أم الصرف أم عروض الشعر أم البلاغة أم النقد هي بحوث تطبيقية وليست من فقه اللغة.

فقه اللغة يبحث في أسس وقوانين اللغة النظرية العامة، ويفسر الأسباب التي دعت اللغة إلى اختيار صيغة من الصيغ أو بنية أو تركيب دون غيره، وما العوامل التي تدعو اللغة إلى اتباع ما نسميه قواعد؟ أي أن فقه اللغة يجتهد في تفسير الاسباب التي أثرت في تطور اللغة وشكل التطور تاريخياً عبر مراحله الزمنية.

كما يهتم فقه اللغة بالمقارنة بين اللغات من حيث قرابتها أو اتصالها ببعضها والبحث في قواعد اللغة التي يوجد مثلها في لغات أخرى سواء بدرجات متقاربة أو متباعدة. كما يبحث فقه اللغة في القوانين التي تخضع لها جميع اللغات كون أن اللغات في تغير دائم بحيث يمكن مقارنتها والاستفادة منها في دراسة اللغة موضوع بحثنا.


أمثلة مختارة من كتاب فقه اللغة للثعالبي
(في تَعْدِيدِ سَاعَاتِ النَّهارِ واللَّيل عَلَى أربَع وعِشْرِينَ لَفْظَةً)
سَاعَاتُ النَّهارِ: الشُرُوقُ
ثُمَّ البكورُ
ثُمَّ الغُدْوَةُ
ثُمَّ الضُّحَى
ثُمَّ الهاجِرَةُ
ثُمَّ الظَهِيرَةُ
ثُمَّ الرَّوَاحُ
ثُمَّ العَصْرُ
ثُمَّ القَصْرُ
ثُمَّ الأصِيلُ
ثُمَّ العَشِيُّ
ثُمَّ الغُروبُ.
سَاعَاتُ اللَّيلِ: الشَّفَقُ
ثُمَّ الغَسَقُ
ثُمَّ العَتَمَةُ
ثُمَّ السُّدْفَة
ثُمَّ الفَحْمَةُ
ثُمَّ الزُّلَّةُ
ثُمَّ الزُّلْفةُ
ثُمَّ البُهْرَةُ
ثُمَّ السَّحَرُ
ثُمَّ الفَجْرُ
ثُمَّ الصُّبْحُ
ثُمَّ الصَّباحُ

(في فِعْلِ السَّحَابِ والمَطَرِ)
إذا أتَتِ السَّمَاءُ بالمَطَرِ الشَّدِيدِ قيلَ: حَفَشَتْ وحَشَكَتْ
فإذا استَمَّرَ مَطَرُهَا قِيلَ: هَطَلَتْ وهَتَنَتْ
فإذا صَبَّتِ المَاءَ قِيلَ: هَمَعَتْ وهَضَبَتْ
فإذا ارْتَفَعَ صَوْت وَقْعِهَا قِيلَ: انْهَلَّتْ واسْتَهَلَّتْ
فإذا سَالَ المَطَرُ بِكَثْرَةٍ قِيلَ: انسَكَبَ وانْبَعَقَ
فإذا سَالَ يَرْكَبُ بَعْضُهُ بَعْضاً قِيلَ: اثْعَنْجَرَ واثْعَنْجَحَ
فإذا دَامَ أيَّاماً لا يُقلِعُ قِيلَ: أَثْجَمَ وأغْبَطَ وَأَدْجَنَ
فإذا أقْلَعَ قِيلَ: أَنْجَمَ وأفْصَمَ وأفْصَى ، عَنِ الأصْمَعِيّ.

(في أمطَارِ الأزمِنةِ)
أوَّلُ ما يَبْدُو المَطَرُ في إقْبَالِ الشِّتَاءِ فاسْمُهُ الخَرِيفُ
ثُمَّ يَلِيهِ الوَسْمِيّ
ثُمَّ الرَّبِيعُ
ثُمَّ الصَّيِّفُ
ثُمَّ الحَمِيمُ

(في تَفْصِيلِ أسْمَاءِ المَطَرِ وأوْصَافِهِ)
إِذَا أحَيَا الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَهُوَ الحَيَاءُ
فإذا جَاءَ عَقِيبَ المَحْلِ او عِنْدَ الحَاجَةِ إليهِ ، فَهُوَ الغَيْثُ
فإذا دَامَ مع سُكونٍ ، فَهُوَ الدِّيمَةُ
والضَّرْب فَوْقَ ذَلِكَ قَليلاً
وَالهَطْلُ فَوْقَهُ
فإذا زَادَ فَهُوَ الهَتَلانُ والتَهْتَانُ
فإذا كَانَ القَطْرُ صِغَاراً كَاَنَّهُ شَذْرٌ، فهو القِطْقِطُ
فإذا كَانَتْ مَطْرَةً ضَعِيفَةً، فَهِيَ الرِّهْمَةُ
فإذا كَانَتْ لَيْسَتْ بالكَثِيرَةِ، فَهِيَ الغَبْيَةُ والحَشَكَةُ والحَفْشَةُ
فإذا كَانَتْ ضَعِيفةً يَسِيرَةً، فَهِيَ الذِّهَابُ والهَمِيمَةُ
فإذا كَانَ المَطَرُ مُسْتَمِرّاً ، فَهُوَ الوَدْقُ
فإذا كَانَ ضَخْمَ القَطْرِ شَدِيدَ الوَقْعِ ، فَهُوَ الوَابِلُ
فإذا تَبَعَّقَ بالماءِ، فَهُوَ البُعاقُ
فإذا كَانَ يُرْوِي كُلَّ شيءٍ، فَهُوَ الجَوْدُ
فإذا كَانَ عَامًّا فَهُوَ الجَدَا
فإذا دَامَ أيَّاماً لا يُقْلِعُ ، فهو العَيْنُ
فإذا كَانَ مُسْتَرْسِلاً سَائِلاً، فَهُو المُرْثَعِنُّ
فإذا كَانَ كَثِيرَ القَطْرِ، فَهُوَ الغَدَقُ
فإذا كَانَ كَثِيراً ، فَهُوَ العِزُّ والعُبَابُ
فإذا كانَ شَدِيدَ الوَقْعِ كَثِيرَ الصَّوْبِ ، فَهُوَ السَّحِيفَةُ
فإذا جَرَفَ مَا مَرَّ بِهِ ، فَهُوَ السَّحِيتَةُ
فإذا قَشَر وَجْهَ الأرْضِ ، فهو السَّاحِيَةُ
فإذا أثَّرَتْ في الأرْضِ مِنْ شِدَةِ وَقْعِهَا، فَهِيَ الحَرِيصَةُ

فإذا أصَابَتِ القِطْعَةَ مِنَ الأرْضِ وأخْطَأتِ الأخْرَى ، فَهِيَ النُّفْضَةُ
فإذا جَاءَتِ المَطْرَةُ لِمَا يأتي بَعْدَها، فَهِيَ الرَّصْدَةُ (والعِهَاد نَحوٌ مِنْهَا)
فإذا أتى المَطَرُ بَعدَ المَطَرِ، فَهُوَ الوَلِيُّ
فإذا رَجَعَ وَتَكَرَّرَ، فَهُوَ الرَّجْعُ
فإذا تَتَابَعَ ، فَهُوَ اليَعْلُولُ
فإذا جَاءَ المَطَرُ دُفَعَاتٍ ، فَهِيَ الشَّآبِيبُ.

(في تَفْصِيلِ أوْصَافِ السَّحَابِ وأسْمَائِهَا)
أوَّلُ مَا يَنْشَأُ السَّحابُ ، فَهُوَ النَّشْءُ
فإذا انْسَحَبَ في الهَوَاءِ، فَهُوَ السَّحابُ
فإذا تَغَيَّرَتْ له السّماء، فَهُوَ الغَمَامُ
فإذا كَانَ غَيْماً يَنْشَأ في عُرْضِ السّماءِ فلا تُبْصِرُهُ ولكنْ تَسْمَعُ رَعْدَهُ مِنْ بَعِيدٍ، فَهُوَ العَقْرُ
فإذا أَطَلَّ أظلَّ السّماءَ، فَهُوَ العَارِضُ
فإذا كَانَ ذَا رَعْدٍ وَبَرْق ، فَهُوَ العَرَّاصُ
فإذا كَانَتِ السَّحَابَةُ قِطَعاً صِغَاراً مُتَدَانِياً بَعضُها من بَعْض ، فهي النَّمِرَةُ
فإذا كَانَتْ مُتَفَرِّقةً ، فَهِيَ القَزَعُ
فإذا كَانَتْ قِطَعاً مُتَرَاكِمَةً ، فهي الكِرْفى
فإذا كَانَت كَأنّهَا قِطَعُ الجِبَالِ ، فَهِيَ قَلَع وَكَنَهْوَرٌ (وَاحِدَتُهَا كَنْهورَةٌ)
فإذا كانت قِطعاً مُسْتَدِقَّةً رِقاقاَ ، فهيَ الطَّخاريرُ (وَاحِدَتُهَا طُخْرُورٌ)
فإذا كَانَتْ حَوْلَها قِطَعٌ من السَّحابِ ، فَهِيَ مُكَلَلَةٌ
فإذا كَانَتْ سَوْدَاءَ، فَهِيَ طَخْيَاءُ ومُتَطَخْطِخَةٌ
فإذا رَأيْتَهَا وَحَسِبْتَها مَاطِرَةً، فَهِيَ مُخِيلَة
فإذا غَلُظَ السَّحَابُ ورَكِبَ بَعْضُهُ بَعْضاً، فَهُوَ المُكْفَهِرُّ
فإذا ارتَفَعَ ولم يَنْبَسِطْ ، فَهُوَ النَّشَاصُ
فإذا أنْقَطَعَ في أقْطَارِ السَّمَاءِ وتلبَّدَ بعضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ ، فهو القَرَدُ
فإذا ارْتَفَعَ وحَمَلَ المَاءَ وكَثُفَ وأطْبَقَ ، فَهُوَ العَمَاءُ والعَمَايَةُ والطَّخَاءُ والطَّخَافُ والطَّهَاءُ
فإذا اعْتَرَضَ اعْتِرَاضَ الجَبَلِ قَبْلَ أن يُطَبِّقُ السّماءَ، فهو الحَبِيُّ
فإذا عَنَّ ، فهو العَنانُ
فإذا أظلَ الأرْضَ ، فَهُوَ الدَّجْنُ
فإذا اسْوَدَّ وتَرَاكَبَ ، فَهُوَ المُحْمُومِيّ
فإذا تَعَلَّقَ سَحابٌ دُونَ السَّحَابِ ، فهوَ الرَّبابُ
فإذا كانَ سَحاب فوق السَّحابِ ، فَهُوَ الغِفَارَةُ
فإذا تَدَلَّى ودَنَا مِنَ الأرْضِ مِثْلَ هُدْبِ القَطِيفَةِ، فَهُو الهَيْدَبُ
فإذا كَانَ ذَا مَاءٍ كَثِيرٍ، فَهُو القَنِيفُ
فإذا كَانَ أبْيَضَ، فَهُوَ المُزْنُ والصَّبِيرُ
فإذا كَانَ لِرَعْدِهِ صَوت ، فَهُوَ الهَزِيمُ
فإذا اشتَدَّ صَوْتُ رَعْدِهِ ، فَهُوَ الأجَشُّ
فإذا كَانَ بَارِداً ولَيْسَ فِيهِ مَاء، فَهُوَ الصُّرادُ
فإذا كَانَ خَفِيفاَ تُسْفِرُهُ الرِّيحُ ، فَهُوَ الزِّبْرِجُ
فإذا كَانَ ذَا صَوْتٍ شَدِيدٍ ، فَهُوَ الصَّيِّبُ
فإذا هَرَاقَ ماءَهُ ، فَهُوَ الجَهَامُ (ويُقَالُ: بَلْ هُوَ الذِي لا مَاءَ فِيهِ).


(في تَرْتِيبِ المَطَرِ الضَّعِيفِ)
أَخَفُّ المَطَرِ وَأَضْعَفُهُ الطَّلُّ
ثُمَّ الرَّذَاذُ أقوَى مِنْهُ
ثُمَّ البَغْشُ والدَّثُّ
ومِثْلُهُ الرَّكُّ والرِّهْمَةُ.
(في تَرْتِيبِ الأمْطَارِ)
أوَّلُ المَطَرِ رَشٌّ وَطَشُّ
ثُمَّ طَلّ وَرَذَاذ
ثُمَّ نَضْح ونَضْخ (وهو قَطْر بَيْنَ قَطْرَيْنِ)
ثُمَّ هَطْل وَتَهْتَان
ثُمَّ وَابِلٌ وَجَوْد.


* اللوحة أعلاه بعنوان ثلاثة موسيقييات للفنان الاردني قاسم الرفاعي

2009/03/26

حياة طويلة - هيلين سمول

** الكتاب الفائز بجائزة ترومان كابوت للنقد الادبي لعام 2008


"حياة طويلة" – هيلين سمول
كبر السن في الادب والفلسفة

بقلم اياد نصار

يعد كتاب "حياة طويلة" أول عمل كبير يهتم بموضوع كبر السن في الفلسفة الغربية والادب منذ أن كتبت سيمون دو بوفوار "مجيء العمر" في عام 1970. وقد فاز هذا الكتاب الذي وضعته د. هيلين سمول الناقدة البريطانية وأستاذة الادب الانجليزي في كلية بمبروك في جامعة أكسفورد بجائزة ترومان كابوت للنقد الادبي لعام 2008 التي تمنحها جامعة أيوا في الولايات المتحدة وقيمتها 50 الف دولار. وتعد هذه الجائزة من أهم الجوائز التي تمنح لنقاد عن المساهمات المتميزة في مجال النقد الادبي منذ عام 1996.

ويعد كتابها الذي صدر في أواخر عام 2007 عن جامعة أكسفورد اضافة مهمة في مجال النقد الحديث وقد تم اختياره من قبل لجنة دولية من النقاد البارزين والكتاب وهم: تيري كاسل، جاريت ستيوارت، مايكل وود، جون كريجان، ايلين سكاري، وجيمس وود. وقد فازت هيلين خلال عام 2008 أيضا بجائزة رفيعة أخرى هي جائزة روز ماري كروشاي التي تمنحها الاكاديمية البريطانية للانسانيات والعلوم الاجتماعية عن ذات الكتاب.

وقبل الحديث عن موضوع الكتاب، فأشير الى أن د. هيلين سمول حصلت على درجة البكالوريوس في الادب الانجليزي من جامعة فيكتوريا في ولينجتون، وعلى درجة الدكتوراة من جامعة كامبردج. وقد وضعت كتاباً سابقاً صدر في عام 1996 بعنوان (جنون الحب: الدواء، والرواية، والجنون النسائي 1800 – 1865)، كما عملت محررة أو محررة بالاشتراك لعدة كتب منها (الادب والعلم والتحليل النفسي 1830- 1970).

يتناول كتاب "حياة طويلة" موضوع كبر السن في الادب والفلسفة الاخلاقية. ويدعو القاريء الى الانتقال الواسع ما بين كتابات أفلاطون مرورا بالاعمال الفلسفية المعاصرة لنقاد ومفكرين مثل ديريك بارفيت، وبرنارد ويليامز، واخرين ، ومن مسرحية شكسبير الملك لير مروراً بأعمال توماس مان، وأونوريه بلزاك، وتشارلز ديكنز، وصامويل بيكيت، وستيفي سميث، وفيليب لاركن الى الاعمال المعاصرة لصامويل بيلو الى فيليب روث الى ج. م. كوتزي.

وقد بنت كتابها كما ذكرت على محورين اثنين اساسيين هما الفلسفة والادب وناقشت أراء ومقولات أرسطو وغيره من الفلاسفة والادباء كما ذكرت آنفا. كما تعرض للطريقة التي تعامل فيها الانسان مع كبر السن والموت مثل الملك لير والملك بريام ، والموت في البندقية لتوماس مان. والكتاب يناقش الافكار ولكنه أيضا فيه جانب تأملي يتناول الجوانب الشخصية والاجتماعية لتقدم الانسان في السن.

إن التقدم في السن كما تؤكد مؤلفة الكتاب موضوع يؤثر في حياة كل انسان، ولكن أغلب الناس لا يودون التفكير فيه بعمق. ولهذا فإن كتابها قد أثبت كم هو مهم مقاربة هذا الموضوع الذي يكاد يكون من المحظورات. وإذا أردت التفكير في احتمالات وسيناريوهات الكبر في السن التي تمتاز بالرصانة والتفصيل والعمق الشعوري، فإن الادب هو أفضل مكان لذلك.

يقع الكتاب في 320 صفحة من القطع المتوسط، وتناقش هيلين سمول فيه فكرة مفادها أنه إذا أردنا أن نفهم مرحلة كبر السن (الشيخوخة) فيجب أن نفكر بطريقة أصولية عن ماذا تعني أن تكون إنساناً، وأن يكون لديك حياة، وأن تتمتع بحياة جيدة لتكون جزءا من مجتمع عادل. ماذا كان أفلاطون يقصد عندما ألمح الى أن كبر السن هو أفضل مكان تستطيع من خلاله ممارسة الفلسفة؟ أو ماذا قصد توماس مان عندما عرف كبر السن على أنه أفضل وقت لتكون كاتباً؟ وهل كانا على حق في ذلك؟ ولو فكرنا كما فعل أرسطو بأن الحياة الفضلى تتطلب البحث الحثيث عن الفضيلة فكيف ستتأثر نظرتنا للحياة المتأخرة بذلك؟ ولو فكرنا بأن اشكال الحياة والأشخاص موحدة مثلما يقال بأن القصص موحدة، فكيف سيختلف تفكيرنا عن مرحلة الشيخوخة عن تفكير شخص يظن بأن أشكال الحياة والاشخاص يمكن أن تكون منفصلة تماماً؟ في مجتمع عادل ما الذي يعتبر توزيعا عادلا للموارد المحدودة بين الشباب والشيوخ. وكيف يمكن للتطورات المعاصرة في نظرية مشهد الحواس أن تغير من تفكيرنا عن معنى أن تصبح كبيراً في السن.

يعد الكتاب إضافة هامة ويمتاز بعمق طرحه واتساع رؤيته ومن المأمول أن يغير من الطريقة التي يتحدثون بها وخاصة في الغرب عن أحد أهم التخوفات الاجتماعية في زماننا: زيادة أعداد الذين يعمرون حتى سن متقدم، وزيادة نسبة الكبار مقارنة بنسبة الشباب. أما محتويات الكتاب فتشتمل على الفصول التالية:
- العتبة الافلاطونية ( أفلاطون وتوماس مان)
- عند رؤية النهاية( أرسطو والملك لير)
- الوحدة السردية للحياة (الابيقورية، المشهد السردي، سول بيلو)
- قوة الاختيار (تخطيط الحياة الحصيف، فيليب لاركن، ستيفي سميث)
- حيثما يتوقف الاهتمام بالذات (ديريك بارفيت، بلزاك)
- الحياة المقدرة (ميتافيزيقيا أدورنو، ديكنز، بيكيت)
- الآن أو نهائيا (بيرنارد ويليامز، ج. م. كوتزي، فيليب روث)
- المشهد الحسي المتطور (نظرية التطور، محرمة ندبة مايكل ايجناتيف)
- الخاتمة

تصف هيلين كتابها بأنه عبارة عن مقالات وهو كذلك بطبيعة الحال. لاول وهلة يبدو الموضوع محددا ضيقاً بشكل منطقي: ماذا قال الفلاسفة وغير الفلاسفة عن مرحلة التقدم في السن، والذي في حقيقته لم يتغير كثيرا منذ العصور الكلاسيكية القديمة. لكنهم قالوا الكثير عن الحياة بشكل عام ومرحلة التقدم في السن هي جزء منها. وهي تبرز ما قالوه ولكنها تبذل جهدا وتبدي براعة تثير الاعجاب في توظيف ما قالوه بما يخدم غرضها.

وقد قالت في معرض ردها على سؤال حين علمت بخبر فوزها: "انا سعيدة وأتشرف بذلك. لقد كانت أبحاثي قبل حياة طويلة مكرسة للعهد الفيكتوري، ولهذا فإن هذا الكتاب شكل قفزة نوعية بالنسبة لي. لقد حصلت على اجازة زمالة للبحث منذ عام 2001 الى عام 2004 قضيت أغلبها كأستاذ زائر في جامعة نيويورك، وبدون تلك الفترة الطويلة للتفرغ الاكاديمي لم يكن بوسعي إنجاز مثل هذا العمل بهذا الحجم. ولهذا فأنا شاكرة الى اللجنة".

وقد قالت المؤلفة أن كتابها حظي بهذا الاهتمام لأن موضوعه مهم بشكل واضح لكل انسان، ولكن هناك القليل مما كتب عنه، مما يشجع الناس على وضع هذا الموضوع جانباً حتى وقت لاحق. إن "حياة طويلة" هو عن الطرق الاساسية التي نفكر بها في حياتنا، والشكل الذي تتخذه، والقيمة التي نعلقها عليها حينما نفكر أن الافضل لو نموت. إنه ليس فقط عن الكبار في السن ولكن عن كل واحد منا.

وقالت: "لقد بدا لي بأن ذلك أحد المواضيع العظيمة القليلة الذي لم يمس من قبل على الاقل من قبل الفلاسفة وباحثي الادب. إنه موضوع يؤثر في كل واحد منا، ولو تأثيرا محتملاً، إلا أن الكثير منا يتفادون التفكير به ملياً. ولكن هناك العديد من القضايا مثل ماذا يعني بالنسبة لنا أن نصبح كباراً في السن، كيف نتوقع ان تكون امكانياتنا الذهنية، وكيف سيكون شكل علاقاتنا بالاخرين. وما هو الجيد الذي سيكون في حياتنا عندئذ، وما هو السيء حينما نريد لها أن تنتهي! ولا تتفق هيلين مع الرأي الشائع القائل بأن العلم أكثر أهمية من الادب. بالنسبة لها فإن كتابها على درجة من الاهمية للمجتمع. تقول: "الادب بما في ذلك المسرح هو أحد الاماكن التي إهتمت بموضوع الكبر في السن منذ أيام سوفوكليس. إن مسرحية الملك لير مهمة على وجه الخصوص بالنسبة لنا، وما يزال لها ذلك التأثير في خيال الثقافة عن الكبر في السن. وبعكس مسرحيات شكسبير التراجيدية، فإن عيوب لير ليس الاّ سنه، وتلك الاحكام الخاطئة التي تقترن به وتقلب المزاج".

ومن الجدير بالذكر أنه تم الاعلان عن تأسيس جائزة ترومان كابوت في عام 1994 في مدينة نيويورك بمناسبة الذكرى الاربعين لنشر نوفيلا ترومان كابوت المسماة " إفطار في تيفاني" بناء على وصية كابوت وقد جعل الجائزة تخليدا لذكرى الناقد الانجليزي نيوتن آرفين الذي كان كابوت من المعجبين بكتاباته ولكنه فقد سمعته ووظيفته في كلية سميث في الاربعينيات حينما تم الكشف عن تورطه في علاقة جنسية مثلية. ومن بين من حصلوا عليها في السنوات السابقة الفائز بجائزة نوبل الاديب الايرلندي وأستاذ الشعر في جامعة اكسفورد سيموس هيني.

2009/03/24

جولة في مواكب جبران


جولة في مواكب جبران

بقلم: اياد نصار

ألف جبران خليل جبران بإلهام الشاعر وبصيرة الفيلسوف وسحر ريشة الرسام وترفع وزهد الناسك قصيدة المواكب في عام 1918 بالعربية. تعتبر قصيدة المواكب بناء فنيا متكاملا ينطوي على مشروع فلسفي تأملي تحليلي ويقوم على أساس المقارنة بين عالم البشر من خلال تقديم صور تعكس جوانب ساخرة زائفة للمجتمع وبين عالم الطبيعة الذي يمثل الجانب الرومانتيكي الروحاني الصافي المفقود من حياة البشر في المجتمع وبين عالم الفنون الذي يمثل حلقة الوصل التي يمكن أن تردم الهوة بين الاثنين. تقدم القصيدة كثيراً من المقارنات لجوانب حياة الانسان في المجتمع بكل ضلالاته وزيفه ومظاهره الخادعة وبين عالم الطبيعة الساحر بصفائه ونقائه الذي يرمز للجانب الرومانتيكي. أراد جبران بهذه القصيدة البديعة البناء والمعاني طرح أهم القضايا المصيرية التي تحدد حاضر ومستقبل الانسان.. بل مصيره كله والتي رأى فيها التناقض الصارخ بين قيم هذين العالمين.

تتكون المواكب من حوالي مئتي بيت ويزيد ويغلب عليها السمة الرومانتيكية التي ميزت كثيرا من أعمال جبران سواء باللغة العربية أم بالانجليزية. وقد اراد جبران من خلالها تقديم مواكب شتى هي في حد ذاتها مسيرة البشر في المجتمع الذي يحفل بصور ضلالهم وزيفهم ومعتقداتهم التي تقتل أرواحهم. وهي في هذا دعوة إلى العودة لأحضان الطبيعة وبساطتها حيث أسبغ عليها من التجسيد صفات إنسانية تجعلها فردوس الانسان المهجور بدلاً من العيش في ظل القيم الزائفة للمجتمع.

وبداية فإن عالم البشر هو هذا المجتمع الذي يمور بالظلم والشر والحزن والقتل واستغلال الدين والنفاق والباطل والجهل والكراهية والبغض وثنائية الروح والجسد المشوهة وغيرها الكثير. في حين أن عالم الطبيعة بحيوانه ونباته وجماده هو ذلك العالم الذي اعتبره جبران عالم البراءة والنقاء الذي يمور بنقيض ما يمر به عالم البشر. وهذه المقارنة أراد بها جبران ساخرا إظهار كيف أن الانسان في تجربته قدم نموذجاً بشعاً للحياة والعلاقات الانسانية والقيم التي بنى عليها حياته. لقد انطوت قصيدة المواكب على نظرة متشائمة للغاية لعالم البشر فهو مستودع وأصل كل الشرور وكل مظهر للحياة فيه ينم عن أسوأ صورة للاستغلال وتشويه القيم المتعمد الذي يقوم به الانسان. وبهذا المعنى يصبح عالم الطبيعة والغابات هو الجنة المفقودة التي لم يتمكن الانسان من تحقيقها في حين أن المخلوقات الادنى منه قدمت نموذجاً أرقى لما يمكن أن تكون عليه الحياة فيها.

أما أحاديث الغناء ونداءات الناي فهي صور ترمز الى عالم الفنون التي يطرحها جبران كمخرج للازمة. هو الجسر الذي يمكن من خلاله الانتقال من عالم البشر البشع الى عالم البراءة والخير والنور وكل المعاني والصور والمظاهر الجميلة للقيم الانسانية في أروع تجلياتها. فإذا كان الانسان شقياً بائسا في عالم البشر ولا يتسنى له الوصول الى عالم البراءة والنقاء الذي يرمز اليه عالم الطبيعة فإن الفن هو وعاء الفكر وهوالوسيلة التي تخاطب أحاسيس وقلوب وعقول البشر. واذا كان عالم البشر بكل تناقضاته وصوره الصارخة في النهاية زائل فإنه الفن باقٍ خالد للابد. وفكرة خلود الفن الذي يخلد معه جمال الانسان كما ورد ذلك كثيرا في أعمال شكسبير وخاصة السونيتات ليست جديدة، بل إن جذورها يمتد في الزمن السحيق الى فكرة carpe diem التي تعني الاستمتاع باللحظة الزمنية قبل أن تفنى ، والى فكرة أن الزمن الهارب لا سبيل لايقافه او الامساك به الا من خلال تخليد اللحظة في لوحة فنية او عمل أدبي ابداعي او موسيقي او غير ذلك.

تنقسم قصيدة المواكب الى سبعة عشر بناءً شعريا متشابها متكررا تليه خاتمة هي الخلاصة التي يبرز فيها جبران أهمية عالم الفن. اما البناء الفني الذي يتكرر في القصيدة سبع عشرة مرة فهو على هذا النحو:
- أربعة أبيات ذات قافية واحدة تنقل مشاهد متشائمة تنطوي على صور التناقض والشرور والاثام والنفاق من عالم البشر
- أربعة أبيات ذو قافية مختلفة تنقل تشبيهات ومقارنات للصور الانفة ولكن من عالم الطبيعة وهي نقيض الصور في الاربعة أبيات الاولى. وتتضمن هذه الابيات الاربعة في آخرها بيتين أو أحياناً أخرى بيتاً من نفس القافية ينطويان على النتيجة التي توصل لها جبران عن اكتشاف سر الشقاء الانساني
- بيتان من قافية مختلفة كخاتمة يبرزان دعوة جبران للانسان للانخراط بعالم الفن والتسامي به نحو الرقي وهما يبرزان فكرة تفرد عالم الفن وخلوده

ولدلالة على ذلك نأخذ بعض المقاطع كأمثلة على هذا البناء الفني الفريد:
- أربعة أبيات ذات قافية واحدة تنقل مشاهد متشائمة تنطوي على صور التناقض والشرور والاثام والنفاق من عالم البشر:

الخير في الناس مصنوعٌ إذا جُبروا ........... والشرُّ في الناس لا يفنى وإِن قبروا

وأكثر الناس آلاتٌ تحركها ........................... أصابع الدهر يوماً ثم تنكسرُ

فلا تقولنَّ هذا عالم علمٌ ............................... ولا تقولنَّ ذاك السيد الوَقُرُ

فأفضل الناس قطعانٌ يسير بها .................. صوت الرعاة ومن لم يمشِ يندثر

- أربعة أبيات ذو قافية مختلفة تنقل تشبيهات ومقارنات للصور الانفة ولكن من عالم الطبيعة وهي نقيض الصور في الاربعة أبيات الاولى. وتتضمن هذه الابيات الاربعة في آخرها بيتين أو أحياناً بيتاً من نفس القافية ينطويان على النتيجة التي توصل لها جبران عن اكتشاف سر الشقاء الانساني
ليس في الغابات راعٍ ............ لا ولافيها القطيعْ
فالشتا يمشي ولكن .............. لا يُجاريهِ الربيعْ
خُلقَ الناس عبيداً............. للذي يأْبى الخضوعْ
فإذا ما هبَّ يوماً............... سائراً سار الجميعْ

- بيتان من قافية مختلفة كخاتمة يبرزان دعوة جبران للانسان للانخراط بعالم الفن والتسامي به نحو الرقي وهما يبرزان فكرة تفرد عالم الفن وخلوده
أعطني النايَ وغنِّ........... فالغنا يرعى العقولْ

وأنينُ الناي أبقى................. من مجيدٍ وذليلْ

وهذا مثال آخر عن الدين وتدين الانسان الذي يخفي من ورائه وطراً كما يراه جبران:
- أربعة أبيات تنقل مشاهد متشائمة تنطوي على صور الضلال والزيف والتناقض والشرور والنفاق من عالم البشر:
و الدين في الناسِ حقلٌ ليس يزرعهُ ......... غيرُ الأولى لهمُ في زرعهِ وطرُ

من آملٍ بنعيمِ الخلدِ مبتشرٍ ..................... ومن جهول يخافُ النارَ تستعرُ

فالقومُ لولا عقاب البعثِ ما عبدوا ........... رباًّ ولولا الثوابُ المرتجى كفروا

كأنما الدينُ ضربٌ من متاجرهمْ .......... إِن واظبوا ربحوا أو أهملوا خسروا

- أربعة أبيات أخرى تنقل تشبيهات ومقارنات للصور الانفة من عالم الطبيعة وهي نقيض الصور الاولى. وتتضمن هذه الابيات في آخرها النتيجة التي توصل لها جبران عن اكتشاف سر الشقاء الانساني:
ليس في الغابات دينٌ .......... لا ولا الكفر القبيحْ

فإذا البلبل غنى ............... لم يقلْ هذا الصحيحْ

إنَّ دين الناس يأْتي ............... مثل ظلٍّ ويـروحْ

لم يقم في الأرض دينٌ .......... بعد طه والمسيح

- بيتان كخاتمة يبرزان دعوة جبران للانسان للانخراط بعالم الفن والتسامي به نحو الرقي والحديث عن فكرة تفرد عالم الفن وخلوده:
أعطني الناي وغنِّ ............ فالغنا خيرُ الصلاة

وأنينُ الناي يبقى ............. بعد أن تفنى الحياةْ

ويمكن تطبيق ذات التقسيم الرائع على هذه الابيات التي سخر فيها جبران من عدل الانسان الذي إعتبره كثلج اذا طلعت عليه شمس الحقيقة ذاب وتبخر!

والعدلُ في الأرضِ يُبكي الجنَّ لو سمعوا ...... بهِ ويستضحكُ الأموات لو نظروا

فالسجنُ والموتُ للجانين إن صغروا ........ والمجدُ والفخرُ والإثراءُ إن كبروا

فسارقُ الزهر مذمومٌ ومحتقرٌ .............. وسارق الحقل يُدعى الباسلُ الخطر

وقاتلُ الجسمِ مقتولٌ بفعلتهِ ..................... وقاتلُ الروحِ لا تدري بهِ البشرُ


ليس في الغابات عدلٌ......... لا ولا فيها العقابْ

فإذا الصفصاف ألقى............ ظله فوق الترابْ

لا يقول السروُ هذي............ بدعةٌ ضد الكتابْ

إن عدلَ الناسِ ثلجُ.......... إنْ رأتهُ الشمس ذابْ

أعطني الناي وغنِ ............ فالغنا عدلُ القلوبْ

وأنين الناي يبقى............. بعد أن تفنى الذنوبْ


وفي ختام المواكب يقدم جبران رؤيته للهروب من عالم البشر المليء بصور النفاق والتناقض الساخر ومن الاثام والالام والحقائق الغائبة الى عالم الطبيعة الارحب والاجمل بصفائه واقترابه من أصل الانسان وروحه. في هذا الجزء الاخير يقدم جبران رؤيته بنمط بنائي فني مختلف عن باقي القصيدة كأنما أرد بذلك إبراز أنها مختلفة. يرفض جبران قيم الانسان ويعتبرها هباء، بل إن الانسان ذاته ليس الا وهم مثل سطر كُتب بماء سرعان ما يجف ويتلاشى، ولا يبقى الا عالم الفن. ولكن هنا جبران يبرع في خلق التزاوج بين عالم الطبيعة وعالم الفن حين يدعو للغناء في حضن الطبيعة من خلال تقديم صور عذبة للعيش في عالم النقاء والصفاء النوراني الاثيري. بل إن جبران يقر في النهاية بعجزه عن تحقيق هذا الحلم حين تفرض أشواق الجسد نفسها عليه وحين تدفعه النفس الى مآرب دنيوية أخرى تبعده عن هذا العالم الصافي الجميل الخالد:

أعطني الناي وغنِّ .................. وانس ما قلتُ وقلتا

انما النطقُ هباءٌ ........................ فأفدني ما فعلتا

هل تخذتَ الغاب مثلي ............... منزلاً دون القصورْ

فتتبعتَ السواقي ..................... وتسلقتَ الصخورْ

هل تحممتَ بعطرٍ ........................ وتنشقت بنورْ

و شربت الفجر خمراً .............. في كؤُوس من أثير

هل جلست العصر مثلي ............... بين جفنات العنبْ

والعناقيد تدلتْ .......................... كثريات الذهبْ

أعطني الناي وغنِّ .................. وانسَ داًْء و دواء

إنما الناس سطورٌ ...................... كتبت لكن بماء


العيشُ في الغاب والأيام لو نُظمت ....... في قبضتي لغدت في الغاب تنتثر

لكن هو الدهرُ في نفسي له أَربٌ .............. فكلما رمتُ غاباً قامَ يعتذرُ

وللتقادير سبلٌ لا تغيرها والناس ........ في عجزهم عن قصدهم قصروا

اللوحة أعلاه للاديب والرسام جبران خليل جبران بعنوان تناغم فوق الذروة (1883 - 1931)

2009/03/19

رسالة


رسالة

قصة قصيرة
بقلم: اياد نصار

هل تذكر أختي التي حدثتك عنها؟ عادت يوم أمس من السفر بعد غياب طويل. لا أعرف كيف مر واحد وعشرون عاماً ولم أرها. سنوات الشوق الطويلة حفرت عميقاً في القلب وحينما أطلت بوجهها الباسم نسيت كل تلك السنوات الضائعة، ولكن بقي منجم لا ينضب من الحنين اليها. حينما تفتحت عيناي على وجوه البشر من حولي لم تكن بينهم. صورتها موضوعة على طاولتي في برواز فضي منذ أن عرفت قيمة الصور. أراها تنظر الي دائماً.. ابتسامة وبقية من كلمات على شفتيها وشعر كستنائي طويل منسدل على كتفيها. بين حين وآخر أمسك البرواز وأمسح الغبار الذي تراكم على الزجاج فتشرق صورتها من جديد. كنت أسمع صوتها بين حين وآخر يأتي من وراء القارات. دافيء حنون رقيق كأنوثتها التي أحسست بها من نظراتها. صورتها صارت رفيقتي في وحدتي منذ أن رحلت أمي. كثيراً ما تأملتها في بعض الليالي لأرى الشبه بيني وبينها. كانت تقول أمي رحمها الله إنني أشبهها. ولكني لا أرى شبهاً كبيراً. وبرغم ذلك فكم هي قريبة مني. حدسي يقول لي أننا نتوافق في أشياء كثيرة رغم أننا لم ننشأ معاً. كلامها وصورتها يوحيان لي بذلك.

بالامس جاءت أم صفوان لتسلم على سناء. كان اللقاء حاراً دامعاً. ترحّمت على أمي وهي تعانق سناء وتقبّلها. قالت أم صفوان إنها حملت سناء بين يديها وهي صغيرة. ذكرتني جملتها بتلك الظهيرة الشتوية. كانت أمي مشغولة بصنع المفتول. ملأت الطنجرة بالماء ووضعتها فوق الموقد ووضعت فوقها مصفاة حديدية مشبكة وألصقت لباناً من فمها حول المصفاة لتلتحم بالطنجرة الكبيرة وتسد منافذ البخار. وضعت المفتول الذي صنعته بيديها فيها. كان البخار يتصاعد من الطنجرة فينضج المفتول في المصفاة. سهت أم صفوان عني .. مددت يدي .. أحسست بلسعة. مزقت صرخة مفاجئة من الالم هالة السكون. بقيت أبكي وأصرخ بدون توقف. احترق ظاهر يدي اليسرى بالموقد. غضبت أمي. خرجت أم صفوان مغضبة ولم تعد. مضة سنة كاملة لم تدخل بيتنا. وحينما رجعت إستقبلتها أمي بالاحضان. هكذا روت لي أمي. وهكذا كن صواحب أمي كما أتذكر. ما أن تصفو الايام بينهن حتى ينقطع الود مرة أخرى. كل واحدة تدير ظهرها فترة من الزمن حفظاً لكرامتها! أقول لأم صفوان باستمرار: عندما أنظر الى الوشم في يدي أتذكرك!

فرح أبي بعودة سناء. كعادته حينما يأتي الغيّاب فقد نزل الى السوق وإشترى فوارغ ومقادم ورؤوس غنم. بقيت طوال النهار مشغولاً في تنظيفها وتحضيرها وطهيها. كنت أكرهها وأتعجب كيف تقوم بها أمي. لكن أمي كانت صبورة. تذوب كالشمعة في صمت من غير أن تحس. في كل مرة كان زوج سناء يتصل بنا من أوهايو كان يقول إنه حنّ الى تلك الايام التي كانت تصنع أمي لهم تلك الاكلة. بعد أن رحلت أمي لم يعد يأتي على ذكرها. لا أظن أنه يفعل ذلك بدافع الاحترام لذكراها! فأنا أعرفه جيداً. لا ذكريات لديه سوى ذكريات تجارته ومحلاته! أظن أنه لم يكن يثق في قدرتي على طهيها! أراح واستراح!

جابر، هل سأقدر يا ترى أن أرحل عن البيت مثل سناء؟ أفكر كثيراً بالامر. لقد نشأت في هذا البيت وصار عالمي الذي لا أعرف سواه. مرت بي أيام كنت أشعر بالوحدة فيه وأتمنى الخروج منه. ولكنني لم أجرؤ حتى على التفكير بذلك. صار هو حريتي وسجني، صار جنتي وناري. هل سأطيق سنوات الغربة مثل سناء؟ لقد ذهبت مرة الى بيت خالتي في العقبة لأقضي عندها الصيف. وبت هناك ليلتين. أحسست بالاختناق والحنين. لم أستطع أن أبقى بعيداً فعدت.

غرفتي صارت عالمي الصغير. فيها كل شيء. سأصف لك بعض ملامحها لتشعر كم تعني بالنسبة لي. صغيرة ومتواضعة لكنها مليئة بالدفء. أمامي مكتبتي التي صارت نافذتي على الدنيا. والى جانبي تلفاز يؤنس وحدتي في أمسيات الشتاء القارسة. وهذه نافذتي تطل على الحي الصاخب الذي لا يهدأ. منظر كئيب يصيبني بالاحباط! في أمسيات كثيرة أقف على النافذة وأسرح ببصري للبعيد وأتخيل زرقة البحر أمامي تتكسر أمواجها عند الشاطيء. ستائرغرفتي بنية ولها ستارة شفافة سكرية اللون وذات ثنيات وتفصيلات جميلة. وخلفي على الحائط لوحة زيتية شرقية ذات إطار أزرق، وتحتها سريري بأغطيته ووسائده الزرقاء الزاهية. أعشق اللون الازرق منذ أن كنت صغيرة. يتلائم مع إحساسي الفطري بالحزن. ومن حولي تحف خشبية من صنع يدوي وورود مجففة لكنها تفوح بعطر. وبجانب الباب درسوار جميل له مرآة صغيرة طويلة. وعلى سطحه اللامع صورة أمي وأبي في يوم زواجهما. أرى فيها عالماً مفقوداً لم أعد أحس أنه بقي منه شيء في زماننا! أرى في عيونهما إخلاصاً وحباً صافياً وبساطة نفتقدها هذه الايام. تمتزج الالوان والفنون والصور في كل زواية فيها. كم اتمنى لو كنت معي الان لتراها. لترى لوحاتي التي رسمتها وألواني وفراشي الرسم. على طاولتي لوحة عباد الشمس. صارت جزءاً مني. وهذه أزهار الخزامى التي أحتفظ بها في كيس ملون. وهنا مكتبي الصغير وفوقه صورة سناء وزرافتي التي تؤنس وحدتي! والى اليسار ألعابي التي أحتفظ بها منذ صغري. ولكن رفيقي في الليل هو كتابي. ديوان شعر لا يفارق يدي. كم من ليلة قرأت فيه وارتحلت مع بحاره وأنهاره وجزره النائية. صار الشعر رفيق إحساسي الذي ينقلني الى عالم صوفي شفاف أتنسم أجواءه في قلبي وأراه متجسدا أمام نظري. وهذه هنا سفينتنا الخشبية بأشرعتها التي سنسافر فيها!

جابر، هذا هو عالمي. عالم كامل. لا أحتاج الدنيا خارج غرفتي! تصور أني اشتريت تحفاً لأسطورة صينية . أحب عالم الاساطير. هل كان الناس في الماضي هكذا أم أن هذه مجرد أوهام للتعويض عن شقاء الانسان؟ قد يبدو عالمي صامتاً ولكن فيه من عاطفتي وخيالي وتاريخي وليس مثل عالمك المسكين! لا عليك من شطحاتي!

جاءت أمك وأختك هدى يوم أمس لتسلم على سناء وأولادها. لم تجلس هدى الى جانبي طوال الزيارة كما اعتادت أن تفعل دائماً. كانت أمك ترمقني بنظرات باردة بطرف عينيها من غير أن أعرف سبباً لذلك. شعرت بالتوتر وتشتت أفكاري. رجعت لشريط الذكريات أمر عليه لعلني أعرف السبب. بقيت تائهة في لجة أفكاري. شعرت باضطراب داخلي وانقباض. ماذا فعلت حتى ترميني بنظراتها الباردة وتجافيني هدى على غير عادة. شعرت كأنني إرتكبت ذنبا عظيماً من غير أن أدري. قالت لسناء وهي تغمز بطرف حديثها: "أليست الحياة هناك أفضل من هنا؟ كيف ترفض من تأتيها فرصة للاقامة هناك وتبقى هنا؟" لم تتوقف طوال الوقت عن التلميح الذي يحمل في طياته اللوم. مزق كلامها هدوء نفسي. ولكني بقيت صامتة أتظاهر كأنما ليس هناك شيء. رسمتُ ابتسامة ً باهتة على وجهي كلما رأيتها تلتفت الي. ولكني إحترقت من داخلي. بقيت تسأل أسئلة بين حين وآخر وهي تعرف إجاباتها مسبقاً بلا شك. تتباهى بها وتقصد أن أسمعها. "كيف هو بيت جابر؟ هل هو كبير وواسع؟ هل شاهدتيه؟ أخبرني أنه يمتد على قطعة أرض فسيحة وأمامه بستان من الاشجار؟ دعاني أن أذهب عنده للزيارة والاقامة لمدة شهر. كم أتمنى أن أذهب هناك ولكني أنتظر نتيجة سهام في الثانوية، لا أريد أن أتركها وحدها. هذه سنة مهمة يجب أن أقف الى جانبها".

هدى الاخرى كانت فظة ومتظاهرة ومتعالية. تقول إنها ما كانت لتبقى هنا لولا أمك. ولكنها مستعدة للتضحية لاجلها. كانت تتباهى بزياراتها وجولاتها وحفلات الاستقبال التي لقيتها عندكم في الصيف الماضي.وجّهت نظراتها اليّ وقالت: "لو كنت مكانك لما بقيت هنا يوماً. لماذا تدفنين نفسك هنا؟ والدك تزوج وأمك توفيت فماذا بقي لك هنا؟" شعرت كم هي مختلفة عني. لم يكن عالمي الصغير بذكرياته وكائناته يعني لها شيئاً، وكأن وجودي ليس له قيمة بحد ذاته.

لا أريد أن أشغل بالك بقلقي أو أثير هواجسك من حساسيتي. ما يزعجني أنني لا أجد أحدا يفهم طبيعتي وعالم أشيائي سواي. وحدها أمي كانت تتقبلني كما أنا وتدرك صوفية تفكيري. لست صعبة المزاج أو معقدة ولكن نظرتي للحياة تختلف عن كل النساء هنا. أحس بأن قلبي مضطرب ولكني أبوح لك لترتاح نفسي. قد لا تدرك سبب خوفي من الغربة ولكنني أخاف إن غادرت عالمي أن تضيع ذاتي.

لقد نسيت أن أخبرك أنني ذهبت في صباح يوم أول أمس الى محل الازهار واشتريت باقة من أزهاري التي تعرفها.. عباد شمس وياسمين وزنبق. لقد جمعها ورتبها العامل في المحل في باقة جميلة ولفّ حول سيقان الازهار ورقا بنياً وفضياً وأحاط الازهار بغلاف شفاف وربط حولها عقدة من الشبر الاحمر لتبدو هدية رائعة. ناولني بطاقة فارغة وكتبت عليها إهداء وبيتا من الشعر. خرجت سميحة الاسبوع الماضي من المستشفى بعد أن إطمأنوا الى وضعها الصحي. لقد تحملت الكثير بصمت. كنا نحس بها وهي تحترق في وحدتها وبؤسها. لم يكن يشعر بتراجع مساحة روحها القابلة للحياة وبقي يضغط عليها حتى لم تعد ترى أي أفق لحياتها معه. كم أثر فيَ ما جرى لسميحة. زرع في قلبي الرعب والخوف من المستقبل. هل يمكن أن يحصل لي ما حصل لها. أرجوك ألا تفهم كلامي خطأ. أنت مختلف وأدرك كم تتفهم طبيعتي. ولكنها هواجس تبقى تلحَ على أعصابي.

أحببت أن أكتب لك وأشاركك في كل شيء يؤرقني في داخلي. أعرف أنك تتفهمني. ربما كدَرت صفاءك بهمومي ولكني أنشد وقوفك الى جانبي. كم أنا محتاجة اليك. أتمنى عودتك. إنها تذكرني بتلك الايام التي كنت بها هنا فكنت أحس بالفرح لرؤياك. قد طالت غيبتك وانشغالك عني، وقلبي ميت خوفاً من الغربة. لا أظن أنني سأتجرأ وأفعلها كما فعلت سناء. أرجوك أن تتفهم خوفي. أنا كالسمكة اذا خرجت من بحرها ماتت. أرجو أن تجد لي ساعة لتفكر بكلماتي وترد علي. لقد كتبت لك عدة مرات ولم يصلني منك شيء.

المشتاقة لك

غادة


في اليوم التالي أخذت غادة الرسالة وهي تحتضنها بكل حرص في يديها وهي تتأمل في العنوان الذي خطته أناملها بكل أناقة الى البريد وأودعتها. نظرت اليها الموظفة وفي عينيها إبتسامة غامضة تدل على شعور بالحزن والتعاطف. صارت كل الموظفات في المكتب يعرفنها. كل شهر تأتي ومعها رسالة بغلاف ملون مكتوب عليه بخط جميل تتفنن في كتابته. صرن يعرفن لمن ترسل الرسائل وبلد مقصدها فلا يسألنها عنها. بل يلصقن الطوابع مباشرة. أرسلت غادة الرسالة وخرجت ونظرات الموظفة تلاحقها بحزن خفي ارتسم على وجهها وفي عينيها. بعد أسبوعين ذهبت غادة الى صندوق البريد لترى إن كان قد وصل رد من جابر. كان الصندوق فارغاً. تذهب كل يوم والامل يحدوها أن تجد منه شيئاً. تنتظر رسائله بفارغ الصبر. بقيت طوال الاسبوع تذهب وتعود خائبة الوفاض. يوم الخميس لمحت شيئاً من ثقوب الصندوق الحديدية. فتحت الصندوق بسرعة واضطراب. تعثر المفتاح باديء الامر في مكانه. لكنها أخرجت الرسالة. كانت مليئة بالاختام على وجهي المظروف. صارت تعرفها تماماً. كانت الرسالة موشحة بعبارة لم تعد غريبة عنها.. المرسل اليه ترك المكان ولم يعد يسكن هنا. شعرت بانكسار في القلب ودمعة ت